الأخــــلاق والديــن والعمـــارة
الثلاثاء 21 مايو / أيار 2013 - 05:09
د. علي ثويني
لقد وظف الدين الهواجس الروحية من الفطرة والنفس،و واشج بين الأخلاقيات و الغيبيات،وجعل إحداها تتكأ على الأخرى في معادلة فذة،من أجل ضبط نصاب عالم الماديات . وأمست الأخلاق جوهر الدين ونصفه الملموس وأمسى علم و فرع من الفلسفة يدرس سيرة الإنسان وطبيعة الحق والباطل و طبيعة الصواب والخطأ،وسيرة الإنسان وشخصيته وقيمه، وميّز بين الخير والشر،و واجبات الإنسان نحو ذاته و غيره والمجتمع. وثمة ثلاث توجهات لتأويل الأخلاق، إحداها نسبية تدعي: إن الصواب والخطأ كلاهما مرهون بنوعية ثقافة المجتمع، فما هو صائب قد يكون خاطئًا في مجتمع آخر. لذا لا توجد معايير أساسية يمكن بموجبها أن نحكم بأن ثقافة ما صواب أو خطأ. أما النظرية الموضوعية فتدعي أنه توجد معايير موضوعية للصواب والخطأ يمكن اكتشافها وانطباقها على أي إنسان وهو الطريق المثالي. والثالثة هي النظرية الذاتية التي تقول: إن كل المعايير الأخلاقية ما هي إلا مسائل لها علاقة بالذوق أو الرأي.
ونجد مفهوم المدينة الفاضلة والمجتمع المثالي الأخلاقي قد ورد عند السومريين أولا،وذكره (أور- نمو) في حلم المدينة التي يروم أن يحققها من خلال قوانينه. وأنتقل المفهوم من فلسفات العراق والشام ومصر إلى اليونان بعد ألفين وخمسمائة عام، ونضج فيها من خلال مذهبي الرواقية والأبيقورية،وذلك بعد وفاة أرسطو عام 322ق.م. ومن تعاليم تلك المدرستين أن الهدف من المعرفة هو تمكين الإنسان من أن يحيا حياة هانئة راضية. حيث قال مؤسس الرواقية( زينون الرواقي)، إن الإنسان يجب أن يسعى للتحلي بالفضيلة التي هي أعظم الخصال الحميدة. ويؤمن الرواقيون بـ الحتمية المحضة أو الجبرية عند المعتزلة في التاريخ الإسلامي،وفحواها الاعتقاد بأن جميع الأشياء محكوم عليها أن تكون على ما هي عليه، لذلك يجدر بمن يتحلى بالحكمة والفضيلة أن يرضى بما لا سبيل إلى تغييره، وأن يبذل ما في وسعه لكي يستفيد منه. وأثرت الرواقية في المسيحية والمانوية.والأخيرة نعدها منتجاً نموذجياً للعقلية العراقية،كون ماني (213 - 277م) جاء من بابل، عاكسا أخلاق مجتمع مهادن ومنفتح.
(الصباح)
وفي تراثنا نجد ثلاثة مفكرين مسلمين أسهبوا في شرح الظاهرة الأخلاقية، هم أحمد بن محمد ابن مسكويه،صاحب (كتاب الطهارة)، والثاني نصير الدين الطوسي الفيلسوف البغدادي، وقد قلد العلوم في مثالياته الأخلاقية،حيث جاء قياسيا،واستخلص الفضائل والعيوب من تعداد خصائص النفس بطرق منطقية رياضية، وعدد خصائلها بأربع هي الحذر والشجاعة والاعتدال والعدالة،وعكسها الجهالة والجبن والطمع والظلم. و يعد الفضائل توسطا بينما العيوب فأنها تطرف متناه،أو فساد في الفضيلة،وبذلك فهو متفلسف زاهد في معالجتها بأساليب أصولية من تعاريفها. والثالث الأخلاقي كان الإمام أبو حامد الغزالي، ضمن سياقات شكه الذي أوصله اليقين على المنهج العراقي الأزلي.
