تفعيل الديمقراطية لمعالجة أزمات الرأسمالية
    الأثنين 12 سبتمبر / أيلول 2016 - 04:59
    عرض: أ. د. مصدق الحبيب
    هذا هو الكتاب الثامن في سلسلة الكتب المترجمة ضمن نشاط ما بعد التقاعد الأكاديمي للصديق الدكتور محمد چياد الازرقي الأستاذ المتمرس في اللغة والادب في كلية ماونت هوليوك في ماسچوستس.  الكتاب من تأليف الزميل الدكتور ريچرد وولف أستاذ الاقتصاد المتمرس في جامعة ماسچوستس – آمهرست في الولايات المتحدة الامريكية. الطبعة الإنكليزية للكتاب نشرت من قبل Haymarket Books في نيويورك ، والطبعة العربية من منشورات الدار العربية للعلوم في بيروت. 
    [[article_title_text]]
    في هذا الكتاب يعمد المؤلف على اتباع المنهج الماركسي في تحليل أزمات النظام الرأسمالي المتوارثة والمزمنة، ويكشف عجز هذا النظام في استثمار الديمقراطية الحقة وفشله في وقف الانتكاسات المتكررة ويعري معالجاته غير الفعالة وغير العادلة والمتسمة بالقسوة وعدم الاكتراث بالتبعات السلبية لتلك الازمات الدورية. فمن وجهة نظر المؤلف، لم يعد النظام الرأسمالي العالمي، خاصة في كنف المجتمعات الديمقراطية، قادرا على تلبية احتياجات غالبية المواطنين. كما لم تنجح النظم البديلة في بقاع أخرى من هذا العالم كأنظمة رأسمالية الدولة واشتراكية الدولة والشيوعية في تقديم البديل الأفضل للنظام الرأسمالي، الامر الذي جعل من الطبيعي ان يرغب الناس في حلول جديدة للازمات الاقتصادية ويأملون بعلاجات فعالة لانحسار العدالة الاجتماعية وانتشار الفساد والاخفاقات الاقتصادية والمشاكل الاجتماعية الأخرى. ومن هنا يطرح المؤلف وجهة نظره العلاجية والتي يصفها بانها مجرد صيغة جديدة ومعاصرة لفكرة قديمة لم تستثمر كاملا من قبل. 
    تتمحور فكرة العلاج الأساسية حول موضوعة إدارة الإنتاج الذاتية من قبل العمال او ما يطرحه المؤلف كمفهوم الـ  WSDE  اختصارًا لـ Workers’ Self-Directed Enterprise  باعتباره البديل الأفضل لتنظيم عملية الإنتاج. ويراهن المؤلف على ان هذا البديل ليس فقط هو الأفضل من الرأسمالية انما أفضل أيضا من بدائلها المجربة في بلدان أخرى.   يؤكد المؤلف بان اعدادا متزايدة من سكان البلدان المحكومة بالنظام الرأسمالي يدركون عقم النظام ويبحثون باستمرار عن أي حلول ناجعة قد تخرجهم من شرك المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يلدها النظام. وهنا يقدم المؤلف رؤيته في العناصر الأساسية التي ينبغي ان يشتمل عليها النظام الذي تتطلبه المعالجة المقترحة، وهي:
    1)نظام قادر على إنهاء الازمات الرأسمالية الدورية المزمنة 
    2)نظام مؤمن بعدالة توزيع الثروة ومتمكن من تحقيقها
    3)نظام يعتمد الديمقراطية في اعادة صياغة السلطة وتوزيعها
    أما صلب المعالجة فيتلخص بما يلي:
    -استرجاع فائض القيمة الذي يستولي عليه غير المنتجين في النظام الرأسمالي واعادته الى من ينتجه، الامر الذي سينهي الرأسمالية كنظام للإنتاج في المدى الابعد، تماما مثلما انتهت الأنظمة الإنتاجية السابقة كالعبودية والاقطاع. يتم ذلك اذا ما تم تطبيق النظام التعاوني الذي يتولى فيه المنتجون انفسهم اتخاذ القرارات الأساسية في الإنتاج والإدارة والتوزيع بدلا من مجالس الإدارة الحالية المتكونة من حفنة من أصحاب الأسهم الكبيرة ومن يختارونهم. وهكذا فستختفي تدريجيا الشركات الكبيرة والاحتكارية لأنها ستتحول الى مؤسسات تعاونية تدار من قبل منتسبيها.

