الشر في خدمة الدين، والدين في خدمة الشر
    الأحد 11 يناير / كانون الثاني 2015 - 03:20
    د. عبد الخالق حسين
    كاتب ومحلل سياسي عراقي مغترب
    هناك شبه إجماع لدى الفلاسفة وعلماء الاجتماع، أنه لولا الخوف من المرض والكوارث الطبيعية والموت، لما وجدت الأديان، ولولا الموت لما آمن الإنسان بالله، فالإنسان يبحث عن الخلود، إذ كما جاء في ملحمة كلكامش، لما فشل الإنسان في تحقيق الخلود في الحياة الدنيا تصورها في الآخرة أي بعد الموت. لذلك قال فولتير: (لو لم يكن الله موجوداً لاخترعناه"، وذلك لحاجة الإنسان النفسية إلى الله والدين. وإذا ذكر في الكتب الدينية المقدسة أن الله خلق الإنسان على صورته، فيقول الفلاسفة الملحدون أن الإنسان هو الذي خلق الله على صورته، ويضربون مثلاً، أن المسيحيين السود في أفريقيا رسموا عيسى المسيح بصورة رجل أسود، وفي الصين بصورة رجل صيني، وفي أوربا بصورة رجل أبيض، وهكذا...

    والملاحظ أيضاً أن الدين ينتعش في أي مجتمع يعم فيه الشر بأنواع من المصائب والبلاء، ويتراجع في فترات يعم فيها الخير مثل الرخاء والأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي والتعليم والتثقيف..الخ. 
    فقبل إنفراد الشرير صدام حسين بالسلطة وجلبه البلاء على العراق باضطهاده للشعب وحروبه العبثية، كان الدين في انحسار وتراجع، وكان أغلب الناس متسامحين يبحثون عن الإمتاع والمؤانسة وغير متدينين، ولكن ما أن بدأت مصائب حكم البعث الصدامي تنزل على العراقيين بسبب الاضطهاد، والحروب الداخلية والخارجية، وفرض الحصار الأممي كعقوبة لاحتلاله للكويت، بدأت النزعة الدينية في تصاعد عند الناس، بل وحتى صدام حسين نفسه، الذي كان ضد الدين ويضطهد رجال الدين، أعلن الحملة الإيمانية لما تأكد أن الأمريكان عازمون على إسقاطه، فلجأ إلى الدين وكتب القرآن بدمه، واختزل الاسلام بفرض الحجاب وغلق الملاهي ومحلات بيع الخمور، وإطلاق سراح السجناء لأسباب جنائية إذا ما حفظوا القرآن عن ظهر القلب، وتطبيق العقوبات وفق الشريعة الإسلامية مثل قطع اليد وجدع الأنوف وفقء العيون و صمل الآذان ...الخ. وكذلك تصاعدت الموجات الدينية في البلاد العربية والإسلامية بسبب مظالم حكوماتها المستبدة، وتفشي الفقر والجريمة، ومعها تصاعدت الحركات السياسية الإسلاموية.
    وقد وردني سؤال من صديق أكاديمي متميز: كيف يمكن بناء الانسان العراقي؟
    كان جوابي له: تحسين ظروفه المعيشية، فالإنسان ابن بيئته كما قال ابن خلدون وغيره من علماء الاجتماع. فأغلب الإسلاميين الشيعة اليوم هم أبناء وأحفاد اليساريين، ولكن بعد أن حلت بهم الكوارث في عهد حكم البعث الصدامي، وعم بهم البلاء بمختلف أشكاله، وفقدوا الأمل في الخلاص بقواهم المادية البشرية، لجأوا إلى القوى الغيبية وإلى الله والدين لحل مشاكلهم وتخفيف آلامهم. والآن هم مهددون بحرب الإبادة (جينوسايد) من قبل الإرهاب السني الوهابي الداعشي المدعوم من السعودية وقطر، لا لشيء إلا لأنهم شيعة، لذلك لا يرون الخلاص إلا بالخندق الديني الطائفي. أما التعليم الصحيح فرغم أهميته، إلا إنه لا يكفي لوحده ما لم يقارن بإصلاح البيئة المعيشة وتوفير الأمن والاستقرار، وأن يكون الحكام مثالاً لهم في السلوك والنزاهة والإخلاص والأخلاق والتضحية والوطنية.

