الأزمة السياسية.. حقيقة أم افتعال؟
    السبت 12 مايو / أيار 2012 - 20:11
    إبراهيم الغالبي
    تتصاعد الأزمة السياسية في البلاد على وقع التشدد في المواقف، وتبدّل أخرى ربما إيذانا بتغيير خارطة التحالفات القائمة منذ الانتخابات على الأقل.. وهي تحالفات اللحظة الأخيرة التي أوجدت حكومة يؤشر عليها بأنها:
    1-حكومة ولدت بعد مخاض عسير امتد لما يقرب العام..
    2-الولاية الثانية للمالكي رغم معارضة خصومه.
    3-جاءت عبر اتفاقية لم تنفذ بعض بنودها كما يدعي أهم طرفيها العراقية والكردستاني
    4-لعب العامل الخارجي دورا كبيرا في تشكيلها..
    5-وعود من المالكي للأطراف المشاركة أيقن الجميع ومنهم السيد المالكي أنه غير قادر على تنفيذها.
    6-طاقم وزراي بُنِي على المحاصصة لم يقنع رئيس الوزراء نفسه وقال عنه في خطاب تشكيل الحكومة إنه غير مقتنع به ودون مستوى الطموح.
    7-برنامج حكومي فضفاض و غير واضح في رسم إستراتيجية عمل الحكومة للسنوات الأربع من ولايتها لا سيما في مجال الأمن والخدمات. ولهذا فهي لم تحقق النجاحات المأمولة حتى اللحظة.
    في النظم البرلمانية تولد مثل هكذا حكومات هشّة و غير متماسكة و لا تملك أي من عناصر تأكيد بقائها إلى نهاية ولايتها، وتتعثر في عملها وتشهد المرور بالكثير من الأزمات.. فالتوازن الذي يخلقه تشكيل الحكومة بطريقة كالتي حدثت توازن قلق، فما أن يحرّك أحد الحلفاء موقعه أو حتى يرتبك في موقفه فإن اختلالا ما سيحدث و ربما يفضي بها إلى الانهيار. لكن مع هذه الوحدة الواصفة لحال الحكومات الائتلافية يبقى ثمة ما يميز الحالة العراقية عن غيرها في تفاصيل وجزئيات عديدة.
    للوضع لدينا خصوصياته و ظروفه المعقدة، وما يجري اليوم حرب سياسية ضروس انتقلت من مرحلة محاولة الاتفاق على مجرد الجلوس إلى طاولة حوار لعلها وعساها، إلى مرحلة حرب الحلول الجاهزة.. فهناك من يرى أن ليس من جدوى لأي حوار أو اجتماع، تقول العراقية إن على المالكي تنفيذ اتفاقية أربيل ضمن المهلة المتمخضة عن اتفاقية أربيل الثانية، وإلا سحب الثقة من المالكي.. وهذه النقلة المتشددة كانت قد جاءت بعد تأييد السيد مقتدى الصدر لمطالب يراها مشروعة لكل من الأكراد والقائمة العراقية.. لينعكس هذا التقارب خلافا وتلاسنا إعلاميا بين كتلة الأحرار وائتلاف دولة القانون الذي طرح حلا في مقابل حل العراقية تمثل بحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، يقول خصوم المالكي إنهم يعتقدون كما هو يعتقد بأن لا نتائج جديدة قادرة على تغيير المعادلة لانتخابات كهذه في هذا الوقت.. بل يذهب استقراء الساسة لمستقبل الخصم إلى حد القول إن نجاحه في البقاء لنهاية ولايته الثانية سيعني الوصول إلى دورة رابعة و خامسة لأن ( شعبيته ستزداد ). وفي هذه الكلمة الأخيرة ما يشدّ الكثيرين في الشارع العراقي ليقفوا عندها.. الإحساس يتسرّب بشكل تلقائي دائرا مع تأملات بسيطة غاية البساطة، لينتج نوعا من الكبرياء الشعبية تجيش في بحر التعاطف السياسي الذي أوصل ذات يوم أحزابا وشخصيات إلى حكم العراق في عقود ماضية لأنها طُوّقت بمواقف عدائية لم تفلح الجماهير في تبريرها وفهمها، فكان أن انحازت لمن تراه «ضحية» تلك المواقف المبنية على خلفية مصالح سياسية محضة.. وكان ذلك الانحياز خيارا سيئا بلا جدال.
