ما بعد سجالات التغيير الجوهري
    الأربعاء 24 فبراير / شباط 2016 - 07:20
    عبد الحليم الرهيمي
    إعلامي ومحلل سياسي
    منذ ان اطلق رئيس مجلس الوزراء السيد حيدر العبادي دعوته، او قراره، لإجراء «تغيير وزاري جوهري» والسجالات تتسع وتشتد بين القوى والكتل السياسية، سواء فيما بينها، او بينها وبين العبادي صاحب دعوة التغيير، هذا فضلاً عن دور الاعلام سواء في المساهمة بتلك السجالات او في نقلها الى الرأي العام. وقد تمثلت هذه السجالات بثنائية لا تخلو من الطرافة، حول مفاهيم وآليات وشكل التغيير. ومن هذه الثنائية، هل التغيير جوهري ام شامل؟، وهل سيكون هذا التغيير الوزاري جزئيا ام لكامل الكابينة الوزارية؟، وهل سيكون الوزراء تكنوقراط مهنيين فحسب ام سيكونون سياسيين ايضاً؟، هل سيختار العبادي ولجنته الوزارية الوزراء الجدد، ام سيتم ذلك بالتنسيق والتفاهم مع لجنة برلمانية يشكلها البرلمان؟، وهل سيتجاوز التغيير عرف المحاصصة الحزبية والسياسية، ام سيراوح مكانه بصيغة المعروفة ام بابتداع صيغ لفظية تبقى على المضمون وتجري تعديلاً في الشكل والصياغة ليس غير؟.. والى ما هنالك من ثنائيات وأفكار واقتراحات عبرت عنها تلك السجالات.
    وفي خضم هذه السجالات التي لم تنته، استضاف البرلمان رئيس الوزراء ليشرح لأعضائه، وللرأي العام، ما الذي يعنيه بالتغيير الجوهري – وهنا وافق العبادي الرأي بتطوير هذا المفهوم بمفهوم التغيير الشامل – وما الذي يطلبه من البرلمان، وكذلك ما يريده البرلمان منه... والى غير ذلك من افكار ومقترحات، حيث حدد العبادي في كلمته أمام البرلمان واجاباته على اسئلة اعضائه، بأنه يطلب من البرلمان (منحه تفويضاً عاماً لتشكيل حكومة المهنية والاختصاص بعيداً عن الفئوية والحزبية) ثم دعا الكتل النيابية الى (التنازل عن استحقاقها الانتخابي وحكومة النقاط من اجل المصلحة العليا للبلد). وفي نهاية استضافة السيد العبادي لم يتبين بشكل واضح بعد فيما اذا منحه البرلمان تفويضاً عاماً جديداً ام رفض هذا الطلب، حيث اختلفت الآراء حول ذلك بين النفي وبين القول ان ذلك التفويض قد منح للعبادي لكن شفوياً!.
    والسؤال المهم هو: ماذا بعد هذه السجالات والحوارات والحراك السياسي الواسع للكتل البرلمانية وعموم القوى والشخصيات السياسية المعنية؟، هل سيتفق او يتوافق الجميع، او الاكثرية، على صيغة محددة ومتطورة فعلاً ليس فقط للتغيير الوزاري، انما ايضاً للتغيير في العملية السياسية واصلاحها؟.
    لا شك ان الصراع بين من يريد الاصلاح والتغيير الجوهري الشامل، اي وفق دعوة ومقترحات العبادي، وبين من يريد تجويف وعرقلة الدعوة للتغيير، بالاعلان عن موافقته على هذا التغيير، لكن مع وضع الاشتراطات التعجيزية، اي بوضع العصي سلفاً في عجلة التغيير المطلوبة. وبالطبع، ان فترة الشهر التي اتفقت الكتل البرلمانية على منحها للعبادي كي يقدم تشكيلته الوزارية ستكون صعبة ومعقدة وقد تطول اكثر من ذلك. ولأن العبادي قد سمع وتابع كل او معظم السجالات التي جرت حول التغيير، فلا بد انه قد ادرك واستوعب توجهاتها الرئيسية، وخاصة التوجه الاكثر وضوحاً والقائل بأن لا تغيير ولا اصلاح حقيقي اذا لم يتجاوز المحاصصة الحزبية والسياسية، ولم يتجاوز الشروط التعجيزية لبعض الكتل التي تريد ان تبقى الاوضاع كما هي عليه دون تغيير حقيقي.
    لذلك، فإن السيد العبادي حدد بدقة وامام البرلمان، بأن التغيير يجب ان يستند الى المهنية والاختصاص لكن يجب ان يتجاوز وينبذ الفئوية والحزبية، ودعا الكتل الى (التنازل عن استحقاقها الانتخابي وحكومة النقاط).
    ان تمسك رئيس مجلس الوزراء برؤيته الصائبة هذه للتغيير والاصلاح ستفتح الطريق – اذا ما تحققت – امام اجراء التغيير الجوهري والشامل في العملية السياسية ومفاصل الدولة ومؤسساتها التي ترهلت وعجزت عن اداء مهامها بالشكل المطلوب، فإن تمكن العبادي من تحقيق ذلك فسيسجل له كنجاح يحظى بتأييد شعبي واسع، وإن لم يستطع ذلك بفعل العرقلات الشديدة فسيحسب عليه، وبالتالي ستبدد رياح العرقلات الصفراء رياح التغيير التي تساهم في انقاذ العراق مما هو فيه.

    "الصباح"
    © 2005 - 2024 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media