بغداد: عبد علي سلمان (الصباح الجديد) - في قراءته لطبيعة الصراع في العراق، قدم المحلل الاميركي مايكل نايتس في مقاله المعنون» نعم العراق يتفكك» المنشور في عدة مؤسسات ونشريات منها مجلة فورن بوليسي الاميركية وجهة نظر جديدة حين ارجع سبب ما يجري من اعمال عنف في العراق الى الصراع بين المركزية في الحكم و اللامركزية. ويقول بهذا الصدد»وبالتالي، فإن جذور العنف العراقي لا ترجع إلى الأحقاد القديمة بين السنة والشيعة أو الأكراد والعرب ولكن بين دعاة المركزية ودعاة اللامركزية -- وبين أولئك الذين يرغبون في أن يرمي العراق ماضيه العنيف وراء ظهره وأولئك الذين صمموا على استنساخه».
ويرى الكاتب إن العراق «في هذه الأيام يعدُّ دولة منهكة جداً، ولم يأت أيٌ من مشكلاته من فراغ. وقد اجتمعت العديد من المؤشرات السلبية: فالمليشيات المدنية المسلحة تعيد نشاطها، والتفجيرات الانتقامية تستهدف المساجد السنية والشيعية، وبعض القوات العسكرية العراقية بدأت تنهار وتنقسم إلى عناصر عرقية وطائفية أو تعاني من التغيب المزمن. كما بدأت قطاعات عديدة من الطيف السياسي العراقي- الأكراد والعرب السنة والشيعة- تتذمر لعدم قدرة الحكومة على التعامل مع الظلم السياسي أو الاقتصادي وبدأت تتحدث بجدية عن التقسيم».
ويظهر تجدد أعمال العنف في العراق منذ عام 2010 بشكل واضح جداً في المقاييس المستخدمة لقياس قوة التمرد. وقد قام معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بتتبع أعمال العنف منذ عام 2004 من خلال «قاعدة بيانات العنف في العراق» التي يحتفظ بها المعهد، عن طريق الاعتماد على معلومات من مصادر مفتوحة أو خاصة مقدمة من قوات الأمن في العراق. ففي الربع الأول من عام 2011، انخفضت الهجمات الشهرية إلى أدنى مستوياتها حيث وصلت إلى معدل 358 حادثا - وهو أقل معدل ربع سنوي منذ عام 2004. وبحلول الربع الأول من عام 2012، كان متوسط عدد الهجمات الشهري قد ارتفع إلى 539. وبحلول الربع الأول من عام 2013، ارتفع معدل الهجمات الشهري إلى نحو 804. وهذه الإحصائيات لا تقدم أدلة على تزايد نشاط المتمردين فحسب بل توفر إثباتات على أنها انتقلت من استهداف الأميركيين إلى قيام عراقيين باستهداف عراقيين [على أساس طائفي]. لذا فما الذي سيحدث بعد ذلك؟ يرى بعض المراقبين مثل السفير السابق رايان كروكر، أن الفترة الحالية تعد عودة إلى ظروف عامي 2006 و 2007، عندما انغمس العراق في أعمال عنف مشابهة لحرب أهلية. لكن هناك مقارنة بديلة يمكن أن توازي على الأقل الاهتمام الخاص بنظيرتها -- وبالتحديد الفترة المبتدئة في 2003، عندما تسببت أخطاء الائتلاف الدولي في فتح الباب أمام الجماعات العراقية المتمردة لتنمو في المقام الأول. والآن تقع الحكومة العراقية في العديد من الأخطاء نفسها التي وقعت فيها الولايات المتحدة في تلك الأثناء: فهي تقوم بعزل السنة واحتلال مجتمعاتهم مع تبني نهج عسكري قاسٍ لا يميز بين المحاربين المتطرفين وجمهور المدنيين المسالمين- حسب الكاتب-.
وقد حاولت الحكومة العراقية إلقاء اللوم في فشلها على الثورة السورية، بحجة أنها تعاني من امتداد العنف من جارتها. بيد أن هذا العذر لا أساس له -- حيث توقفت التحسينات الأمنية قبل بدء الأزمة السورية في ربيع عام 2011. ولا يمكن أن يُعزى تزايد أعمال العنف فقط إلى الأحقاد القديمة بين السنة والشيعة: فما أذكى نار الطائفية من جديد هو عدم رغبة حكومة بغداد في تلبية المطالب الخاصة بإنهاء العقاب الجماعي للسنة عن الجرائم التي ارتكبها نظام البعث.
كما أن المطالب التي ذكرتها المعارضة الكردية والعربية السنية مراراً وتكراراً لا يمكن أن تكون أكثر وضوحاً. أولاً، تطلب المعارضة انتقال السلطة المالية إلى «حكومة إقليم كردستان» والمحافظات، ووضعها في قانون تقاسم الأرباح الذي سيقدم صيغة لنسبة الميزانية المخصصة لـ «حكومة إقليم كردستان» والمحافظات. ثانياً، تطلب المعارضة تطبيق نظام للضوابط والموازين على السلطة التنفيذية -- لاسيما من خلال تمكين البرلمان من القيام بهذه المهمة وضمان استقلال السلطة القضائية. ثالثاً، تطالب المعارضة بعملية مصالحة حقيقية وشاملة توفر العدالة لجميع المتضررين من نظام صدام، وليس العقاب الجماعي للسنة.
وتقدم الانتخابات الوطنية عام 2014 فرصة ممكنة للبداية من جديد نحو عملية إعادة بناء الوطن، ولكن استبدال المالكي لا يمكن أن يكون شرطاً مسبقاً نحو استراتيجية جديدة لإنقاذ العراق. فمن الممكن جداً أن يفوز رئيس الوزراء: فهو يمتلك العديد من المزايا تجعله يتصدر الانتخابات والتي من بينها سيطرته على معظم الوزارات الرئيسة وجهاز الأمن والمخابرات فضلاً عن المحاكم الفيدرالية. والشيء الأساس هو ضمان أن أي شخص يحكم العراق بعد انتخابات 2014 سيشعر بأقصى قدر من الضغط من المجتمع الدولي والفصائل العراقية للعودة إلى بناء وطن يتمتع بحرية واستقرار أكبر.
وإذا اختارت واشنطن مساندة دعاة اللامركزية العراقيين، فهي لن تكون وحدها. ولأسباب متنوعة خاصة بالفاعلين الذين يعملون في العراق هذه الأيام، فإن جميعهم تقريباً -- المعارضة والأتراك وحتى الإيرانيين -- سيرحبون بأية حكومة أقل إثارة للانقسام في بغداد. وبعبارة أخرى، إن الجهود المبذولة ستجد فرصة أكبر للنجاح.
كما أن تجربة بناء الرجل القوي الجديد في بغداد لم تسفر عن مزيد من الاستقرار للعراق. إن تخفيف الروابط التي توحد العراق أمر ينطوي على مخاطر جمة، بيد أن الإفراط في إحكامها ينطوي على مخاطر أكبر.