السلامة الوطنية
    الأثنين 20 مايو / أيار 2013 - 08:25
    محمد عبد الجبار الشبوط
    رئيس شبكة الإعلام العراقي
    هل اصبحنا اقرب من اي وقت مضى من موعد اندلاع الحرب الطائفية التي تخطط لها بعض الجماعات المتطرفة، من "اسلامية" وبعثية وقاعدية، بدعم من اطراف خارجية؟
    قد يسهل الجواب بكلمة "لا ادري"، او حتى "ربما". لكن الاجتماع الذي عقدته اللجان الشعبية لساحات الاحتجاج يوم السبت في بيت احد النواب المتصدين للحراك الاجتماعي الاحتجاجي الحالي قد يوحي بجواب اخر، هو: "نعم". بناء على التسريبات التي قد تكون مقصودة، يبدو ان الاجتماع كان لقاء تصعيد وحرب وليس لقاء سلام وحل. ففي هذا الاجتماع تم الاتفاق على ثلاثة امور يؤدي اي منها الى حرب ومواجهة عسكرية. الامر الاول هو  رفض مبدأ التفاوض مع الحكومة، وامهال المراجع الدينية السنية خمسة ايام لاصدار فتوى تتيح للجان احد خيارين، هما: اما الاقليم او المواجهة، على ان يتم اعلان ذلك في الجمعة المقبلة.
    اذا صحت هذه التسريبات فان اللهجة غريبة.
    اولا، لا يمكن ان يكون رفض التفاوض الى وصفة لحرب. لا يرفض احد الاطراف التفاوض مع طرف اخر الا اذا كان يحضر لما هو اهم بنظره واكثر جدوى.
    ثانيا، اطلاق مشروع اقامة "الاقليم السني" لا يحتاج الى كل هذا الصخب والصراخ لأنه اجراء دستوري مشروع ومعروف وخطواته سهلة. الغامض في هذا الخيار انه موجه الى المراجع السنية، وليس الى الحكومة. فالمهلة الزمنية موجهة الى مراجع الدين للطائفة السنية. فاذا ما رفضت هذه المراجع  ذلك، فان الخيار الثاني هو المواجهة والحرب.
    ثالثا، خيار الحرب او المواجهة موجه الى الحكومة. فلا يعقل ان تهدد اللجان الشعبية مراجعها الدينية وتخيرها بين امري الاقليم او الحرب. الحكومة لن ترفض خيار الاقليم، وليس هذا من صلاحياتها، فلماذا المواجهة معها؟
    رابعا، قد لا نكون هنا بصدد خيارات متعددة انما هو خيار واحد، اي الحرب. وهو الامر الذي سبقت الاشارة اليه في جمعة الخيارات، حين اطلق عليه اسم الجهاد. بل ربما هو الخيار الذي تخطط له القوى المعنية، محلية وخارجية، منذ ان ركبت موجة الاحتجاج والتظاهر.
    وهذا ما يدفع مسؤولا كبيرا في الدولة الى التعبير عن ثقته بان الحرب الاهلية الطائفية الجديدة قادمة. بل سبق لهذا المسؤول الكبير ان حذر اكثر من مرة من احتمالات الحرب، مؤكدا ان تحذيراته ليست للتخويف انما هي قراءة دقيقة وتحليل معمق للمعلومات التي بين يديه، وهي معلومات من الطراز الاول الذي لا يحسن التشكيك بمصداقيتها.  ومن هذه المعلومات الاوامر التي تصدرها قيادات القاعدة والنقشبندية الى عناصرها بتصعيد الاعتقالات والخطف وضرب المساجد والحسينيات الشيعية والسنية معا، وفي اوقات محسوبة لكي تبدو وكأن كل ضربة على موقع سني هي رد على ضربة على موقع شيعي وبالعكس، وكآن الشيعة والسنة يتبادلان الضربات، في حين ان القاعدة والنقشبندية هما اللتان تنفذان هذه العمليات، مع التركيز على اجهزة الامن والتجمعات السكانية، امعانا في تعميق الجانب الاهلي للعمليات العسكرية الارهابية. ولا يبعد ان تعمدا الى اغتيال بعض المتظاهرين او اختطافهم واتهام الجيش او الشرطة او الحكومة بذلك لاشعال فتيل الفتنة.
    ازاء هذا الاحتمال الذي يبدو مرعبا قد يكون على الدولة والحكومة ان تتحركا بسرعة لقطع الطريق امامه. واذا كانت المفاوضات هي افضل واقصر طريق الى الحل والسلام، فان رفضها من الطرف الاخر يجعلها غير ذات موضوع لوضوح ان هذا الطرف، اذا كان يصر على رفض المفاوضات، فان هذا يعني انه يخطط للحرب. وهنا يتعين على الدولة ان تجهض خيار الحرب قبل وقوعها.
    النظام القانوني للدولة العراقية يضع بين يدي الحكومة آلية لاجهاض خيار الحرب وهو قانون السلامة الوطنية الذي صدر العام 2004 والذي يستهدف بشكل اساسي قطع الطريق على من يريد ان يشعل نار الحرب الاهلية ويحرق ورقة السلام الاهلي. يتيح القانون للحكومة اعلان حالة الطوارئ في المناطق الساخنة واتخاذ اجراءات امنية وعسكرية متشددة من اجل تحقيق الهدف المحدد وهو قطع الطريق على المنادين بالحرب والاقتتال الاهلي.
    ربما تفكر القيادات العليا في الدولة الان بهذا الخيار، بل ربما عليها ان تفكر به بجدية اذا كان هو الطريق الوحيد لمواجهة الوضع الحالي الذي قد وصل الى مرحلة تحتم العودة الى الحكمة العربية القديمة التي تقول: "آخر الدواء الكي." ذلك ان السلام الاهلي الوطني اضحى في خطر ماحق. والجماعات الارهابية المدعومة من الخارج لا يبدو انها في وارد التخلي عن هدفها او اهدافها المعلنة وهي اشعال فتيل الحرب الاهلية تمهيدا لاسقاط العملية السياسية برمتها.
    وليس من الواضح كم من الوقت بقي لدى عقلاء القوم!

    (الصباح)
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media