اشكاليات الديمقراطية ...وما يشاع عن دكتاتورية المالكي
الخميس 10 مايو / أيار 2012 - 20:12
أ. د. حسين حامد حسين
إذا سلمنا بأن الحرب واحتلال العراق كانت خطأ استراتيجيا، فأن النتائج رغم كل شيئ قد حققت للعراقيين أعظم هدفين في التاريخ المعاصر يمكن أن يحلم بهما كل شعب عاش طويلا تحت الاضطهاد، هما : القضاء على النظام الدكتاتوري الصدامي البعثي، والاخر فتح الطريق الجديد ولاول مرة منذ قرون أمام تحقيق تقدم سياسي في العراق. وبغض النظر عن كل شيئ اخر، فألهدف الاول جعل العراقيين يتنفسون الصعداء لاول مرة بعد صبر طويل، وأما الثاني فقد حقق لنا فهما جديدا على عكس ما كنا نتصوره، وهو أن المناخ الديمقراطي قادر على افساد الكثير من السياسيين العراقيين .
والحقيقة أن معظم المفكرين والمحللين الذين رفضوا فكرة العراق ، باعتباره أفقا ميؤوسا منه من أجل قيام الديمقراطية، فشلوا، لانهم وببساطة لم يتحدثوا مع الشعب العراقي ليعرفوا كيف يفكر. ولم يقوموا بزيارة العراق والانصات الى وجهة النظر العراقية عن الديمقراطية لكي يفهموا كيف ينظر العراقي للديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان. ولم يلتقوا مع العائلات العراقية التي كانت تعيش في خوف دائم ومذلة تحت حكم صدام وحزبه. كما ولم يتم منح هؤلاء فرصة الاطلاع على بعض المقابر الجماعية للشهداء والبالغ عددها نحو 300 مقبرة، كانوا من معارضي النظام ممن تم ذبحهم بوحشية وبمئات الآلاف. فلو تم الاطلاع على كل ذلك، لكان بوسع المنتقدين معرفة لماذا يصر العراقيون على اقامة الديمقراطية، والتي لاتتكامل الا من خلال توفر الأمان والتكاتف الشعبي .
وما يتعلق بمسألة بناء الديمقراطية في العراق من وجهة نظر المحللين السياسيين في الغرب، فهناك اراء متفاوتة ومتقاطعة نذكر منها مثلا ما يعتقده (توني سمث) ، في ان العراق لا يصلح نموذجا للنظام الديمقراطي بسبب عوامل كثيرة من بينها ان العراق يفتقر للأكاديميين الذين من شأنهم قبول شروط مسبقة بشكل عام على اعتبار أن ذلك النوع من التأهيل ضروريا لتحقيق نجاح الديمقراطية . وكذلك أيضا، بما أن الطبقة الوسطى في العراق قد اضمحلت وتلاشت ، فأن عدم توفر الشرط الديمقراطي الاساسي متمثلا بالطبقة الوسطى والذي يمنح هذه الطبقة الحق لاستخدام صوتها الحر من اجل استقلالها عن الحكومة القائمة، سوف لن يجعل من تطبيق الديمقراطية هدفا ناجحا. بالاضافة الى عائدات النفط (والتنازعات من اجلها) ، ثم خط الحياة، ألمتمثل بالأنظمة العراقية المتعاقبة وما معروف عن توجهاتها لتكريس النظام المركزي بدلا من ديمقراطية السلطة. فضلا، من ان العراق بلد لم يكن لديه تقليدا حكوميا مسؤولا أو محددا؛ كما وأن الهوية الوطنية ضعيفة في مواجهة تنافس الولاءات الدينية و العرقية. ويبقى العامل ألاهم من كل ذلك، يتمثل في التدخلات الإقليمية لدول الجوار في سعيهم لتقويض أي حركات تتسم بالديمقراطية، وكذلك الافتقار الى الشخصيات الديمقراطية والتي ستقود البلد، كل ذلك عوامل تقف ضد تطبيق المبادئ الديمقراطية في العراق بزعم (سمث) (1).
(1)Tony Smith and Larry Diamond.Was Iraq a Fool's Errand? Foreign Affairs، November/December 2004.
*TONY SMITH is Professor of Political Science at Tufts University.
