تقويض الديمقراطية
    السبت 1 ديسمبر / كانون الأول 2012 - 06:19
    حسين علي الحمداني
     هنالك فرق كبير جدا بين النمط الثوري في الحكم والدستوري، وهذا يعني ان هنالك فروقا كثيرة بين الشرعية الثورية والشرعية الدستورية، وما حدث في مصر من إجراءات أتخذها الرئيس محمد مرسي مؤخرا يجعلنا نتساءل عن هوية الدولة الجديدة؟ هل هي دولة مدنية كما تصورنا خاصة وإن مرسيا رئيس منتخب من قبل الشعب، على الرغم من عدم وجود مجلس شعب كما هو معروف للجميع؟أم إن مصر الآن دولة ثورية تنتظر قرارات الرئيس ومعها تخرج مظاهرات التأييد من جهة والاحتجاج من جهة ثانية ؟
    من الواضح جدا بأن الرئيس مرسي يدرك جيدا بأن ما فعله هو القبض على جميع السلطات في مصر حتى قيام الدستور الجديد الذي هو بالتأكيد سيتم تفصيله وفق مقاسات (الإخوان) وسيتم طبخه على نار هادئة جدا.
    ولعل هذا هو الدافع الحقيقي الذي جعل العملية الديمقراطية في مصر تسير باتجاهات معاكسة لما معروف عنه في كل دول العالم، حيث تم انتخاب رئيس للبلاد دون وجود دستور ودون وجود برلمان، وهو لم يكن رئيسا مؤقتا كما في الحالة التونسية بل رئيس بصلاحيات كبيرة أضاف إليها صلاحيات جديدة بموجب تعديلاته الأخيرة التي زامنها مع مجموعة قرارات تخص ضحايا الثورة وكان يجب أن تكون هذه القرارات حاضرة منذ اليوم الأول لتسلمه المسؤولية الرئاسية وليس الآن، خاصة وإن شعاراته في الانتخابات كانت تركز على تعويضات للضحايا ومحاكمة الجناة، إلا إننا نجد بأنه وضعها في سلة واحدة لكي يضمن التأييد الشعبي لهذه القرارات لكون بعضها يتناغم مع الشارع المصري وأغلبها تعارضها القوى الوطنية المصرية الأخرى البعيدة عن فكر الإخوان وتطلعاتهم بل ومفهومهم لإدارة الدولة، وهو أمر يشكل خطورة كبيرة على مسارات الديمقراطية الناشئة في مصر التي مازالت تتعامل مع الواقع بثورية أكثر مما تتعامل بواقعية أو على ألأقل تحافظ على هوية وشكل الدولة المصرية، لهذا يمكننا القول بأن الرئيس مرسي كان همه الأول كيف أفوز بالانتخابات لا كيف أحكم مصر بعقلية جديدة .
    ومن قرأ ردود الفعل المصرية على قرارات الرئيس مرسي سيجد بأن البعض وجد فيها إنقاذا للثورة وهذا الخطأ بعينه لأن الثورة حققت أهدافها بإزالة نظام مبارك وإجراء انتخابات رئاسية وصل إليها مرسي،ولا خطر على الثورة إذا ما تم احترام الديمقراطية، لكن الخطر هنا على الديمقراطية حين تطبق بطريقة ثورية، غايتها الحقيقية مزيد من الهيمنة على الدولة ومؤسساتها المستقلة.
    وهذا ما يجعلنا نقول بأن الشرعية الثورية لا وجود لها الآن، في ظل وجود الشرعية الشعبية الانتخابية وهو ما يعرف في القاموس السياسي بالشرعية الدستورية، وبالتالي فإن الشعب المصري انتخب رئيس الجمهورية على إنه رئيس سلطة تنفيذية وليس رئيس سلطة تشريعية أو قضائية .
    وبالتالي علينا أن نتوقف كثيرا في عملية بناء الدولة العربية خاصة في دول الربيع العربي التي كان البعض يتمنى فيها ولادة الدول الديمقراطية القائمة على الفصل بين السلطات وليست مصادرتها ووضعها في قبضة رجل واحد كما كان في السابق، لأن هذا الإجراء من شأنه أن يقوض الديمقراطية في خطواتها الأولى ويجهز على القادم من الخطوات في هذا الميدان.

    (الصباح)
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit