أبعد من الانتهاك التركي
    السبت 18 مايو / أيار 2013 - 06:12
    محمد عبد الجبار الشبوط
    رئيس شبكة الإعلام العراقي
    اجرائيا وموضوعيا، شكليا وجوهريا، يشكل الاتفاق الذي ابرمته الحكومة التركية مع حزب العمال الكردستاني المعارض بشأن انسحاب مقاتليه الى الاراضي العراقية انتهاكا للسيادة العراقية وتصرفا لا ينم عن الاحترام لدولة شقيقة اسلاميا وجارة دوليا. انه تصرف مرفوض بالمعايير الدولية ومعايير حسن الجيرة. وانطلاقا من هذا فان موقف حكومتنا سليم.
    كان بامكان الحكومة التركية التوصل الى شيء مشابه بطريق اخر مختلف. كان بمقدورها ان تتصل بالحكومة العراقية  وبحكومة اقليم كردستان وتتشاور معهما في نواياها بهذا الشأن وتشركهما تاليا في المفاوضات التي اجرتها مع الحزب المعارض، على الاقل في ما يتعلق بانسحاب مقاتليه الى الاراضي العراقية، ثم التوصل الى اتفاق رضائي بين الاطراف ذات العلاقة. كان يمكن ان يكون للحكومة العراقية موقف أخر غير موقفها المعلن الحالي.
    لكن الحكومة التركية لم تقم بذلك مع الاسف. وهذا امر يجعل من الصعب ان تتخذ الحكومة العراقية الموقف الاخر المفترض. ويتلخص هذا الموقف الآخر بشقين:
    الشق الاول: التعاون مع الحكومة التركية للتوصل الى حل سلمي لمشكلة حزب العمال الكردستاني، يضمن سيادة الدولة التركية والدولة العراقية وسلامة هؤلاء المقاتلين، في آن واحد. الحكومة العراقية تتبنى موقفا ستراتيجيا من النزاعات التي تحصل في بلدان المنطقة، وهو العمل على حل هذه النزاعات بالطرق السلمية، وهذا هو جوهر موقفنا من الأزمة السورية مثلا. وكان من الممكن ان تساعد حكومتنا الحكومة التركية في مسعاها للتفاهم مع حزب العمال الكردستاني. وهو التعاون الذي يمكن ان يتجسد بالشق الثاني التالي.
    الشق الثاني: التفاهم مع حزب العمال الكردستاني على توفير ملاذ آمن لمقاتليه في الاراضي العراقية، بوصفهم ضيوفا على العراق، بشروط ومواصفات لا تتعارض مع السيادة العراقية ولا تعرض أمن البلاد الداخلي للخطر والتهديد، وبشرط عدم قيام الحزب باي نشاط عسكري انطلاقا من الاراضي العراقية ولا ان يتدخل بالشؤون الداخلية العراقية. وهذا الشرط الاخير يوفر حماية ضمنية للاراضي التركية من اي نشاط عسكري محتمل قد يفكر الحزب القيام به.
    الان تشعر الحكومة العراقية، ومعها العديد من النواب، بالانزعاج من التصرف التركي. وهذا الانزعاج في محله ولا يمكن التنكر له او مناقشته، لكنه في نفس الوقت قد يؤدي الى ثلاث نتائج سلبية: فقد يخلق مسألة خلافية مع اقليم كردستان اذا كان للاقليم موقف اخر، وقد يزيد من تعكر العلاقات التركية العراقية، وقد يسد الطريق على اي تفاهمات ودية قد ترى الحكومة العراقية انه من المفيد تحقيقها مع حزب العمال التركي.
    السؤال الآن: هل فات الوقت على ذلك؟
    قد يجيب البعض بـ”نعم”. واذن علينا ان نواصل اتخاذ موقف الانزعاج الحالي؛ وقد يجيب البعض الاخر بـ”لا”، وبالتالي يمكن اتخاذ خطوات على محورين، محور تركيا ومحور حزب العمال، للتوصل الى تفاهمات مع الطرفين لما بعد اتفاقهما السابق. اضافة الى التنسيق الكامل مع حكومة كردستان.
    يمكن ان يتم الذهاب الى الخيار الثاني اذا تذكر صناع القرار ان السياسة عبارة عن مساومات وتسويات وحلول وسط وبحث دائم عن السلام والمصالح المشتركة.

    (الصباح)
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media