ولكن ليري دايموند يعتقد بخطأ (سمث) فكريا ويعتبره خطأ يشترك فيه الكثيرون عند الكتابة عن الديمقراطية هذه الايام، من خلال استبعاد إمكانية قيام الديمقراطية في الدول التي لا تستوفي الشروط القياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المذكورة أعلاه. فبعد 25 عاما من البحث على أدلة تناقض تلك النظرية ، ومن خلال دراسة التطور الديمقراطي في أكثر من عشرين بلدا، خلص (دايموند) إلى أن في الواقع لا توجد شروط مسبقة للديمقراطية سوى التزام النخب السياسية لتنفيذ مسؤولياتها والتزاماتها، وعلى أمل أن يكون ذلك مقترنا بدعم شعبي واسع أيضا . (2)
(2) Ibid.
*Diamond is a leading theorist of democratization and an outstanding proponent of putting human rights and democracy promotion high on the U.S. foreign policy agenda. He also helped the Bush administration in its attempt at "regime change" in Iraq.
ودايموند ينفي أيضا الاعتقاد الذي يفترض أنه ربما قد تكون احتمالات الدول الأكثر ثراءا ستكون أفضل حالا من تلك الفقيرة، فاليوم، هناك ما يقارب من ثلث البلدان في العالم ذات "تنمية بشرية منخفضة" لكنها تضم أنظمة ديمقراطية قائمة. ولكن في هذا الصدد، يصبح الاعتماد على النفط نوعا من لعنة، كذلك تشكل الانقسامات العرقية العميقة مشاكل مستعصية، مما يجعل بناء الديمقراطية يواجه تحديات أكبر من اجل البقاء. ومع ذلك، فان نايجيريا واندونيسيا لديهما هذا المزيج من المشاكل والفساد، لكنهما حافظا على الديموقراطية بايمان كأفضل شكل من أشكال الحكومات. ففي السنوات ال 30 الماضية، أنتقلت اكثر من 88 من البلدان إلى النظم الديمقراطية، وكان العديد منهم لا يمتلك تقليدا محددا في الحكومات أو مسؤوليات وطنية، ولا حتى طبقة وسطى من اجل الحديث عن الاستقلال عن الدولة، ولا هوية وطنية صلدة أو موحدة، ولم يكن بينهم من الشخصيات الديمقراطية القيادية (3).
(3) Ibid.
ماهي مشكلتنا مع الديمقراطية ولماذا يشاع عن دكتاتورية المالكي :
أن على من يطمح في طرح الحقائق التي يعتقد بصحتها وبلا انحياز لجهة ما، عليه ان يتوقع (ومهما أراد الدفاع عن نفسه) ، فأنه سوف يجد أن من أكثر الاشياء سهولة في هذا الخصوص هو سرعة اتهامه بالتزلف ومحاولة التقرب من المالكي. وعليه، فأني لكي اثبت ان كتاباتي عن الاخ المالكي لا يشوبها مصلحة شخصية او تزلف، لاني لا أنتمي الى حزب أو فئة ولن أنتمي ، وأن ما أكتبه انما هو دفاعا عن شعبنا وعن الحق والضمير، فاني مضطر هنا، أن أقول أني شخصيا من المتضررين من قوانين حكومة المالكي. حيث، لم أحصل حتى على اعادة حقوقي كمواطن عراقي متضرر من الاعتقال والتعذيب من قبل النظام الصدامي عام 1984. كما ولم أحصل أيضا حتى على حقوقي التقاعدية لخدمتي في التدريس 28 عاما في الجامعات العراقية، فهل من شأن هذا الاعتراف ان يكون دليلا مشجعا في الكتابة عن المالكي بدون اتهامات؟
والحقيقة المعروفة للجميع ، أن السعي من أجل الديمقراطية في العراق لا يزال يواجه بتحديات كبرى. ولكن في نفس الوقت، هناك اعدادا هائلة من شعبنا على استعداد للمخاطرة بحياتهم وثرواتهم في بناء الدولة الديمقراطية رغم كل شيئ اذا ما اقتضى الامر. فبعد الحرب، وعلى الرغم من كل ألاخطاء، كان التحدي الاكبر يتمثل في بناء نظاما ديمقراطيا شرعيا محتشما وهو الهدف الذي يريده شعبنا وباصرار. ولكن سياسة الكتل المعروفة بعمالتها للسعودية وقطر ودول الخليج كالكتلة العراقية ورئيسها اياد علاوي في تحالفاتها مع شراذم البعثيين وبعض قيادات التحالف الكردستاني، ضد النظام الجديد، قد جعلها تسعى الى محاولة تصوير حكومة المالكي بالتفرد ووصم المالكي بالدكتاتورية وعدم القدرة على الاستمرار بمهمة الديمقراطية، وكان ذلك السعي له دورا محبطا للعملية السياسية.