وفي الأزمنة الحديثة ظهرت العناية بالأخلاق في الفلسفة من خلال التيار العقلاني الذي نسبت ريادته في الغرب إلى ( ديكارت) و(لايبنيز) و(سبينوزا)، والأخيرأراد أن يشرح كيف يمكن للإنسان أن يكون حرًا عاقلاً راضيًا مرضيًا في هذا العالم الذي تسيِّره الحتمية. ثم جاء الالماني فريدريك نيتشه،"الذي كان ملحداً" ؛ و تنبأ بظهور (السوبرمان) أو الإنسان الأمثل الذي لا يشكو من ضعف البشر، ولا يحتكم إلى الأخلاق لأنه من صفات الضعفاء. فالسلوك ينبغي أن يكون قائمًا على إرادة القوة؛ أي ميل الإنسان للسيطرة على غيره والتحكم في أهوائه،وهذا ما يطبقه المحتلون والغزاة في كل زمان ومكان، ولنا فيه شجون.ونقرأ في الحداثة رأي للأميركيين لاكوف وجونسون(Lakoff& (Johnson في كتابهما (الفلسفة في الجسد), و محور طرحهما ؛أن علم الدلالة الذهني, يقدم لنا الوسيلة التي تمكننا من تقديم تحليل مفصل وشامل لكل المفاهيم الأخلاقية وكيفية عمل منطقها, ومن اكثر النتائج أساسية أن اللاوعي الذهني يحتوي على منظومة واسعة من الاسقاطات الاستعارية لفهم أفكارنا الأخلاقية والتفكير فيها, وتوصيلها "للآخرين".
واستخلاصاً من جميع الآراء فأن الإنسان يشكل خلية داخل نسيج المجتمع،ويترتب عليه إقامة علاقة عضوية بينهما ويترتب على ذلك حقوق وواجبات، وطرق في المعاملة. أما الصلة بالعمارة، فان المعمار فرد في المجتمع تنطبق عليه هذه الصفات،وهو الأجدر بممارستها كونه يملك زماما تنظيميا-تشريعيا لشؤون ذلك المجتمع. ما يرسم له منهجية أخلاقية في غاية الحساسية، يمارس خلالها الصدق والأمانة والصراحة والوضوح، ، ويبث رهافة إحساسه ويفرق في غاياته، فهو يضفي خصوصية على المكان، وعمومية إجتماعية على المباني العامة أو العمران. و في خضم تلك العملية الإبداعية يوجه الفنون ويستثمرها لصالح إسباغ الجمال المشذب لروع الإنسان والمهذب لأخلاقه،التي تضطلع بصفة الغايات في إطار منهجية صادقة للتعامل مع المكان والزمان، على أن تكون العمارة مرنة،لدنة وعضوية مثلما هو نمو وتطور الكائن والمجتمعات،و ثابتة صلبة،وأمينة ومكرسة لثوابت الأخلاق.
وثمة تداخل جوهري بين المفهوم الأخلاقي في شؤون الحياة وبين العمارة والبنيان،حيث أشاد الناس بيوتهم بإيعازات روحية وإملاءات فكرية للفقه الديني الاثر العميق فيها،وكذلك أعراف المجتمع وتراثه، فنجد الاحترام المتبادل بين الجيران جاء ضمن تعاليم دينية، حث عليها الخالق في كتبه ورسائل الأنبياء. وترتبت على تلك الممارسة عاطفة إنسانية وأعراف وطقوس. وأمسى الأمر عرفا لكل المجتمعات،حتى لنجد اليوم في اليابان أن الجار الجديد يعرض مخطط داره على الجار القديم ليوافق عليه وتتم مناقشة الارتفاعات والطرز و تفاصيل البناء و التفاهم على لون الواجهات،التي لا تكون غير متماشية مع ذوق الجار الأقدم!.
وورد في التراث الإسلامي جملة من التعاليم في حظوة المحيط البشري والبيئي على مبدأ (لا ضرر ولا ضّرار) الوارد من حديث النبي (ص).وعده الفقيه أبو داود بأنه أحد خمسة أحاديث يدور عليها الفقه . وهي تعني أن للفرد أن يتصرف كما أراد إذا لم يضر بالآخرين. وثمة مفهوم عمراني واضح يفرضه الحديث هو أن لكل فريق في البيئة الحرية في التصرف إذا انعدم الضرر. وأن تفسيرات الفقهاء تتعامل مع الأفعال الضارة بالغير خارج حدود عقار الفريق المتصرف وليس داخله . فلا يحق لكائن من كان أن يمنع شخص من بناء غرفة في حديقة منزله إذا لم تثبت العلاقة بين هذه القرارات وضرر الجيران، فللإنسان التصرف داخل حدود ملكه إذا لم يضر بغيره دون الاستئذان المسبق من أحد.
