عراق بلا سيادة
    الخميس 16 مايو / أيار 2013 - 05:55
    سالم مشكور
    إعلامي ومحلل سياسي
    لم أطلع على نص الاتفاق بين حكومة أردوغان وزعيم حزب العمال الكردستاني التركي، الا ان ما نقل من مضامينه ومنها النص على انسحاب قوات الحزب الى جبل قنديل العراقي، إنما يستدعي منّا توقفا عنده، ومن المعنيين الرسميين موقفا يتعدى حدود الادانة والاعتراض .
    فالحكومة التركية، بهذا الاتفاق هي كمن يشتري بضاعة ويطلب من صاحب المتجر استيفاء ثمنها من جاره، فهي بذلك تزدري السيادة العراقية ولا تقيم لها وزناً، بل ان حكومة "تصفير الخلافات" التركية تتعامل مع العراق كمخزن مملوك لها، تضع فيه ما لا تحتاجه من حاجياتها، فمن الذي جعل السيادة العراقية رخيصة الى هذا الحد؟
    صحيح ان مفهوم السيادة شهد تطورا كبيرا خلال العقود السالفة، بظهور مبدأ "التدخل الدولي الانساني" في حال تعرض شعب أو جزء منه الى الاضطهاد على يد سلطته السياسية، وكذلك بتطور مفهوم الامن الوطني وتشابك مصالح الدول المتجاورة،الا ان الامر لم يصل بعد الى إعطاء الحق لدولة بدخول أراضي جيرانها او ارسال من تريد ارساله دون موافقة أو حتى علم هذه الدول .
    الامر يزداد أهمية في الموقف التركي هذا، كون انقرة تمرّ بعلاقة متوترة مع العراق وهو ما يعني استفزازا متعمدا، وتوتيرا جديدا للعلاقة رغم "النصائح "الاميركية بتطبيع هذه العلاقة . والا كيف نفهم سلوك سلطة سياسية مثل الحكومة التركية،وزير خارجيتها متخصص بالعلاقات الدولية، وله نظرية تقوم على تصفير كل الخلافات مع الآخرين، أن تتفق مع معارضتها المسلحة على التوطن داخل الاراضي العراقية . ربما لا تنظر انقرة الى وضعية العراق كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة كما هو معترف بها دوليا، بل تقيس على واقع الحال على الاقل، فهي ترى سيادة الدولة على محافظات الاقليم وخصوصا حدود الاقليم مع الدول المجاورة، معدومة، فالجيش العراقي لا يستطيع التمركز على الحدود لحمايتها ومنع دخول غير المرغوب بهم،وقوات حرس الحدود الاتحادية مغيبة عن الحدود بقرار وموقف من حكومة الاقليم وعجز من المركز، ونقاط الحدود خارجة عن سيطرة الحكومة الاتحادية، بل هي خاضعة لـ"سيادة" الاقليم، وحكومة الاقليم ترضى، أو على الاقل لا تمانع من ان "تمون" انقرة عليها وترسل مسلحي حزب العمال الى داخل الاقليم (هم موجودون فيه من الاساس).
    صحيح ان تطور الانظمة السياسية وظهور الانظمة الفيدرالية،أدى الى تغيّر مفهوم السيادة، فباتت موزعة بين المؤسسات الدستورية او بين الاقاليم بدل تمركزها السابق بيد ملك او رئيس شمولي، الا ان المقصود بهذا هي السيادة الداخلية فقط، أما السيادة الخارجية فهي غير قابلة للتجزئة وهي من اختصاصات السلطة الاتحادية حصريا . هكذا يقول دستورنا أيضا، أما على الارض فالامر مختلف تماما.

    (الصباح)
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media