جرّ الحبل
الجمعة 11 مايو / أيار 2012 - 17:23
عبد السلام آل ياسين
لا أدري ما الحسابات التي سمحت للسيد الصدر بشدّ الرحال إلى أربيل؟ أربيل التي تحاول جاهدة أن ترغم الجميع على أن يؤمّها ويأتمّ بها ولو بلطائف الحيل ـ مع من يكنّ لها الاحترام ـ ولو على حساب مستقبل شعبها ـ مع من يكنّ له الخصام ـ لا لأنـّها قبـّة الميزان، بل لأنـّها خاضعة لحكم سلالة تَرهب النزول عن الصخور الوعرة لأجل أنـّها لا تجيد السير في الأرض السهلة. وما الحسابات التي جعلته يتهامس ويتغامز فيها مع مَنْ افتتح جناح خاصّ للصدريين في مقبرة وادي السلام بعد أن هدم قبور آبائهم وأجدادهم على رؤوسهم؟
لقد أبلى الصدريون بلاء حسنا في الانتخابات البرلمانية الماضية مكّنتهم من ترجيح كفّة على كفّة ومضوا حثيثا للوصول إلى حالة الاعتدال في حطّهم وترحالهم في مشوار السياسة العراقية، وقد جاء هذا البلاء والتمكين من خلال رصّ صفوفهم بطرد العناصر المتطرّفة ومن خلال إبعاد بعض العناصر المنفعلة عن تمثيلهم في منتديات الدولة العراقية، ومن خلال وضع خدمة الشعب في صدارة لائحة برامجهم الانتخابية؛ الأمر الذي رفع مؤشّر الثقة بسياساتهم في الأوساط الشعبية وأجلسهم على مقاعد وفيرة في أروقة ائتلاف القوى الشيعية بعد أن كانت تتأرجح تلك السياسات بين التفاعل والانفعال.
فما هي تلك الحسابات، فهل أنـّهم لبسوا مسوح الوعظ والإرشاد لتشجيع الآخرين على الزهد في هذه الدنيا أم أنـّهم حنّوا إلى ملاعب الصبا، أم أنـّهم وصلوا إلى درجة من الحنكة لا تسمح لهم بأن يكونوا للبعض إخوانا وللبعض الآخر أترابا؟
ثـَمّ عدّة احتمالات؛ الاحتمال الأوّل هو أنّ السيد الصدر إنّما حطّ في أربيل لأجل أن يحطّ عن كاهل الشعب المترنّح من العواصف التي تثيرها سرعة طيران الساسة المحلّقين في أجواء دول الجوار، ليحطّ عن كاهله أزمات الافتعال بسياسة الاعتدال، ويبعث برسالة واضحة ومن البيت الذي يُهدّد بغلق بابه دون الفِناء المشترك؛ من أنـّه يدعم مساعي الحكومة في حرصها على الحيلولة دون مبادرة الشركاء إلى حرمان أنفسهم من سعة وكثرة نوافذ ذلك الفِناء، ولكنّه في ذات الوقت يريد أن يُطمئن من يشوبه قلق الدكتاتورية أنـّه لا يؤيّد فكرة احتمال بقاء المختار لدورة مختارية ثالثة ويذهب بعيدا في ذلك بوضع خارطة طريق لسحب الثقة، ليس إيمانا منه بأنـّه دكتاتور بل لأنـّه يروم مكافأته وتسريحه من الخدمة وإجباره على الدخول في دورة نقاهة بعد أن أجهد نفسه كثيرا بتحمّله أعباء جذب حبل مشنقة الدكتاتور السابق ورتقه الفتق الأمني وتطهيره الفِناء من طحالب المسسبي وحراسته لجميع الأبواب المطلّة عليه واستضافته إخوته من أن يُلقوا به في الجبّ، الاستضافة التي ذهبت بماء وجهه نتيجة اعتذاره لأهل الفِناء من الزحام والاختناق الذي تسبّبت به!
ولأنـّه لا يعرف معنىً للتحيّز فقد بعث برسالة إلى الائتلاف الذي يحتلّ تياره مقاعد وفيرة فيه يمهله أسبوعين اثنين لا أكثر لتنفيذ ما أمضى عليه في الاجتماع الخماسي لمن يتربّص بالائتلاف ريب المنون لردمه وطمره، حرصا منه على تجنيب العراق خطر انعقاد اجتماع 1+5 في بغداد الأمر الذي سيهدّد أمن العراق واستقراره! بل ولأنـّه عالم دين يفقه جيّدا قاعدة المؤمنون عند شروطهم ـ التي يشمل نفوذها أيضا غير المتشارطين بطبيعة الحال! ـ فإنـّه يحرص على مهاتفة حتّى خصمه اللئيم لطمأنته على تمسّكه ببنود الدستور الثالث الجديد الموجّه لطرف ثالث حتّى النفس الأخير.
الاحتمال الآخر هو أنّ السيد الصدر ليس ممّن ينخدعون بدموع التماسيح التي تذرفها العائلة الكردية المالكة بسبب الدكتاتورية ولا تستميله تزلّفات القائمة العراقية فهو سبق وأن عاصر الدكتاتورية وخبر الأيادي التي نفّذت اغتيال رمز تياره بعنجهية، ولكنّه وجد الفرصة سانحة لتصدّي تياره إلى قيادة العملية السياسية اعتقادا منه بقدرة ذلك التيار على تقديم خدمات متدفّقة للشعب الجديب خصوصا وأنّ لديه من الشخصيات ما يشهد لها بقدرتها على الانفتاح على كلّ ما هو نافع وجديد وعلى الجميع، خصوصا وأنـّها تمتلك من الكفاءة الإدارية والعلمية وحتّى الأدبية ما يُمكّنها من تقديم خدمات تفوق توقّعات الشعب الفاغر فاه حيرة ودهشة ممّا يراه.