ومن ميزات عمارة المسلمين التي حث عليها الفقهاء وحفظها البناؤون،مفهوم ( تطاول البناء Regime of high)، وتطاول تعني أظهر الطول أو تكبر أو ترفع،والتطاول في البناء يعنى نظام الارتفاعات العام لمباني المدينة أو جزء منها. وورد في الحديث المنسوب للنبي الكريم (لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان). وجاء في حديث أبن السائب عن الإمام الحسن بن علي (ع) قال : (كنت أدخل بيوت أزواج النبي (ص) في خلافة عثمان(رض)، فأتناول سقفها بيدي) . وروي عن الخليفة عمر بن الخطاب(رض) كتب لولاته: (لاتطيلوا بناءكم فانه شر أمامكم) .ولا أعلم الجدوى الاخلاقية من حمى التطاول والتهافت على الإرتفاع اليوم في الخليج بأرض جرداء الأجدر بافتراشها بالبنيان وإعمار أرضها. والتي أشاعت حالة إغواء تطالنا ولابد من اجتنابها.
لقد تحاشى (أسطة البناء) أي إطلالة أو أشراف من بناء على آخر أو فتح الشبابيك باتجاه الجيران مما يلغي الخصوصية،والحشمة المتوخاة في المساكن. وقد جسد ذلك النظام الديني للمدينة الإسلامية بحيث رسم خط السماء( sky line) فيها بهيئة متجانسة ومجردة من أية خروقات. وقد نجد هذا المفهوم قد نظر له في تخطيط المدن الحديث وعرف بكونه النظام الذي يحدد عدد طوابق المباني المتوسط والأقصى والأدنى، متماشيا مع موقعها واتجاهها بالنسبة لجيرانها من العمارات في إطار أحياء المدينة الحديثة، و أتخذ ذلك أساسا في عملية التصميم والتسقيط العماري.ويمكن أن تكون معيارية النجاح لخطط التهيئة الحضرية، النأي عن التناشر بالارتفاعات، وانسجام في الارتفاع والأشكال والطرز والألوان. وهذا ما نفتقده في المدن العراقية ولاسيما بغداد، التي تبدو محض محاولات ذاتية تنم عن أنانية وفوضى وتناكف وتناشز بين تراث وحداثة والاهم، عكسها الهبوط القيمي للسلطات ومسيري الدولة ونزق المعماريين، الذي تداعى إلى هبوط الذوق العام.
إن نتاج فوضانا موئله عمارتنا التي تعكس أذواق الناس، وأن أريد إصلاحهم أخلاقيا لابد من إصلاح المنتج العمراني والمعماري . فمنذ الولاة العثمانيين ومرورا بأرشد العمري ومنتج السلطات العروبية "الثورية" لم نلمس إلا أنانية الحاكم وتعسفه، ومثالها قصور صدام ومساجده الفرعونية،وهي خير دليل على الاستهتار بالفاصل الأخلاقي(athics) بين الحاكم والمحكوم. نحن اليوم نحصد الحداثة المنفلتة.
إن أحياء باريس الهامشية –على سبيل المثال- كانت البيئة المناسبة لكل الإضطرابات التي حدثت، وهياجانات التشفي بـ(الحرق) عام 2005،وكان مصدرها احياء المهاجرين المهمشين. و شهدنا تجربة طبقت في شمال لندن، في ضاحية (لوتن Luton)، حيث أختيرت أماكن خربة يأُمها الكحوليون والمدمنون ومتعاطو المخدرات والدعارة في ثنايا المدينة، وتم تنفيذ خطة لتهيئتها عمرانيا بحيث أضفت عليها تنظيما ونظافة وجمالية من خلال مفردات العَمارة الحدائقية (landscape) لتشجر بعناية وتشذب وتزود بالنافورات والأرائك والأثاث المديني والإضاءة، بما يغير مجمل معالمها. وبعد الإفتتاح عاد إليها روادها الأوائل من السكيرين، فوجدوا أن بؤرتهم ومكان عبثهم، قد أمسى حضارياً ونظيفاً، ولم يعد يناسب صعلكتهم وعربدتهم ويحوي أزبالهم، وهكذا خف تواردهم إلى أن تواروا عن الأنظار تدريجياً، ليجدوا لهم مكانا متسخا آخر يؤمهم. وكأنهم يطبقون الهاجس الفطري بأن (الشيطان يسكن في الخرائب)،كما كنا نسمع ونحن صغار، وإن الفراغ مدعاة سكن الشيطان. وإن الحضارة والعناية والتنظيم الحضري امور تفتح رأس الإنسان على تلقف الخير مثلما الغابة التي تجتذب الغيوم والغيث، على عكس التخلف والخراب و المكان المجدب الذي ينفره الغيم، ويجور ثم يبور.