    -تأمين حصول شراكة تعاونية ديمقراطية، ليس فقط في المؤسسات الإنتاجية، انما بين  المؤسسات نفسها، وبينها وبين المجتمع التي تتواجد فيه. هذا ما سيؤدي الى تضامن الناس مع المؤسسات والمساهمة في قراراتها ويؤول بالتالي الى التحام الناس مع الشركات ويسهل خدمة الشركات للمجتمع الذي من حولها. فعلى سبيل المثال، من القرارات التي ينبغي ان تكون مشتركة تلك القرارات المتعلقة بالملكيات الفردية والجمعية والعامة، القرارات المتعلقة بدمج الأسواق واستحداث وسائل أخرى للتوزيع، وكذلك القرارات المتعلقة بجمع وجهات نظر ممثلي العمل وممثلي السكان الذي يحيط بمؤسسات العمل.
    ولا شك فان الاعتماد على هذا النوع من المعالجة سيختلف تماما عن المعالجات التي انتهجتها الأنظمة البديلة للرأسمالية والتي خاضت تجارب تأميم وسائل الإنتاج وفرض التخطيط المركزي والتي اثبتت التجربة بانها لم تتمكن من انهاء الاستغلال بل نقلته من ايادي الرأسماليين الى ايادي موظفي الدولة وكوادر الأحزاب السياسية. أما دور الدولة في هذه المعالجة الجديدة فسينحصر في القيام بالخدمات العامة التي ستمول من حصة خاصة تحصل عليها الدولة من فائض انتاج المؤسسات التعاونية، وبموجب ما يراه الماركسيون سيؤدي ذلك بالتدريج الى اضمحلال دور الدولة ويأتي في آخر المطاف على انهاء دورها الذي تضطلع به اليوم.
    يبين المؤلف انه من اجل ان تصبح مثل هذه المعالجات حقيقة واقعة لابد ان تجد لها تفهما ودعما واسعين من قبل المجتمع، الامر الذي يتطلب برنامجا من حملات التوعية بهذا الاتجاه تتلخص بحملات عديدة ومتواصلة كتلك التي تطبق مفهوم الإدارة الذاتية من قبل العمال لحل مشكلة البطالة في مكان ما والتي قد تساهم الدولة في النظام الحالي في دعمها وتمويلها. وكذلك حملات موازية للتعريف بالمنافع الاقتصادية والاجتماعية للنظام الجديد وإعطاء الفرصة الحقيقية للناس في ان يختاروا طواعية بين سبل الإنتاج الرأسمالية الحاضرة وسبل الإنتاج البديلة بموجب هذه المعالجة خاصة في مجالات الشركات الصغيرة وتلك التي تملكها الأقليات، وقد تساهم الدولة في دعم تلك الخيارات بالمساعدات والحوافز والمعرفة التقنية. كما لابد من القيام بحملات من اجل توافق مكانات مؤسسات العمل التعاونية مع مكانات سكن منتسبيها لكي يتم تسهيل توافق ديمقراطية الإنتاج مع ديمقراطية المجتمع.
    يضم الكتاب مقدمتين، مقدمة المؤلف التي يعرض فيها موضوعه باختصار وبالطريقة المألوفة التي درج على اتباعها المؤلفون، ومقدمة المترجم الطويلة التي احتلت ستين صفحة وجاءت بشكل لم يدرج على اتباعه المترجمون العرب. لقد وجد المترجم نفسه مهتما ومعنيا بتقديم دراسة موسعة للقارئ العربي لا تشير فقط الى أهمية الكتاب على المستويين النظري والعملي، انما تضع الموضوع والمؤلف في سياق مفهوم الديمقراطية من زاوية نظر السياسة الخارجية الامريكية وما نتجت عنه هذه السياسة من عواقب وخيمة في المنطقة العربية عبر عقود طويلة وصولا الى نكبات الاحتلال والربيع العربي والحروب الاهلية.  