ويدعم هذا الاحتمال ما صرّح به السيد قبيل رحلته المثيرة تلك من أنّ على التيار الصدري أن يهيّء نفسه إذا ما أراد استلام مقاليد السلطة. ذلك أنّ الساحة الدولية بأجمعها وليس قطر والسعودية وتركيا فحسب ستقف بكلّ قواها لدعم حكومته لأنّها تشعر أنـّها أقلّ تشدّدا وصرامة من حكومة المالكي! الأمر الذي يؤدّي إلى ازدهار الاقتصاد العراقي وتقديم خدمات أفضل لأبناء الشعب، وأنّ الكتل السياسية ستسير خلف الحكومة لتنفيذ جميع مشاريعها بجدّ وإخلاص وسيعمل البرلمان كخلية نحل لتشريع القوانين التي تحتاجها البلاد من دون أيّ لغط ومساومة وانسحاب!!
والسيد الصدر يعلم بطبيعة الحال أنّ المقصود بكلّ هذه الأعاصير التي ينفثها بارزاني وتصدّرها القائمة العراقية ليس شخص المالكي، وإنّما المقصود بها الإسلاميين الشيعة على وجه التحديد خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التوجّهات الأيديولوجية لكليهما، وأنّ إزاحة المالكي في هذه الظروف وبهذه الطريقة لا يمثّل سوى محاولة لإزاحة الإسلاميين عن صدارة المشهد السياسي العراقي حتّى ولو كانوا صدريين، وهذا ما تشهد به الزيارات المكوكية لهم بين الفقاعة القطرية والهمجية التركية.
وعلى هذا فهو يُدرك جيّدا أنّ الطرفين لا عهد لهم ولا ميثاق، فالأوّل يضع مصالحه الأسرية ولو تنزّلنا القومية فوق كلّ اعتبار، وأنّ الثاني لا يألوا جهدا ولا يتورّع عن استخدام أيّ وسيلة مهما كانت دنـيّة وما الهاشمي عنّا ببعيد للمسك بحبل السلطة وجرّه إلى الرفاق، ولأجل هذا فإنّ الإزاحة لا تعني فرش الطريق بالورود والرياحين للصدريين وإنّما إيجاد ارتباكات إدارية وأمنية للنفوذ إلى عمق السلطة من جديد.
ومن الواضح جدّا بطبيعة الحال أنّ السيد الصدر ملتزم بعهده المتقدّم على عهده الأخير بسير تياره في قافلة الائتلاف الوطني الذي يتقدّم سريعا في فكّ أربطة الخناق الخارجية عن الشعب العراقي ليعود يتمطّى ويتثائب حسب الموازين الإنسانية في فضائه الإقليمي والعالمي، الأمر الذي يثير حنق الأنظمة التي تجاهد جهادا مركّبا بارزانيا بعثيا للإبقاء على شدّ وثاقه عبر الصرعات السياسية بعد أن عجزت عن ذلك عبر التفجيرات القاعدية، ليقدّم دليلا دامغا على إيمانه العميق بأنّ المؤمنين﴿بعضهم أولياء بعض﴾ فلا يتّخذ المضلّين عضدا.
ولا يفوت السيد الصدر أن يؤكّد ويصرّ وبأثر رجعي على عدم فتح الباب ولو على مصراع واحد بوجه الأمزجة العِرقية والقومية والطائفية لتصوغ دساتير جديدة قبل تطبيق بنود الدستور الأوّل وإن كان هذا التطبيق على حساب الائتلاف الوطني بكافّة تياراته وشلالاته، ويوبّخ على ذلك من ساهم في التوقيع على الدستور الثاني ـ اتّفاقية أربيل ـ ويطالب برفع اليد عنه لقطع الطريق على انزلاق البلاد في أتون الصراعات الإثنية، وللسير كما عوّدنا دوما في ركب الشعب العراقي وإعادة القطار إلى سكته الطبيعية قبل أن يُدير الشعب ظهره لمن صوّت له ليكون مساندا له في إقرار النظام واستقرار أوضاعه المعاشية وتطوير طاقاته الإنسانية، الشعب الذي يُدرك بدّقة وعمق فطري من هو الذي يحاول اللعب على الحبال ومن يحاول أن يتصيّد في الماء الآسن على حساب راحته واستقراره، الشعب الذي ما إن يتنهنه قليلا حتّى يقفز من يجعله يتنهّد طويلا؛ فيضطرّ إلى التلويح بأنامله البنفسجية في وجوههم كما فعل بالأمس مع بيوتات شهيرة وعزيزة حتّى عادت تعيش على هامش القرارات المصيرية والتطوّرات المحورية وتتملّق شمالا وجنوبا عسى أن تجد لها موقفا في الحافلة السياسية، وهو غير متردّد على فعلها مع بيوتات أخرى إن انزلقت في مستنقع المساومات السياسية.
فعلى من أراد الإصلاح حقّا أن يتريّث طويلا قبل أن يسحب الشعب برمّته وليس سحب ثقة شخص واحد؛ إلى دوّامة المربع الأوّل الذي طالما راود أحلام الحرباوات الانتهازية، فإنّ التوقف عند الشبهة خير من اقتحام الهلكة، والله من وراء القصد.