أيضا...عن الطائفية في العراق
الأحد 19 مايو / أيار 2013 - 21:20
د. عزيز الحاج
خرج علينا الأستاذ ضياء الشكرحي بمقال جديد من مقالاته النيرة حول الطائفية في العراق، هذه المقالات التي تتميز بصفاء الرؤية ونزاهة السرد والغرض وبالحس الوطني ومنطلق الديمقراطية العلمانية. وقد حركني المقال لأعود لهذا الموضوع الهام، القديم المتجدد. ولعلني أكرر أفكارا سبق التأكيد عليها مرات، ولكن التكرار أحيانا مفيد وضروري.
- الطائفة مهما كانت كبيرة العدد وأكثرية السكان لا تشكل وطنا بحد ذاتها ولا تبني الوطن المنشود وحدها؛
- كل طائفة لا يمكن اختزالها في حزب أو مجموعة أحزاب وتكتلات وشخصيات، أيا كانت، لأن الطائفة تتوزع على تيارات شديدة التنوع وتعددية؛
- إن نقد أحزاب أو شخصيات من هذه الطائفة او تلك ولو كانت دينية، لا يعني مسا بالطائفة ككل وكراهية لها.
- سبق أن عدت لوصف علي الوردي عن الطائفية في العراق منذ أواخر العشرينيات، من طائفية فقهية دينية إلى طائفية " وظيفية"،أي التنافس والتدافع والصراع على الوظائف والمناصب والامتيازات، وهي ما نسميها اليوم، في الوضع العراقي الجديد، بالطائفية السياسية. وأستدرك لأقول إن الصراع المذهبي بين التشيع والتسنن كان منذ ميلاده سياسيا، أي من الأحق بالخلافة، أي السلطة. ومن أجل أن يبرهن كل طرف على صواب موقفه، لجأ للفقه والأحاديث والحكايات الدينية، المنسوبة لهذا المصدر أو ذلك. وهنا التفاتة قيمة وهامة للوردي، وهي أن عليا وأبا بكر وعمر بن الخطاب كانوا " من حزب واحد"، كما يصف، قاصدا من "حزب" العدل والمساواة والنزاهة والحرص على أموال الرعية وإعانة الفقراء. والغرابة والكارثة أنهم صاروا بعد وفاتهم محل نزاع وخصام بينما كانوا في الحياة قريبين احدهم من الآخرين؛
- يذكر علي الوردي أيضا أن اسم علي شبه مقدس في العالم العربي، وكثيرا ما يجري القسم بالله ومحمد مقرونا باسم علي، وذلك برغم الاختلافات المذهبية. وهو يذكر أمثلة من تجاربه وجولاته في البلدان. وعند السنة، وباستثناء غلاة السلفيين من نجديين وغيرهم، فإن للحسين مكانته المقدسة. ففي القاهرة يشكل مسجد الحسين مقاما خاصا يتبركون به. ومن أفضل من كتبوا عن الإمامين الحسين وعلي [ ع] كتاب سنة، من أمثال طه حسين وعباس العقاد وغيرهما.
- إن من يشتمون الخلفاء الراشدين، باستثناء علي، يوجدون بين الشيعة. وقبل سنوات قلائل، تطاول قيادي في الأحزاب الإسلامية الشيعية على مقام أبي بكر. وفي إيران، فإن الشتيمة الأكثر رواجا " التراب على رأس عمر"، أي الموت لعمر، مع أنه كان خليفة عادلا وقريبا من علي، ويتشاوران. وحدثني الأستاذ جلال طالبان، مام جلال، رئيس الجمهورية الذي نتمنى له الشفاء التام والعودة لمحبيه؛ حدثني عشية الحرب، وهو بباريس، أنهم كانوا ذات مرة قد أرسلوا وفدا لطهران. وعند الحدود والنظر في أسماء الوفد الكردي، تبادل الحرس وضباط الحدود الغمز والنظرات وعلى البعض إمارات الغضب. قال مام جلال، "حدسنا أن السبب أنه كان بين الوفد من اسمه عمر والثاني عثمان". وقال " سترنا الله من الداهية لأنه لم يكن بيننا من اسمه معاوية"!
- عند فحص أسماء الساسة والمثقفين العراقيين الأكثر استخداما لتهمة الطائفية ضد الآخرين، نجد أن غالبيتهم من الطائفة الشيعية؛
- أحسن الشكرجي في إعادة الأكيد بأن جميع الأحزاب والتكتلات السياسية الشيعية طائفية، كما هو طائفي الحزب الإسلامي العراقي. وطائفيون أكثر نواب العراقية السنة وأكثر نواب التحالف الوطني الشيعي. وبينما يمارس المالكي طائفية الاجتثاث وتوجيه التهم وإشعال الأزمات وتكسير العظام، مما قد يؤدي لفتن طائفية وعرقية، فإنه يخطب يوميا في ذم الطائفية واتهام الغير بها!؛
- لا الحكم الملكي ولا حكم العارفين أو حكم صدام كان حكم السنة، كما أن الحكم الراهن ليس حكم الشيعة بل سلطة أحزاب سياسية شيعية ذات روابط خاصة بإيران. والجديد أن حكم الأحزاب الشيعية اليوم يتعكز على عقدة " المظلومية" و" الأكثرية"، مروجا لنظرية أن الأكثرية السكانية تعني الأكثرية التي يجب أن تحكم. وهذا مخالف لأوليات المبادئ الديمقراطية، التي تؤكد على أن الأكثرية سياسية وهي تلك الفائزة في الانتخابات، ويمكن لها إشراك الآخرين.
- لابد من الإشارة أيضا إلى الخلط المتعمد و غير المتعمد لكثيرين من العرب، حكاما ومثقفين، بين ممارسات إيران العدوانية والطائفية العنصرية والتوسعية وبين مجموع شيعة العراق والمنطقة. وإيران تغذي هذه الحكاية المبنية على خطأ فادح. فليس الشيعة بمجموعهم من يركضون وراء سياسات وممارسات نظام الفقيه، الذي له حساباته الخاصة التي لا علاقة لها بمصالح شيعة المنطقة، بل ولا حتى بمصالح شيعة إيران، المسحوقة حقوق وحريات أكثريتهم. والادعاء الإيراني هذا يتواصل مع أن إيران تتعاون مع القاعدة التي تكفّر الشيعة، ومع الإخوان المسلمين. ونذكر ما لاقته أكثرية الشيعة العراقيين المهجرين زمن طهران، من كرد فيلية وعرب الوسط والجنوب [ شيعة التبعية]، في إيران من تمييز عنصري في مجالات التعليم والعمل والسكن وغيره..
هذه نقاط مختزلة تعن لي اليوم بعد قراءة مقال الأستاذ الشكرجي. وشكرا له....
مايس 2013