    يعالج برفسور وولف موضوعه عبر ثلاثة أبواب مقسمة الى أحد عشر فصلا وخاتمة. يأتي الباب الأول تحت عنوان "الرأسمالية في ورطة عميقة" وهو مقسم الى ثلاثة فصول. يناقش الفصل الأول طبيعة الرأسمالية وأزماتها التقليدية مركزا على الفترة 1940- 1979 حيث نشوء ونمو وتضاؤل دولة الضمان الاجتماعي. كما يناقش الفصل حالة الرأسمالية عمليا بين الأعوام 1970 12007 وتأثيرها على عامة المواطنين وأولئك الذين يحتلون قمة الهرم الاجتماعي، ويوضح طبيعة اللوم ومن يتحمله. يتابع الفصل الثاني ردود فعل الحكومة ويشرح برنامج الإنقاذ  Bailout والعجز في الميزانية المركزية والديون السيادية ودور المؤسسات والسياسات المالية. ويستمر الفصل الثالث بتبيان الازمات الرأسمالية في النظم الرأسمالية التقليدية واختلافها عن الازمات في نظم رأسمالية الدولة.
    يأتي الباب الثاني من الكتاب على شكل سؤال: مالذي يجب عمله ؟ فيما تتم الإجابة على السؤال في فصلين. يتناول الفصل الرابع المشاكل الرئيسية للرأسماليات الخاصة عبر توزيع الفائض فيما يختص الفصل الخامس بشرح ما ينبغي عمله تحت أنظمة رأسمالية الدولة والاشتراكية.  الباب الثالث والأخير يمثل صلب الموضوع ، الامر الذي جعل المؤلف ان يخصص له اكثر من نصف الكتاب او الفصول الستة الأخيرة والخاتمة. يبين المؤلف بالتفصيل العلاج المتمثل بمنهج قيادة العمال الذاتية لمؤسساتهم الإنتاجية. يبدأ الفصل السادس بتوضيح طبيعة وهوية وخصائص هذا العلاج. ويتناول الفصل السابع شرح الكيفية التي تعمل بها المؤسسات عندما تدار وتنظم من قبل منتسبيها. يعرج الفصل الثامن على موضوعات الملكية والسوق والتخطيط والكفاءة، فيما يبين الفصل التاسع علاقة الديمقراطية الاقتصادية بالديمقراطية السياسية. يقوم الفصل العاشر بشرح الكيفية التي يتم فيها ضمان نجاح مبدأ الإدارة الذاتية وتعايش المؤسسات المنضوية تحت ظل هذه الطريقة مع ما لايزال حاضرا وفعالا من مؤسسات رأسمالية تقليدية ومؤسسات حكومية. أما الفصل الأخير فهو مكرس لشرح نظم وبرامج دعم هذا العلاج والعمل من اجل زيادة تطبيقه والاستفادة العملية منه. من هذه البرامج يخص المؤلف البرامج الفيدرالية والحركات التعاونية واتحادات العمال والمفكرين المتنورين والأحزاب السياسية المستقلة النظيفة.
    في ختام هذا العرض لابد من القول ان المؤلف الزميل الدكتور ريچرد وولف نجح في تقديم هذا العمل الذي لا يكتفي فيه بنقد النظام الرأسمالي فحسب كما فعل آلاف المؤلفين اليساريين والتقدميين والمستقلين في الولايات المتحدة وبقية البلدان، انما نجح نجاحا باهرا في تقديم البديل العملي الممكن تحقيقه. ولابد هنا أيضا من الإشادة بجهود الصديق الدكتور محمد الازرقي لتشخيصه الصائب للكتب ذات الأهمية الكبيرة في رفع وعي وثقافة القارئ العربي ولسعيه الحثيث من اجل انجاز الترجمة السليمة السلسة لهذه المواضيع الحيوية.
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit