الخطاب الطائفي العربي
السبت 18 مايو / أيار 2013 - 06:46
محمد محبوب
بشعور من الحزن والخيبة، إطلعت على مقالات وكتابات وتعليقات لكتاب وقراء عرب فرحين بالغارات الإسرائيلية على سوريا ويستبشرون (خيراً !) بعد دخول إسرائيل على خط الحرب ضد سوريا بقرب سقوط النظام السوري أو يشمتون ويتهكمون من تأخر الرد السوري على هذه الغارات، ما الذي أصاب هذا النفر من العرب، لماذا تحول الشقيق الى عدو والعدو الى حليف؟ لم كل هذا الفرح بالغارات الإسرائيلية؟ وهل يعني ذلك دخول إسرائيل حليفاً لجماعات المعارضة المسلحة، حتى وان بصفة غير مباشرة، من أجل التسريع بسقوط النظام السوري؟ نحن نتساءل على خلفية معلومات تؤكد وجود مشروع إسرائيلي/ قطري في المنطقة ويجري تنفيذه منذ سنوات عديدة، كما نُذكر بتصريح اسرائيلي رسمي قبل يومين عندما قيل بإن الغارات على سوريا لم تكن ممكنة لولا المصالحة الاسرائيلية التركية.
أن تتغير مواقف الحكومات العربية ويتراجع الخطاب القومي العربي، فهذه مظاهر يمكن أن نجد لها مبرراتها، لكن الكارثي أن تكون مشاعر مواطنين عرب ولاسيما المثقفون منهم مع عدوان إسرائيلي ضد سوريا على طريقة التحالف ولو مع الشيطان لإسقاط النظام السوري، وأنا هنا أشير الى مقالات منشورة في صحف ومواقع عربية لبعض الكتاب العرب فضلاً عن تعليقات لقراء عرب عبروا عن فرحهم او شماتتهم بتعرض سوريا للغارات الإسرائيلية، ولست ضد قناعتهم بتغيير النظام في سوريا من خلال العمل المسلح وإن كنت أتمنى أن يحصل هذا التغيير عبر وسائل ديمقراطية سلمية وبإشراف دولي، وهو أمر كان ممكناً ولم يجرؤ النظام في سوريا على رفضه حتى اللحظة.
وعند العودة الى موضوعة حرب العراق، نجد ان الغالبية العظمى من العرب (نخباً وجماهير) قد وقفوا بقوة الى جانب نظام صدام أو الى جانب العراق ـ كما يزعمون ـ وظلوا يلعنون التحول الديمقراطي الذي نشأ في العراق بعد حرب عام 2003 ومازال كثير من العرب لايعترف بالعملية السياسية ويَنظرُ لها بصفتها من نتائج الإحتلال، نقول ذلك في الوقت الذي نتابع فيه بألم قبولا عربيا بالغارات الإسرائيلية على سوريا فضلاً عن تعالي الأصوات الداعية الى حرب دولية ضد سوريا، حتى داخل الجامعة العربية بذريعة التسريع بإسقاط نظام الأسد وتطبيق النظام الديمقراطي في سوريا.
هذا التحول في الخطاب العربي يأتي للأسف على خلفية طائفية، فقد تراجعت المشاعر القومية وحلت المشاعر الطائفية محلها، فصار التحالف مع الناتو في حرب ضد بلد عربي مثل سوريا عملاً شرعياً يرضاه الله ورسوله كما يزعم بعض المتشددين، لكن مثل هذه الحرب كانت من عمل الشيطان الكافر عندما كان الأمر يتعلق بالعراق، وليت الحال يتوقف عند إدانة الحرب، لكنه يتواصل لتطال الإدانة العملية السياسية في العراق التي نشأت بعد سقوط نظام صدام الدكتاتوري، كما إن الكثير من العرب مازال يصرُ على التعامل مع ثورة الشعب البحريني بعيداً عن معيار ثورة الشعب السوري، ينظرون الى الأولى بصفتها تمردا خيانيا عميلا للأجنبي والى الثانية بصفتها انتفاضة شعبية مباركة.
تراجع الخطاب القومي وهيمنة الخطاب الطائفي في العالم العربي، تدهور خطير في الثقافة العربية تتحمل مسؤوليته النخب السياسية والثقافية والدينية التي تعمل منذ عقد على الاقل على تغذية النعرات الطائفية على حساب مفهوم المواطنة أولا ً ثم رابطة العروبة ثانياً، نقول لسنا مع أي نظام شمولي مثل نظام الأسد لكننا أيضا ضد تدمير سوريا بصفتها أنموذجا للتعايش الأهلي السلمي منذ آلاف السنين بين مكونات اجتماعية قومية ودينية متعددة بالشكل الذي يحدث اليوم، عندما تضيق هذه الجماعات الطائفية المسلحة في سوريا حتى بالموتى وتقوم
بتفجير ونبش مزارات دينية موجودة ومصانة منذ أكثر من ألف عام، فكيف يأمن الأحياء على حياتهم ومستقبلهم إذا ماوصلت هذه الجماعات الى السلطة؟
(الصباح)