دور الكتل السياسية في استضعاف الحكومة وتأجيج الارهاب ....!
الثلاثاء 21 مايو / أيار 2013 - 21:29
أ. د. حسين حامد حسين
التصرف وفق المتوفر والممكن، يعتبر ، وكما هو معروف ، من بين أبسط المبادئ العامة لساسة العالم المتمدن، فهو المدخل للاضطلاع بشؤون حياة شعوبهم . وبمعنى اخر ، أن اتسام السياسي بالواقعية والتصرف الموضوعي والعادل عند تعامله مع معطيات حياة المجتمع ، هووحده النهج الصحيح والكفيل بتحقيق جدوى وجود البرلمان كهيئة تشريعية . أي أن المفترض من السياسي الوطني في أي مكان من العالم أن لا يمتلك ولا يحتاج وسيلة اخرى للمزايدة على حساب الواقع المعاش ، فقيامه بعمله وانجازه لما تتطلبه مسؤولياته تجاه شعبه ، هو الشفيع له في نجاحه فقط . ولكننا ، حينما نتمعن في واقعنا العراقي ، نجد أن ألامر لدينا معكوس تماما . فساسة الكتل السياسية في البرلمان بالاضافة الى أن معظمهم من الاميين ، فلهم فوق ذلك قلوب وضمائر جف ماء رحمتها ، تلك الرحمة التي يكرم بها البارئ تعالى عباده من خلال رقة العواطف والاعتبارات الانسانية ، فلا عجب ان نجدهم مجرمون غلاظ تجاه شعب لا ينقطع نزيفه.
فقد أثبت سلوك هؤلاء ان لا علاقة نبيلة تربطهم بشعبنا سوى مصالحهم الشخصية والفئوية . فالشعب بالنسبة لهذه الكتل المارقة هو جسر عبورهم نحو اهدافهم التي لم تكن يوما اكثر من السعي الحثيث لخلق الازمات وارتكاب المعاصي والرذائل . فكعبيد للاجنبي الماليئ جيوبهم بالسحت ، ما برحوا في محاولاتهم للاطاحة بالحكومة وزعزعة استقرار وامان شعبنا ومحاولات جرها الى معارك جانبية، هي سماتهم اللامباركة ، وكأن ما يتقاضاه الواحد منهم من رواتب ومخصصات ونثريات وحمايات ، والتي هي كافية لاشباع مئات العوائل من شعبنا الجائع المنكوب ، تبدوا من خلال جشعهم وكأنها لا تكفي لاطفاء شهوة الحرام فيهم . فضلا عن سعيهم الحثيث لقمع كل التوجهات الخيرة لإنجاح أي انجاز وطني لخدمة شعبنا . وما تأجيجهم للصراعات الطائفية ونشر الفساد والتهريج والمزايدات ، فهم الاكثرفنا في كل ذلك ، وأمضى قدرة على ترجمتها الى واقع ابتلى به شعبنا وللاسف.
هذه الكتل السياسية المأجورة ، وبأهداف معدة لهم من اجل حرف المسيرة الديمقراطية الجديدة عن طريقها الصحيح ، لا تزال لديهم الكثير من الاوراق الضاغطة للعبها وفرضها بسهولة لتأجيج الفوضى واستمرار الارهاب ، ذلك ، لان الخبيث والشرير اكثر من الخير والصلاح ، وبذلك وجدنا مجاميع من هؤلاء المنحرفون من بعض رؤساء الكتل البرلمانية ووزراء الحكومة ، يسارعون بالانظمام الى ساحة التظاهرات ودعم الارهاب ليقف مناطحا الحكومة ومستغلا مواقفها التي نجدها وللاسف هي الاخرى تتسم بسياستها ( اللينة والدبلوماسية) . هذه السياسة التي لم تنفع شعبنا يوما في حل مشكلة ما، ولم تستطع من وقف عواصف هذا الارهاب الدامي والمتفاقم منذ 2003، أو رد تحدياته. بل كانت النتيجة على العكس ، فما يحدث اليوم في الانبار من ارهاب وقتل جنودنا العزل ، يجعلنا لا نبارك هذه (الرعاية) الكريمة للارهاب من لدن حكومتنا الموقرة ...
