داء البيروقراطية
    السبت 18 مايو / أيار 2013 - 06:44
    ياسين العطواني
     مع إسدال الستارعن انتخابات مجالس المحافظات، وإعلان نتائج هذه الانتخابات، حان الوقت لوضع اللمسات الأخيرة لمباشرة هذه المجالس لمهامها، ولكن قبل البدء بهذه المهمة علينا وضع الآليات الكفيلة بتجنب اخفاقات المرحلة السابقة، والبحث عن كل مامن شأنه تطوير عمل هذه المجالس بما يلبي حاجات المواطن الكثيرة والمتعددة، وفي المقدمة منها تحسين الخدمات. ولعل من أبرز الأمراض التي يجب معالجتها كخطوة استباقية، يقف داء البيروقراطية كأحد أهم الأمراض الفتاكة في هذا البلد، والذي كان ولا يزال يفت في عضد الدولة العراقية. ومن المعلوم ان البيروقراطية كمفهوم قد ولد مع نشوء الدولة الحديثة، وأخذ  يتداول كمصطلح للدلالة على الأساليب الروتينية، والإجراءات الادارية والاقتصادية المعقدة التي ليس لها أي جدوى أو مبرر. وعادة ما تفسر تلك التدابيير بالتقيد الحرفي مواد القانونية، والتمسك الشكلي بظواهر التشريعات، وهكذا باتت البيروقراطية مع مرور الوقت تربة خصبة للفساد بجميع أشكاله وأنواعه، وعدوا قاتلا للتنمية، فهي التي تكبل وتعيق أية اجراءات إصلاحية حقيقية.
    إن أهم مايميز البيروقراطية كممارسة وسلوك هو إضعاف روح المبادرة، وإبراز ظاهرة الركود، وشل التفاعل بين أجهزة الدولة ، وخصوصا ًبيروقراطية الجهاز الاداري منها، وهذا مايمكن ملاحظته اليوم بوضوح في أجهزة الدولة المختلفة. وكان من المفترض ان يستأصل داء البيروقراطية بعد عملية التغيير، أو على الأقل يحاصر في بؤر محددة، على اعتبار ان البيروقراطية لا تجتمع مع الديمقراطية، حتى وان رغب البعض في الجمع بينهما، لأن الخلاف بينهما جوهري، فالبيروقراطية عندما تترسخ جذورها في الإدارة، ويتعمق أسلوبها في الممارسة اليومية ، تغدو وكأنها بمثابة تشريع ينبغي على الناس أن يتعاملوا معه بدلاً من النظام والقانون والتقاليد الإدارية المتطورة، ومن الملاحظ ان النُظم المتطورة لأي بلدٍ غالباً ماتكون مُصاحبة للمفاهيم الديمقراطية التي يتبناها هذا البلد، فالديمقراطية إذن، توفر مناخا سياسياً واقتصاديا وإداريا مناسبا، وظروفاً أفضل، حيث سيوضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وستكون الأولوية لمن يقدم أفضل الانجازات للوطن وللموطن، من خلال الموقع الإداري الذي يشغله،  ففي ظل هذا المناخ الديمقراطي ستتمكن الإدارة من أن تخطو خطوات متقدمة نحو التخلص ولو بشكل تدريجي من البيروقراطية ، وهذا الأمر يتطلب وقفة مع النفس، واتخاذ الإجراءات الأكثر جدية لتصحيح  المسارات، وهو مايفسح آفاقاً جديدة للتنافس الحر بين المتنافسين .
    وبما اننا نقف اليوم على أعتاب مرحلة ديمقراطية جديدة، تتمثل بصعود إدارات منتخبة لمجالس المحافظات، علينا ان لا نكتفي بتغيير الوجوه، بل بتغيير الاجراءات المتبعة في هذا الشأن، وفي المقدمة منها استئصال شأف البيروقراطية، ونزول المسؤول الأداري الى الميدان، بدلا من ان يظل حبيس المكاتب، والأوراق المتكدسة، والأختام المتحجرة، فالذي ينتظر الادارات الجديدة هو بالحقيقة ملفات مزمنة وساخنة، وقد تزداد هذه الملفات سخونة مع مرور الوقت، إذا لم تعالج بشكل جذري، وبعيدا عن الأطر البيروقراطية، فالمواطن لن يقتنع هذه المرة بالتصريحات الوردية التي لا يعقبها إنجاز على أرض الواقع، وهو ما يحتم على من تصدى لهذه المسؤولية العمل بين الناس، والوقوف على احتياجاتهم بصورة مباشرة. وبما انه لا يمكن للأطر التقليدية المتبعة الآن، معالجة الأوضاع الملحة، خصوصا في الجانب الخدمي، لذا فنحن بحاجة الى ثورة إدارية حقيقية  للحد من كل الظواهر السلبية التي تحيط بنا اليوم، إذا ما أريد لهذه البلد اللحاق بركاب الدول المتقدمة.

    (الصباح)
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media