بطولات "دون كيشوت" هذا الزمان!..
الجمعة 11 مايو / أيار 2012 - 20:55
سليم البصون
علماء النفس والاجتماع يقررون ان هناك نموذجا من الناس ، هو وسط بين العقل والجنون ، أو هو ـ بعبارة أخرى ـ قريب من الجنون ، ولكنه ليس مجنونا !.
هذا الشخص نسميه نحن معشر المثقفين بالشخص الكيشوتي نسبة الى بطل القصة الاسبانية المعروفة "دون كيشوت "!..
كان هذا الرجل يعيش في القرون الوسطى ويطمح ان يكون فارسا شجاعا من أولئك الذين كانوا يحظون بإعجاب الناس حينذاك ، غير ان "دون كيشوت " هذا كان هزيل الجسم مسكينا ، وقد وجد حصانا هزيلا مثله فامتطاه ، وعثر على درع بال فارتداه ، وخرج الى الناس ينادي : هل من مبارز؟ واخذ يبارز طواحين الهواء ظنا منه انه يبارز عمالقة شجعانا ، وأخذ يقتل قطيعا مسكينا من الغنم اعتقادا منه انه يقاتل جيشا كبيرا !..
ان الشخص الكيشوتي ، يقف في منتصف الطريق نحو الجنون ، ولكنه لا يتقدم نحو الجنون ، والناس يسخرون منه في قرارات نفوسهم ، ولكنهم قد لا يسخرون جهارا كما يسخرون بوجه المجنون . قد يتصور نفسه شخصا عظيما . زعيما سياسيا ، أو قائدا محنكا ، أو منظرا "بتشديد الظاء" إيديولوجيا ، ولكن الناس يعاملونه حسبما يتصور هو نفسه ، وحسبما هم يعرفونه على حقيقته ، قد يقوم بأعمال غريبة ومتناقضة ولكنها ملفتة للنظر وللسمع ، وذلك بهدف .ان يمثل الدور الذي يشتهيه ، زعيما أو قائدا ، أو بطلا في أي ضرب من مجالات الحياة ، وإذا جاره البعض ظن انه يعجب به ويهواه ، وإذا سكت عنه البعض اعتقد انه يهابه ويخشاه !..
ان من بين الحكام العرب اليوم أكثر من "دون كيشوت" واحد ، وأن كان هناك "دون كيشوت" معين يعرفه كل الناس فهو "دون كيشوت" هذا الزمان ، هو يتوهم انه الزعيم الكريم والقائد العظيم والسياسي الحكيم والمنظر ألفهيم !..وهو في أوهامه وأحلامه يقفز من سريره لضرب الثرايا العالقة بسقف غرفته ظنا منه انه يحارب مصر ، وانه قد قتل النظام المصري، وهو في خطبه وأحاديثه يتصدى لتخطئة كل سياسي أو قائد ، فيعلمه فنون السياسة والقتال ،والحروب والنزول ـ وقد فعل ذلك ـ وكانت له في حرب أكتوبر "ملاحظة" لتعليم قادة مصر كيف يحاربون ، ويظلون يحاربون ، ولا يتوقفون ، وهو اليوم "يعلم " جبهة الرفض ، كيف يجب ان تحارب النظام المصري ، ولا تتوقف ، حتى يكتب لها النصر في اليقظة أو في المنام ، وعند الأحلام ، أو حتى عند مطارحة الغرام بواسطة الهاتف بين طرابلس وتونس مثلا !
وهكذا يناضل الدونكشيتيون !.. ساعد الله الشعب الذي يحكمه الدونكيشوتيون !..
ـــــــــــــــــــــــــ
بقلم المرحوم سليم البصون
نشرت في جريدة الأنباء "أورشليم " القدس في 14/5/1979