    الدين أفيون الشعوب!
    دائماً يعيد الناس من أتباع الدين وحتى من خصومه، مقولة كارل ماركس (الدين أفيون الشعوب) للطعن بماركس والشيوعية، أو لتأكيد صحة المقولة إذا كان من خصوم الدين. في الحقيقة هذه العبارة لم يقلها ماركس للإساءة إلى الدين بل قالها ضمن فقرة طويلة لتبريره للدين كبلسم لجراحات البؤساء والمعذبين في الأرض. ولكن أعداء ماركس والشيوعية استلوا هذه العبارة (الدين أفيون الشعوب) من فقرة طويلة على طريقة قراءة الآية (ويل للمصلين) مبتورة دون أن يكملها (الذين هم عن صلاتهم ساهون). فما قاله ماركس هو كالتالي:
    " الدين هو تأوهات المخلوق المضطهد وسعادته المتخيلة لرسم القلب في عالم بلا قلب، وروح في أوضاع بلا روح. انه أفيون الشعب... ونقد الدين هو نقد هذا الوادي من الدموع المليئة بالزهور الخيالية، والذي يمثل الدين الهالة الضوئية التي تحيط به. ونقد الدين يقتطف هذه الورود الخيالية التي يراها المضطهد في السلسال أو الجنزير الذي يكبله، ولكن لا يفعل النقد ذلك ليحرم الرجل المضطهد من سعادته برؤية الزهور الخيالية، وإنما يفعل ذلك ليمكّن الإنسان من التخلص من السلسال الذي يكبله حتى يستطيع الحركة بحرية ليقتطف الزهور الحقيقية..."

    ففي الوقت الذي يتخذ خصوم ماركس والماركسية هذه المقولة كدليل على عداء ماركس للدين، بينما يقول الفيلسوف الإنكليزي، كرستوفر هتشنز (Christopher Eric Hitchens) في كتابه (God Is Not Great)، وبعد أن يستشهد بها كاملة، ليقول أن هذه المقولة دليل على دعم ماركس للدين وحاجة الإنسان له.
    كما ويقول المفكر المصري فؤاد زكريا في كتابه (الصحوة الإسلامية في ميزان العقل)، بأن ماركس لم يقل هذه العبارة في سياق التحامل على الأديان أو التشنيع بها، بل في سياق يُعدُّ فيه الدين تعويضاً للإنسان عما فقده في العالم الفعلي المحيط به، وتخفيفاً لما يعانيه من بؤس. وأن الدين في هذا هو عزاء لإنسان مطحون. في حين اعتبر التيار الإسلامي أن عبارة " أفيون الشعوب" تعني أن الأديان تخدِّر أتباعها بالأمل في الآخرة، فلا يطالبون بالإنصاف ولا بالنعيم في هذه الدنيا". 

    وتأكيداً لما ذهب إليه ماركس وتوضيح زكريا عن حاجة الإنسان للدين وخاصة في الأوقات العصيبة، أقتبس فقرة من مقال الأديبة المميزة، رشا إرنست، في الحوار المتمدن، بعنوان: (إعاقات متنوعة) يوم 18/12/2006 بدأته بالفقرة التالية: "منذ أكثر من ست سنوات تعرضت لحادث قطار نتج عنه جلوسي على كرسي متحرك مدى الحياة. و يومها لم اشعر بأسى أو حزن ولو لحظة واحدة لما حدث لي، و رغم أن كل آلامي وطموحاتي تبدلت على الفور إلا أن ثقتي بوجود الله معي في كل لحظة، فهو لم يُعطيني الفرصة للبكاء على الأطلال. و دائماً كان السلام والأمل يملأ قلبي الصغير واستطعتُ أن احلم من جديد و رغم انه حتى الآن معظم أحلامي لا استطيع أن أحققها - ذلك ليس لضعفي- إلا إنني مازلت قادرة على أن احلم."(1)
    فهل هناك مسكن للأوجاع أقوى من هذا الإيمان بالدين وبالله؟