    وبالبساطة ذاتها يقرأ المتابع العراقي العادي أن رغبة خصوم المالكي في منع زيادة شعبيته لا يعني سوى عرقلة تحقيقه لأية نجاحات، بل أنهم أجمعوا أخيرا على أن هناك حتمية ابتلاع المالكي للشارع العراقي خلال السنتين المقبلتين، عبر تجيير انجازات منتظرة تتمثل بمشاريع عدة سيكتمل إنجازها.. فضلا عن بقاء ائتلافه متماسكا في مقابل تآكل ائتلاف المنافسين وبشكل خاص القائمة العراقية..ولهذا السبب هناك من يتكهن بأن الأزمة الحالية لا يريد لها  أكثر من طرف أن تنتهي خلافا للتصريحات اليومية التي تطلقها الكتل.. لأن الغاية هو إشغال الحكومة والمالكي و إحراجه بعدم إعطائه فرصة لالتقاط الأنفاس بغية إدارة عمل حكومته وتحسين أدائها المتلكئ أصلا، ما دفعه أخيرا إلى التحدي بأن عزم على عقد جلسة لمجلس وزرائه في كركوك.
    هذا يعني أننا نعيش أجواء أزمة مفتعلة على الأرجح. والافتعال السياسي هو تحريك الساحة من حالة الهدوء والاستقرار إلى حالة غير مستقرة بلا مبررات موضوعية مقنعة تستدعيها مصلحة عامة. إن الأسباب هنا تتصل بأغراض ومصالح الأطراف التي تثير الأزمة وتخلقها أو تعيد تفعيل أجزائها شبه الميتة أو الغائبة. التخوف من «دكتاتورية» للمالكي تخرج عن السيطرة هي أهم العوامل التي حرّكت حتى بعض أقرب حلفائه باتجاه التقارب مع أشرس خصومه.. والحديث الآن عن وجود دكتاتورية من عدمها لم يعد له أية أهمية، ذلك أننا أولا أمام تفاعل نتائج لا أسباب، وقول السيد المالكي إنه يتحرك تحت سقف الصلاحيات الدستورية يُنظر إليه كنوع من المكابرة.. ولأن القضية ثانيا مرتبطة بالتخوّف، وهو حالة شعورية تجعل الحديث سجالا لا نهائيا حول قضية تتأرجح بين الإثبات والنفي في أذهان الساسة الذين لا ثقة بينهم كما في أذهان الناس. وحلها الوحيد بيد المالكي نفسه المُطالَب بطمأنة شركائه و تبديد مخاوفهم.. مع أن كل الإشارات التي تومض في مشهد الأحداث أو تأتي عبر مرايا الكواليس تقول العكس.
    العودة إلى الوراء تؤكد أن الصراع كان محتدما بين المالكي و قائمة علاوي، أما اليوم فقد تعددت الأطراف، إذ دخل التحالف الكردستاني و التيار الصدري في المعمعة السياسية. فيما بقي المجلس الأعلى حمامة تغرّد خارج السرب من خلال مبادرات الحكيم الداعية إلى الحوار والتهدئة، دون أن يعيرها الآخرون أذنا صاغية سوى بتصريحاتهم الإعلامية.. فالعراقية كانت بعد كل دعوة يطلقها السيد عمار الحكيم للحوار تسارع إلى تأييدها بينما انقلبت اليوم في موقفها صوب إعلان المقاطعة إلا بشرط حل أزمة عمرها الحقيقي عامان في أسبوعين! ليبقى موقف المجلس الأعلى مميزا أيضا حيث يتحفظ على الشروط المسبقة وعلى حلول كسحب الثقة من المالكي من دون معرفة ما هي الخطوة اللاحقة التي تضمن عدم وقوع البلاد في الفوضى..