واليوم نجد أن الكثير من السياسيين المناوئين لسياسة المالكي يكررون اتهامه بالدكتاتورية، وبأعتقادي الجازم أن المالكي ليس دكتاتورا. ولكن المشكلة لها وجهان، اولهما المشكلة الازلية المتوارثة عبر الحكومات عن شعبنا والتي تتسم بالغضب والرفض لكل حكومة جاءت، منذ حكومة نوري السعيد وحتى هذه الحكومة الحالية. والوجه الاخر، هو ان حكومة المالكي القائمة، قد شابتها تحديات كثيرة ومنذ الدورة الانتخابية الاولى في 2005، اذ حاول الكثيرون اسقاطها تحت شتى الذرائع ، ولكن المالكي وقف لهؤلاء الطغم بالمرصاد فأبطل سعيهم. وباعتقادي أيضا، أنه من خلال سلوك المالكي الشخصي المتزن ، وحرصه على مصالح شعبنا، أصبح اتهام المالكي بالدكتاتورية، وتحت هذه الظروف التي نجد فيها السواد الاعظم من المسؤولين السياسيين يتنافسون من اجل المصالح الشخصية، لا من اجل مصلحة الشعب ، فانهم حينما يتهمونه بالدكتاتورية، أنما هم في الحقيقة يضعون اكليل النصر فوق رأسه. فحينما نحاول، أن نضع مقارنة بسيطة وسريعة بين المالكي كقائد للحكومة، وصدام كقائد للدولة، وكلاهما متهم بالدكتاتورية، نستطيع ان ندرك خيبة هؤلاء في ذلك الاتهام الباطل. فهل استطاع احد من هؤلاء أو من غيرهم أن يتهم المالكي بالفساد او بعدم الوطنية او بالمحابات والتزلف على حساب المصلحة العامة، أو بقتل الشعب العراقي او في بناء القصور وووو، فبما أن الجواب عن كل ذلك يأتي بالنفي، نستطيع حينئذ ان ندرك اهداف هؤلاء من اتهامات باطلة كتلك.
من جانب اخر، اننا نرى ان من الواجب التطرق الى مشكلة خلقها التمسح بالدين وأغضبت شعبنا كثيرا في تداعياتها. فالمعروف أن الدين يسعى من اجل توجيه الأفراد الذين يطمحون الى بناء الشخصية الروحانية طالما بقيت صلابة العقيدة هي الموجه الذي يوفر للناس في حياتهم البناء الاجتماعي المطلوب. ولكن الدين لا يستطيع العمل مع السياسة وخصوصا في وطن تتعايش فيه كل المعتقدات والآراء والطوائف من السنة والشيعة والعرب والاكراد والتركمان والايزيدين والشبك وجميع الاديان المختلفة كالاسلام والمسيحية والصابئة. ففي الوقت الذي يكون فيه مجتمعنا الجديد بحاجة لتحقيق التسويات، وهو مبدأ سياسي ضروري احيانا، وإذا توفر بالاسلوب الصحيح ، فله أهميته البالغة في العمل السياسي. لكن ذلك ألمبدأ ومن اجل تحقيق الاهداف السياسية، قد يضطر الى سلوك الطرق والاساليب الوضيعة في كثير من الاحيان، وذلك على النقيض تماما مع ما يتمتع به الدين من مزايا نقية وقيم أصيلة كالتعاون والاخاء والمحبة والمساواة والتسامح تجاه بعضنا البعض . وعليه ، فاننا في حالة كهذه أو غيرها ، قد سمحنا للأغراض السياسية سترقى على حساب قيم الدين، وفي النتيجة اننا أسقطنا عن مجتمعنا ما نحتاجه من أخلاق وسلوك قويم . وباعتقادنا اننا من اجل ان نبني عراقا موحدا، علينا جعل الدين بعيدا عن السياسة . وذلك لاننا وكما هو حاصل الان, فان البعض يستخدمون الدين كأداة لكسب السلطة والنفوذ على حساب العملية السياسية .