    والدين أيضاً في خدمة الشر
    لو قرأنا التاريخ لوجدنا أن معظم الحروب بين البشر كانت لأسباب دينية وخاصة الأديان السماوية (الإبراهيمية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام)، لأن أتباع كل ديانة من هذه الديانات يعتبرون دينهم هو دين الحق والخير المطلق، ولا مجال للشك فيه، وأن أتباع الديانات والمذاهب الأخرى هم على باطل وشر مطلق، ولا يستحقون الحياة، وقتلهم واجب ديني! ولديهم النصوص من كتبهم المقدسة تؤكد و تبرر لهم ذلك. وما الإرهاب الإسلامي المؤدلج بالعقيدة الوهابية المتطرفة إلا دليل على صحة ما نقول. فمعظم الإرهابيين كانوا قبل تعرضهم لغسيل الدماغ بالتطرف الديني كانوا أناساً أخيار يسعون لحياة هانئة كبقية البشر المسالمين. ولكن ما أن تعرضوا للفايروس الوهابي الإرهابي وبدعم من السعودية، حتى وتحولوا إلى أشرار. وأحسن مثال للتوضيح هو ما حصل في جريمة باريس يوم الخميس (7/1/2015) في عملية إرهابية شنيعة على مقر صحيفة "شارلي ابدو" الساخرة، التي قتل فيها 10 صحفيين وشرطيين، وجرح 11 آخرين من قبل الأخوين، جزائريين الأصل "شريف وسعيد كواشي"، إذ نقلت الأنباء عن الجيران قولهم عن أحدهما  أنه كان مسالماً ولطيفاً مع الجميع قبل أن يتعرض لعملية غسيل الدماغ وأنهم استغربوا من قيامه بهذه الجريمة الشنعاء. لا شك أنه الدين الذي حولهما والآلاف غيرهما إلى إرهابيين. وفي هذا الخصوص، يقول ستفين وينبرغ، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء: "الناس الأخيار يفعلون الخير، والأشرار يفعلون الشر. ولكن أن يفعل الأخيار بعمل الشر، يحتاجون إلى مبرر ديني." فالدين يمكن أن يحول الأخيار إلى أشرار.
     والجدير بالذكر أن الإرهابيين لا يعتمدون فقط على ما يتسببون من أضرار مباشرة بإرهابهم، بل على ردود الأفعال، وهي سلسلة التفاعلات التدميرية التي تلي العمل اٌرهابي وتحرق الأخضر بسعر اليابس. فعلى أثر الهجوم على مقر صحيفة "شارلي إبدو"، " أفادت تقارير بتعرض بعض المواقع الإسلامية لاعتداءات في مناطق عدة بفرنسا، فقد وقع إطلاق نار أثناء أداء الصلاة في إقليم اود جنوبي البلاد" (موقع بي بي سي). وبالتأكيد ستكون هناك ردود أفعال من قبل اليمين الأوربي المتطرف ضد الجاليات العربية والإسلامية في أوربا والعالم.
    ولكن المشكلة أن المسلمين الذين يعتبرون أنفسهم معتدلين، بدلاً من أن يبذلوا جهودهم للإصلاح الديني، فإنهم يبحثون عن مبررات غير صحيحة لتبرير هذه الجرائم. لقد حان الأوان أكثر من أي وقت سبق، ليقوم رجال الدين والحكومات العربية والإسلامية ووسائل الإعلام والتعليم، بشن حملة واسعة للإصلاح الديني، وملاحقة التنظيمات الإرهابية، ومحاسبة الحكومات والجهات التي تدعمها وتمولها وتنشر التطرف الديني في العالم، مثل السعودية وقطر و أثرياء البترودولار، المتخفين وراء واجهات جمعيات خيرية مزيفة.
    فنحن أمام حلقة مفرغة: الشر في خدم الدين والدين في خدمة الشر، ولا بد من عمل شيء من قبل الأخيار  لوقف هذه الكارثة، وسحب البساط من تحت أقدام الإرهابيين ومن يغسل أدمغتهم ويحولهم لإلى قنابل بشرية موقوته، ويدعمهم من الحكومات والمنظمات والأفراد.
    9/1/2015
    abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
    http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
    ـــــــــــــــــــــــــــ
    رابط مصدر:
    1- رشا أرنست : إعاقات متنوعة
    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=83721
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit