شهداؤنا يصفحون
    الأثنين 6 أبريل / نيسان 2015 - 09:22
    علي شايع
    ثمة مشاهد تراها العين، فتتراجع أمامها الكلمات؛ عميقاً.. لأقصى غاية الراسخ في إنسانيته، ووحدانية وجوده، ككائن، يرى، ويسمع، ويتحسّس ألم الإنسان..أيّا كان، وأين وجد..
    قبل يومين تناقلت وسائل إعلام عالمية صورة لصخرة أسماها صحفي غربي "المذبح" لأنها تحمل ذكرى استشهاد 1700 شاب أسرتهم عصابات "داعش" الإرهابية، واقتادتهم إلى أحد قصور الطاغية المدان، المطلة على نهر دجلة، مكان ارتكاب المجزرة، من قبل مجموعة تناوبت على قتلهم بالتتابع، وبمنظر مروع ومفزع.
    صخرة "المذبح" صادف نشر صورتها يوم "الجمعة العظيمة"/ يوم صلب السيد المسيح على صخرة أخرى، في ربى القدس بمكان يدعى "الجلجلة" مع مذنبين؛ واحداً عن يمينه وآخر عن يساره.
    عبر الهاتف وفي لحظات حزن موجعه شاركني صديق (هولندي) يحفظ من شعر جبران خليل جبران الكثير، وينشد مع فيروز، رغم صعوبة فهمه اللغة :"اليوم علق على خشبة، الذي علّقَ الأرض على المياه..إكليل من شوك وضع على هامة ملك الملائكة.. برفيراً كاذباً تسربل ..الذي وشح السماء بالغيوم."
     سوياً بحثنا عن معنى "برفيراً كاذباً تسربل"..فكانت حكاية مؤلمة، يوم سخر الجنود الرومان من "ملك الملائكة" قبل صلبه، حيث ألبسوه بسخرية عنيفة رداءً أرجوانياً يرمز إلى رداء ملوك ذلك الزمان.
    وكان ملكاً بحق، بقوة العفو، وهو ينادي أن اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
    انتصر المسيح بالعفو، وعن إمام أحبه يدعى (أنيس النفوس) أخذت قوله:" ما التقت فئتان قط إلا نصر أعظمهما عفواً."
    جمعة صخرتنا العظيمة الحزينة على ضفاف دجلة، جمعة نصر أيضاً، رغم أنها أحصت ملايين الحسرات والألم، لمئات أمهات بقين يتابعن (مكرهات) مشهد الفيديو الإجرامي للجناة وهو يعدمون شخصاً بعد آخر، وكأن كلّ أم تبحث في المشهد الغائم بالدم والرصاص، عن ابنها.
     كأن (الجلجلة) أخذت معنا الجلجلة (الهدير والعصف)، وكأنها صار "جمجمة" بالفعل كما اسمها الروماني القديم، وكأن سؤال الدم المسفوح، في النهر، يقول: أين انحدرت دجلة بتلك الدماء، وأي الأرض سقت وروت، والى أي أماكن يحبها الشهداء حملت نبضهم؟.. وأي النخل صعّد في أنساغها الدم والطين؟.
    في سبعينيات القرن الماضي، سكنت بغداد طفلاً، وأذكر نخلة بيت بالقرب منها صنبور مياه يستخدم خصيصاً للري دون تصفية، يضخ مباشرة للكثير من أحياء المدينة قصد سقي الحدائق. تساءلت: ترى عمّرت تلك النخلة من السنين، عطشاً، عتياً لتشهد دماً لشهيد الدار في نسغها؟. هل ستفارق الأم منامها لتهز إليها بجذع النخلة، فيساقط تمراً، أم يساقط عفواً جنياً؟. قلت: وهل يصفح إلا الشهداء؟.
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media