فلقد دأبت حكومة المالكي وللاسف في تبني سياسة تفتقر الى ما لا يفهمه الارهاب من خلال تذرعها بمصطلحات مثل "توخي الحكمة" أو " التعلل بالصبر" أو " ألتعقل"أ و "تطبيق مبادئ الديمقراطية"...أو غير ذلك من المفاهيم التي كان ضررها على حياة وأمن واستقرار شعبنا ، دائما اكثر بكثيرمن نفعها ، وذلك بسبب سوء ادارة الازمات التي مرت وتمر على شعبنا وفي ظروف كثيرة مشابهة لما يجري الان . فالارهاب لا يفهم ولا يحترم لغة (الدبلوماسية) ، وان كانت الحكومة تتوخى من الاعلام العالمي التعامل معها من خلال "انطباعات حسنة وسمعة جيدة عن مسيرتها الديمقراطية" فحكومتنا ، وباعتقادنا مخطئة جدا. ذلك ان الاعلام العالمي يدرك اكثر من غيره ما يعانيه شعبنا وعلى مدى العشر سنوات الماضية من جحيم الارهاب . كما وأن هذا الاعلام نفسه وفي تلك البلدان ، يدرك بشكل اكبر مقدار معانات شعوبهم من الارهاب بين الحين والاخر، كما ويعي تأثير استمرار وتيرة اعلامه السلبي على الشعوب التي تجد نفسها تتلقى تدميرا نتيجة عدم عدالة ذلك الاعلام معها. وعلى كل حال، فلا نعتقد ان الحكومة التي تدافع عن شعبها ، يضيرها اعلام ما مهما كان مصدره. والاعلام البعثي خير دليل على عدم استطاعته على ان يرهب شعبنا بالقدر الذي يعانيه شعبنا عمليا من الارهاب نفسه؟ ثم هل أن "الدبلوماسية" في التعامل مع الارهاب ، انتجت قيما صحيحة في حماية الشعوب تحت ظروف الارهاب؟
أن المتمعن بما يجري اليوم في الانبار ، يجد أن التأخر في اصدار اوامر القائد العام للقوات المسلحة في الرد لابادة هذه المجاميع الارهابية ، هي في الحقيقة، من العوامل التي تساهم في تقديم خدمة كبرى للارهاب . لانها وبلاشك السبب في تحفيزهم وتماديهم في ازهاق الارواح البريئة من شعبنا ، وللاسف نجحت سياسة هذه الكتل في الاستفادة من التلكأ في الرد على تلك التحديات المشينة. كما وان المزيد من التعلل في التمسك بمبادئ الديمقراطية من قبل الحكومة ، له تأثيرات سلبية في تثبيط معنويات القوات المسلحة نفسها ، ويربك القرار السياسي من خلال اعطاء انطباعات خاطئة ، في أن تردد الحكومة في الرد وراءه أسباب ضعفها فقط . من جانب أخر، ان التأخر في اصدار اوامر الرد على هؤلاء الارهابيين ، سيمنحهم فرصة للهرب والاختفاء في عمق الصحراء او العودة الى الاراضي السورية بعد اتمام جرائمهم ضد شعبنا، والعودة ثانية وهكذا ، حينذاك ، لن تستطيع (مباديئ الديمقراطية ) ان تعيد شهداؤنا للحياة!!!
لقد كان للكتل السياسية في البرلمان ، والبعثية منها خاصة، ( القائمة العراقية ورئيسها ) مساهمات خسيسة في تفاقم الازمات ضد شعبنا ، فلطالما استغلت تلك الكتل تلكأ الحكومة في ردها الحاسم والصارم والفوري ضدها. فقد أعطت مواقفا عدوانية علنية في سعيها الحثيث لاسقاط أو سحب الثقة عن الحكومة المنتخبة ، بحيث كان كل تصريح ضد الحكومة ، ينتج بعد يوم او اثنين ، بتفجيرات اكبر تهزالوطن العراقي برمته . فتظاهرات الانبار واعتصاماتها والتحاق بعض البرلمانيين والوزراء أمثال رافع العيساوي واحمد المساري وغيرهم ، والتحديات الجبانة بقتل ابنائنا الجنود العزل وتصعيد الارهاب ضد شعبنا ، كل ذلك ، برهن على حقيقة أن الحكومة مقصرة في التعامل وما ينبغي من وجوب التعرض للارهاب وداعميه.
ويمكن تلخيص بعض أدوارتلك الكتل السياسية العميلة في استضعاف حكومة المالكي من خلال تصعيد الارهاب ضد شعبنا ،
واستغلال صمت الحكومة، ببعض النقاط ، من بينها مثلا:
لقد قوبلت عمليات الارهاب منذ البدايات بعد ان بدأت بعد بضعة اشهر من سقوط النظام البعثي ، بخطط كانت لها اخطاء ستراتيجية فاضحة تخص الحسابات التقيمية والاعداد لمواجهة ألعدو المتحالف من منظمات القاعدة والبعث والسلفيين والمدعومين من قبل انظمة السعودية وقطر والاردن واليمن وغيرها والتي حثت علمائها الدينيين بتكفير الطائفة الشيعية ، ولكن مما زادة الطين بلة ، أن عمدت القوات الامريكية الى فتح المنافذ الحدودية على مصارعها لدخول الارهابيين في استراتيجة غريبة بهدف تجميع تلك المجاميع الارهابية على امل القدرة على محاصرتها في داخل العراق (العراق) والقضاء عليها مرة واحدة. ولكن ، تلك الستراتيجية العسكرية ، لم تأخذ بنظر الاعتبار أن ما سيحصل من مجازرستكون ساحة معركته هو عمق شعبنا . وهي تدرك أيضا ان قواتنا الامنية لم تكن لها جاهزية امام موجات الارهاب تلك. والاغرب من ذلك ، ان القوات الامريكية حينما أقدمت على ذلك الخطأ الستراتيجي الشنيع ، كانت تدرك أيضا انها لم تكن تقاتل جيوشا نظامية بل مجموعات ارهابية تدربت على حروب العصابات، ولان خطط الحروب النظامية لاتفيد كثيرا في هذه المعارك !!!.