ولا يخفى مقدار مساهمات احزاب وكتل الاسلام السياسي في العراق ومنذ 2003، في الاساءة وبشدة الى الدين والعملية السياسية معا من خلال مواقف تذبذبها السياسي وارتباطات مصالحها مع ايران وانفتاحها المريب على القائمة العراقية لاياد علاوي والبعثيين ممن برهنوا على عدائهما لشعبنا في مواقف كثيرة جدا، في محاولات لاستعادة النظام البعثي وبكل الوسائل.
والامر الغريب, ان مواقف التيار الصدري و كتلة المواطن بالذات، لم ترقيا الى مستوى المسؤولية الوطنية، لاسياسيا ولا دينيا من خلال ائتلافهما مع التحالف الوطني!!! بل وجدنا كلا الكتلتين, خصما لدودا في وقوفهما ضد المالكي بالذات, وكانتا اول من نادى باسقاطه!! وكانت زيارات السيد مقتدى الصدر الى ايران والسيد عمار الحكيم الى السعودية وتركيا, وهي بلدان اصبح من الواضح انها مصدرا للتئامر ومحاولات اسقاط النظام العراقي الجديد , كانت تفرض على العراقي الوطني أسئلة محيرة عن أهداف تلك العلاقة التي كانت تزداد رسوخا معهم . حتى بدا أن شعبنا قد تفاقم غضبه وتمرد على ذلك السلوك العدواني لقيادي الكتلتين بعد ما كان يعتبرهما مثلا أعلى للوفاء الديني والذي حرص العراقي أن يكون له دائما وجودا حقيقيا في ذاته من خلال احترامه التقليدي المتوارث لرجال الدين.
فهذا السيد مقتدى الصدر, نجده يهبط الى مستوى التحالف مع مسعود برزاني وأياد علاوي واسامة النجيفي , وهم نكرات لم يكن لهم يوما دورا على مسرح الحياة سوى الامتياز كعملاء وعبيد سواءا لصدام او للسعودية أو لتركيا أو لاسرائيل. وهل كان هؤلاء او غيرهم ليستطيعوا تبني مواقف صلفة ومستهترة كالتي يقفونها اليوم ضد الحكومة المنتخبة لولا تكاتف السيد مقتدى الصدر معهم ودعمه لهم, بينما يدعي هو الوطنية ويتبجح بقيم الدين وبالذمة والوفاء امام الله وشعبنا؟ فأين قيم هذه العمائم التي يفترض انها رمز للتقوى ومخافة الله حينما تصبح هدفا للتئامر وشق وحدة شعبنا؟ وما قيمة الصلاة والصيام والحج والتدين أمام عدم مخافة الله؟ اين ذهب كل ذلك (الورع) و (التقوى) أمام حقوق شعبنا التي تريدونها أن تضيع كما ضاعت لاربعين عاما من قبل؟ وماذا دهاك يا سيد مقتدى الصدر لتقف هذه الوقفة الباطلة امام التحديات التي يواجهها المالكي من قبل هؤلاء الاقذار؟ ألا تعرف من هو مسعود برزاني؟ هل ايمانك يدعوك للوقوف مع زنديق ظالم لشعبه الكردي وقد أتخمه السحت الحرام؟ وهل ان القوات الامريكية وحدها هم أعداء شعبنا لتنبري لمحاربتهم بينما اياد علاوي من تتحالف معه اليوم قد أذاقك والتيار الصدري الويل والهوان في النجف؟ أهو خلل في تكوينكم البايلوجي لكي يصبح شذوذ فكركم عن الحق فتقفوا بهذا المستوى المتدني في علاقات يشوبها الحسد واللؤم ضد شعبنا الان, بينما تتركون المالكي يحارب اليوم على عدة جبهات ضد هؤلاء المستهترين بحقوق شعبنا ومن دعمتموهم أنتم ضد حكومته المنتخبة؟ أفيقوا يا سادتنا من هذا الاستكبار الذي تمارسونه على الارض ولا يرضاه الله تعالى لعباده؟
علينا أن نتذكرعما كان عليه حالنا في زمن المقبور, وكيف كنا نعيش؟ ألم تكن الحرية والكرامة هي كل ما نبغيه؟ فهل أتخمكم الباطل فاصبح طعمه عسلا في افواهكم؟ ألا تعلمون أنه لولا المالكي ودولة القانون , لعاد البعث من جديد, ولوجدنا أنفسنا في معسكرات رفحة ثانية؟ فهل القتلة والارهابين ومن يحميهم في كردستان العراق قد أصبحوا اليوم خيرا من الوطنيين أمثال المالكي وغيره؟ اتقوا الله يا سيدنا وعودوا لشعبكم , فلا أنتم ولا نحن ولا غيرنا نساوي شيئا بدون عمل صالح يرضي الله تعالى ويفرح شعبنا . وكفى جورا على بعضنا البعض.