    كانت القائمة العراقية منذ البداية تسعى إلى الوصول بخلافها مع المالكي إلى أقصى درجات التوتر.. وأخيرا حققت ذلك عبر نقلتين بأقدام حليفين آخرين في الحكومة.. الأولى جاءت عبر الأكراد من خلال مواقف البرزاني التي تفجرت بشكل مفاجئ ولأسباب يقول بعض إنها ليست واضحة تماما..فيما يراها بعض آخر واضحة إذا ما راجعنا تسلسل الأحداث التي بدأت بفعل خلافات المركز والإقليم حول قانونية عمل شركات النفط، ثم ملف غاية في الخطورة وهو تهريب النفط من الإقليم بصورة غير مشروعة، وهو بحسب تسريبات كان قد فُتِح قبل قمة بغداد و هددت الحكومة بإعلانه فهرب السيد البرزاني إلى الأمام، ولهذا فما أن أعلنت الحكومة عن هذه القضية حتى بدأت المواقف البرزانية تخرج عن المعقول وأخذت حدة تصريحاته مأخذا لا سابقة له.
    ثم جاءت النقلة الثانية من خلال زيارة السيد الصدر إلى أربيل، فتشجعت العراقية على المضي في طريق كانت تبحث عمّن يؤمن لها فيه سلامة المرور. ولعل أبرز ما صدر عن السيد مقتدى الصدر هو اتهام المالكي بمحاولة تشييع العراق، وهو تحوّل فريد في خطاب يصدر من مرجعية سياسية ودينية شيعية.. حدّ أن وصفته وسائل إعلام ومواقع الكترونية عربية بأنه أخطر تصريح أو اعتراف بأن المكون السني في العراق يتعرض إلى الاضطهاد و التهميش و التنكيل به، وأن هناك سياسة تشييع للسنة جارية على قدم وساق، و من مظاهرها المناهج التعليمية للطلاب في المراحل الابتدائية و الثانوية!! مع أن ما يبدو أن السيد الصدر قد قصده هو الجانب السياسي المتعلق بأمرين، الأول: ما يراه حقوقا طبيعية للقائمة العراقية.. ما دام ثمة اقتناع بأنها تمثل المكون السني. والثاني: إن الصدر يرى أن للمالكي منحى من التفكير تتحكم فيه مخاوف هائلة من وجود مشاريع تستهدف الطائفة الشيعية و أن هناك إصرارا لبعض الأطراف العربية ذات العلاقات الجيدة مع القائمة العراقية على عدم التعامل معه لكونه شيعيا، أما اللين مع غيره من القادة المنتمين لطائفته نفسها فهو ليس أكثر من مناورة لشق وحدة صف التحالف الوطني.
    إن القول بافتعال الأزمات يقابله قول و وجهة نظر أخرى تفيد بأنّ ما يُغرِق البلد حاليا هو نتيجة تراكم أزمات سابقة خلال السنوات الماضية..و إنه في النهاية صراع يتعلق باستراتيجيات بناء الدولة و اختلاف حول جملة من المفاهيم والقضايا التي تتعلق بمراحل تأسيسها الجارية بصعوبة. فالمالكي كما القائمة العراقية لا يقصران غاياتهما وأهدافهما على منصب رئاسة الحكومة بحد ذاته، كما الأكراد الذين لا يهمهم من يكون في هذا المنصب طالما سار على طريق ضمان مصالحهم في تعزيز استقلالية إقليمهم و بقاء ارتباطه الشكلي بالمركز، بقدر ما يمتلك كل منهم شكلا و صورة لما يجب أن تكون عليه الدولة، و أهلية أيّ مشروع لبنائها يتوجب الأخذ به، وتطبيق هذا المشروع يتم عبر رئاسة السلطة التنفيذية وصلاحياتها الدستورية.
    وإنه إذا كان ثمة شيء مفتعلا فهو يقع في فواصل وطيات أزمة مركبة و معقدة.. ففي تلافيف هذه الأزمة هناك ما هو غير حقيقي أو مجرد تكتيكات ومناورات ضمن سياسة الضغوط المتقابلة و لعبة الحصول على مكاسب أو توهين وإضعاف الخصوم.
    وبين حقيقة الأزمة وافتعالها يبقى العراقيون يتوجسون خوفا من صراعات القوى السياسية التي يمكن أن تنفجر في أية لحظة في الشارع و يتحوّل الحديث والتراشق بالتصريحات و الرسائل البينية إلى تراشق بالمفخخات و الرصاص الذي ستكون الخضراء على أية حال في مأمن منه..

    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media