صبر الحكومة
الثلاثاء 21 مايو / أيار 2013 - 05:05
محمد عبد الجبار الشبوط
رئيس شبكة الإعلام العراقي
ليس من طبيعة الحكومات الديمقراطية ان ينفد صبرها طالما تعلق الامر بمواطنيها. فمن حق هؤلاء على حكومتهم ان تتحملهم وتستمع اليهم وتعطيهم اكثر مايمكن من الوقت والاهتمام والرعاية. وحين يتقدم مواطنوها بمطالب معينة فان عليها ان تدرس هذه المطالب، وتبذل كل ما تسمح به قوانين بلادها من اجل الاستجابة لها وتنفيذها بدون كلل وكسل. فالحكومة في نهاية المطاف خادمة الشعب وليست سيدته. وفي الفكر السياسي الاسلامي تعرف السياسة بانها السعي في مصالح الناس، او رعاية شؤون الامة. وهذه الرعاية واجبة على كل فرد، حسبما يشير اليه قول الرسول محمد (ص): كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
مقابل هذا يقوم المواطنون بما يترتب عليهم من التزامات وواجبات، واهمها رعاية القانون واحترامه والخضوع لسلطات الحكومة التي تمارسها وفق الدستور وبحكم الصلاحيات التي منحها اياها المواطنون بالطريق الدستوري المعتمد في البلد. لا تتوقع الحكومات الديمقراطية من مواطنيها ان يتمردوا على قوانين البلد او ان يعارضوا التعليمات او ان ينتهكوا حرمات الدولة ومؤسساتها او ان يتصرفوا بما يضر بالخير العام او المصلحة العامة. هذا الامر من بديهات الامور في الانظمة الديمقراطية الراسخة ولا يحتاج مواطنوها الى من يعظهم به او يحذرهم من مغبة مخالفته.
حين قامت حركة الاحتجاج في المحافظات الغربية كان على الحكومة ان تبادر الى تلبية مطاليبهم المشروعة بالسرعة الممكنة ووفق الصلاحيات الممنوحة لها. وهذا ما قامت به الحكومة. واليوم تضم قائمة ما فعلته الحكومة الكثير من المفردات التي تغطي معظم ان لم نقل كل المطالب التي رفعها المحتجون، ما عدا تلك التي تقع خارج دائرة اختصاص الحكومة بطبيعة الحال.
لكن اشخاصا وجهات وربما دولا لا تجد مصلحة في حصول اي تقارب وتفاهم بين الدولة ومواطنيها. بل ان مصلحتها تتحقق عبر الشرخ الكبير الذي يعملون على اقامته بين الدولة ومواطنيها خاصة من سكان المحافظات المنتفضة. لذا سعت هذه الاطراف منذ البداية الى اجهاض تحركات الحكومة الايجابية وافشالها، والى اختطاف حركة الاحتجاج وتوظيفها بالاتجاه الذي يخدم مصالحها كائنا ما كانت هذه المصالح. وهي اليوم تعمل على قطع الطريق على اي مسعى للتقارب والحل والتفاوض امعانا في تخريب البلاد واعاقة العملية السياسية وضرب السلم الاهلي والوفاق الاجتماعي ووضع العصي امام عجلة الاعمار والتنمية وتحسين المستوى المعاشي للناس.
ووصل الامر الى مديات لا تسمح بها الانظمة الديمقراطية فضلا عن غيرها. فقد جرى انتهاك حرمة الجيش والشرطة، وهما من اهم مؤسسات الدولة، وارتكبت الجرائم البشعة بحق منتسبي هذه القوات، وجرى قتلهم والتمثيل بهم، مما يشكل انتهاكا خطيرا لحرمة الدولة وكرامتها وهيبتها.
الى هنا مازالت الدولة تكظم غيظها وتعض على النواجذ وتحاول ان تعالج الامر بالتي هي احسن، دفعا لما هو اخطر وافظع ورعاية لحرمة البلاد والعباد وصيانة للامن والسلام والاستقرار.
لكن يبدو ان المتاجرين بالمطالب ومختطفي حركة الاحتجاج لا يريدون للسفينة ان تصل الى بر الامان، لذا تراهم يعمدون الى التصعيد الذي يشمل اختطاف الجنود وقتلهم مما لا يكون معه الصبر ممكنا والسكوت مشروعا.
هنا قد يكون من الضروري ان تتحرك الدولة وتستخدم ما بيدها من ادوات من اجل وأد الفتنة في مهدها والحفاظ على كرامة الدولة والمؤسسات وسلامة المواطنين.
قد لا يفسر الصمت هنا بالحكمة، وقد تعتبره الجماعات الارهابية ضعفا، وهو امر لا يجوز ان تشتبه به هذه الجماعات. ففي كل مكان في العالم، تملك الدول ادوات للردع والضرب والعقاب لمنع الذين يتجاوزون على القوانين وينتهكون حرمات الافراد ويجرحون كرامة الجيش والشرطة وبقية المؤسسات.
قد لا يصح ان تصبر الحكومة اكثر من هذا.
(الصباح)