فاذا كان لا يزال أعداء المالكي ممن اوقفهم عند حدودهم بعد ان تجاوزوا الحدود، يخطأون في الاعتقاد ان المالكي قد يستطيع ان يتنازل عن حاله وماله، لكنه لا يتنازل عن السلطة، فبأعتقادنا أن المالكي لا يحب السلطة كما يتصوره هؤلاء، ولكن المالكي يدرك جيدا، أن تنازله عن السلطة سوف يعيد حكم البعث للعراق في ساعات فقط . فلولا المالكي وكتلة عراق القانون، في تربصهم لغدر البعثيين، لكان شعبنا (لاسمح الله) يسبح اليوم في أنهار من الدماء.
ثم أن حكاية شعبنا في عدم رضاه عن الحكومة ، أية حكومة كانت ، هي في الحقيقة مشكلة ازلية قائمة بحد ذاتها. فشعبنا يكتنفه شيئ من التحدي من خلال وقوفه بعدم الرضا عن الحكومة. فربما من أسباب مشكلة مشاكسة الحكومة والوقوف ضدها، هو ما نتوهمه كشعب من اننا في تحدينا لها، فأن ذلك قادرعلى منحنا غبطة عريضة حرمها علينا فشلنا الطويل في كسب قصب السبق في حياة لا يجيرعليها أحد سوانا. ففي ذلك التحدي ربما، تكريسا واهما للشكيمة الخامدة فينا ، لكننا نفسرها امام أنفسنا كنوع من القدرة على هز (جبروت) الحكومة التي لم ننعم يوما سوى في افراطها في عدم الرحمة بنا وفي عدم التفاهمات معنا وفي سحق تطلعاتنا المشروعة. فحينما نفشل في مواقف الحياة، فأننا لم نتعلم بعد كيف لنا ان نقابل الفشل بالصبر والتحضير لجولة اخرى، بل نلجأ الى ندب حظوظنا وغلق الابواب على انفسنا، ولا نجرأ حتى على مشاكسة فشلنا كأضعف الايمان.. لقد طاب لنا الاضطجاع طويلا في كهوفنا المنسية، نعب كؤوس خدرنا ألازلي ونتبادل، شبه موتى، طقوس الكسل واللامبالات. فلكم يحلوا لنا الحديث مع بعضنا البعض،عن فنون ذبح الحقيقة والاحتفاء بالقوة الغاشمة وسحق الكلمة الحرة ورفض استمزاج الرأي وتحقير نسائنا الطيبات المضحيات. بقينا هكذا في كهوف عزلتنا عن العالم ، يفرض علينا الغرباء اجنداتهم، وخلف ألاستار يواصلون قهقهاتهم الخفيضة ساخرين بهمجيتنا وافعالنا الشنيعة لأوطاننا التي أحالها الغزاة أطلالا، ولم يجعلنا ذلك نكف عن تمزيق بعضنا البعض . وأمسى الغرباء بيننا، يسخرون منا ومن أنانياتنا وهم يروننا ننهب وطننا الصامت بإبائه، ويوصدون علينا ابواب الحرية، لكي نزداد أمعانا في تمزيق بعضنا البعض .
وختاما، أن استمرار الجور على بعضنا البعض، من شأنه تحطيم شعبنا بشكل أعظم مما هو عليه الان. ونحن ان سلمنا ، أن لا أمل في اصلاح ساستنا من اجل خدمة شعبنا، مثلما نحن ندرك أيضا، أن الحفاظ على الديمقراطية لا يتم الا في التكاتف الوطني , فعلى هؤلاء الساسة ان يتحسبوا ان لا مكان لهم في الدورة القادمة كممثلين عن الشعب. وهذا لا يتم الا بوجود المالكي مستمرا في قيادة الحكومة وشعبنا نحو المستقبل الذي نستحقه . فساستنا لا يزالون يعيشون في حنينهم الى النظام البعثي الفاشي، ومسألة عدم غفرانهم للمالكي أو من يقف معه في بناء العراق الجديد، تبقى من الامور التي لا يقضي عليها سوى الموت.