فكان نتيجة ذلك ، ان الحكومة انذاك ارتكبت اخطاء هامة . فقد خضعت تماما لاعلام تلك الانظمة الداعمة للارهاب وللفضائيات البعثية، التي كانت تندد بالوجود الامريكي في العراق وتصف وجوده كنوع من (عار) على الحكومة وشعبنا، وقد نجحت تلك الخطط الاعلامية بشكل كبير في دعم وتبرير استمرار الارهاب ، بالاضافة الى مزايدات الكتل السياسية وما كانت تبثه من سموم يتعلق بذلك الوجود للقوات الامريكية والذي وللاسف لم تستغله الحكومة المنتخبة الاستغلال الناجع ضد الارهاب . فالقوات الحكومية السورية في حربها ضد الارهاب اليوم ، تستفيد كثيرا من تلقي مثل ذلك الدعم العسكري من قبل ايران وحزب الله وحتى من ميليشيات التيار الصدري . ولكن المشكلة ، أن الحكومة حينذاك ، لم تكن تسير بارادتها ، وما يمكن ان يوفر لشعبنا حماية اضافية لحين استتباب الامور، ثم الطلب من تلك القوات الرحيل وكما حصل . لكن ، حكومة المالكي خضعت للضغوط التي مارستها عليها الكتل البعثية في البرلمان وبشكل مكثف ، مع ان هذه الكتل لا تمتلك ثقة شعبنا بها . وبذلك وجدنا ان الحكومة قد أضاعت (المشيتين) . فهي من جانب حينما فضلت الرضوخ الى ما اثير حول مسألة الجانب الوطني لحماية نفسها من اعلام خارجي ضدها، فأنها لم تكسب أي فائدة من اجل شعبنا. كذلك ، فان اعلام الكتل السياسية المغرض والغادر في البرلمان ، لم يكف وينتهي من عمالته بعد حصوله على مراده من رحيل القوات الامريكية ، ليصبح وطنيا مثلا بعد ذلك ، ولا حتى أقل شرا مما كان ضد شعبنا والحكومة!!! وكان حريا بالحكومة أنذاك ، ان تقوم بما ينبغي عليها في فضح اسماء البرلمانيين الضالعين في الارهاب ، وخصوصا ان قضية جرائم الارهابي طارق الشركسي وحمايته كانت قاب قوسين من تلك الاحداث.
كذلك كان الحال مع المواقف القذرة لتلك الكتل السياسية نفسها في تباكيها على الارهابيين في السجون ، والحاحها المقرف من اجل اطلاق سراحهم وعدم تنفيذ احكام الاعدام بمجرمين اعترفوا هم انفسهم بجرائمهم .فكانت تلك الكتل في دفاعها عن المجرمين ، انما تحث الارهاب على تكثيف التفجيرات وتوسيع رقعته لذبح شعبنا ، وكانت استجابة بعض القيادات الكردية سببا فاضحا في دعم الارهاب أيضا من خلال عدم الموافقة على التوقيع على الاعدامات.
في الختام ، لا نعتقد ان هناك من كان يتصور أو يتوقع أن حربا مستعرة مع الارهاب ومنذ عشر سنوات ، من السهولة القضاء عليها أو ترويض اكثر من مليوني فردا من منتسبي البعث بعد انهيار نظامهم الفاشي، أو تخليهم عن استخدام حرب الارهاب كوسيلة لاسقاط النظام الجديد لاستعادة النظام البعثي . وأمام هذا الواقع ، نجد عواملا كبرى قد اضافة مساحات اكبر لتحركات الارهاب وتكثيف وسائله التدميرية ، من بينها مثلا ، تساهل الحكومة مع المندسين في مظاهرات الانباروالتي شجعت هؤلاء المندسين من حرية التحرك والسيطرة على قيادة التظاهرات. فبقدر ما برهنت الحكومة على تحقيق معانات شعبنا المتأخرة بعد عشرة سنوات ، نجد ان الحكومة نفسها تتساهل مع مصادر الارهاب ومن يمثل تهديدا مباشرا على حياة شعبنا ، من خلال التحلي بالصبر وغير ذلك من امور تصبح في خدمة الارهاب . فالسيد المالكي باعتقادنا يحتاج الى اعادة النظر في مستشاريه والعسكريين منهم خاصة بما يتعلق بخطط مواجهة الارهاب ؟
كما وأن على السيد المالكي عدم الابقاء على قيادات عسكرية و أمنية ميدانية فشلت في كشف الارهاب أو صد ه. وعليه ايضا كشف اعضاء الكتل السياسية في البرلمان ممن تضطلع بالارهاب ضد شعبنا و من يمارس اللصوصية وخرق القوانين ومن يقوم بالتحشيد الطائفي من بعثيين في مواقع المسؤولية في الحكومة والبرلمان على حساب وحدة شعبنا . فمشكلتنا الكبرى اليوم اننا لا نجد أن من بين الارهابين والمجرمين من يخاف الحكومة.
أ . د . حسين حامد