تداعيات سلبية لاقرار قانون العشائر
    الأثنين 9 يناير / كانون الثاني 2017 - 19:05
    د. أكبر عمر الجباري
    أستاذ جامعي
      كان أمل الشعب العراقي  بعد سقوط نظام الدكتاتوري في نيسان 2003  أن يحل النظام الديمقراطي  بحيث يتنفسوا نفس الحرية سعداء، وكانوا يتطلعون الى العراق الديمقراطي ودولة المواطنة الحقيقية لكل مكونات الشعب العراقي بدون تميز بعد زوال الحكم الشمولي والعشائري الذي دام ما يقارب 40 سنة، ومع كل التضحيات التي قدمها الشعب العراقي من أجل بناء ديمقراطية ودولة المدنية يسود فيها القانون بعيدأ عن الحكم الطبقي والعشائري والقبلي.
      تمتثل معظم الدول العربية ودول أفريقية الناطقة بالعربية ولغات اخرى لقانونين رئيسيين وهما القانون الوضعي لادارة الدولة والقانون العشائري الذي تراه يطغى على الأول في بعض الدول ومحدد في مجتمعات أخرى"  يعتبر قانون العشائر أو كما يعرف بـ (السنينة) أو ا"لاعراف القبلية أو أي مسمى آخر، وموضوع  مقالتي هو قانون العشائر العراقي الذي وصل حد الالزام مؤخراً بسبب ما يراه البعض ضعفاً في القانون الوضعي، وقناعة الفرد العراقي بان قانون العشائر هو القادر على اخذ حقه من غرمائه وهذا ما يعجز عنه قانون الدولة .
     ويعد الفراغ الأمني الذي حصل عقب الغزو الأميركي عام 2003 سبباً لتنامي نفوذ العشائر، وقد يصل الأمر إلى قمع حرية التعبير بتهديد الصحفيين وكل من يتجرأ على فتح أي ملف أو انتقاد أي جهة"، حيث  أن المحاكم العشائرية في العراق واحدة من مظاهر ما بعد الاحتلال الأميركي للبلاد، في العام 2003، فالقانون العراقي السابق، والذي حمل الرقم 34 لسنة 1981، كان ينصّ على إنزال عقوبة لا تقلّ عن 20 عاماً سجناً، لكل من احتكم خارج منظومة القضاء الرسمية في البلاد، وحيث كانت العقوبة تطال طرفي النزاع والقاضي في المحاكمة العشائرية، وهو ما أدى إلى إضعاف النظام العشائري والديني في العراق، في مقابل تعزيز قوة القضاء الرسمي في البلاد.
       والآن اختلفت الحالة اليوم كلياً، في البلاد التي تفقد كل يوم جانباً من جوانب الحياة الصحيحة منذ العام 2003 حتى الآن، رغم التخلص الشعب العراقي من سطوة  النظام الشمولي. واعتبر أن القضاء في موقف لا يحسد عليه، وأن الكثيرين لا يستطيعون الذهاب إلى القضاء لأن سطوة العشيرة باتت أكبر"خاصة بعد عمليات القتل والتهديد التي طالت العديد من القضاة".
    وعلما أنّ "المواطن البسيط الذي لا يستطيع أن يلجأ للقضاء للحصول على حقه المسلوب، لم يجد سوى العشيرة التي تستطيع أن تطالب بحقه وتستعيده حسب ما تراه صحيحاً، وإن كان خارجاً عن التشريعات والقوانين، الأمر الذي فعّل تلقائياً السلطة العشائرية، والتي لا تعترف أصلاً بالقانون"، حيث أن  محل استغرب لجوء أعضاء البرلمان للقبيلة دون القضاء، مع أنهم يمثلون أعلى سلطة تشريعية في البلاد، ودورهم يقوم على دعم المؤسسة الحكومية وليس إضعافها، كما رأى أن القضاء يعاني من عدم ثقة المواطن بأدائه.
     ان المادة الدستورية في تفسيرها لم تنص على تشريع قانون عشائري لأنه يتعارض مع أحكام الدستور الذي يشير الى قيام دولة مدنية الأمر الذي يتطلب تفسيراً حول هل إن العودة الى قرار سنه النظام السابق بالاعتماد على قانون ملغي منذ خمسينيات القرن الماضي  يساهم في تطوير المجتمع لاسيما ان من يسعى لإقراره سياسيون حاربوا وأجرموا النظام السابق وخاصة ان الظرف العراقي يشهد من الناحية المجتمعية تسلط القرار العشائري في العديد من القضايا ذات طابع الثأر الشخصي، وعلى الصعيد العملي ليست ثمة حاجة إلى إصدار هكذا قانون، وتسارع من أجله أعضاء مجلس النواب العراقي بقراءته لغرض تشريعه.
    مع الأسف على مجلس النواب بدلآً من تقديم مسودة هذا القانون، يفترض عليهم  القيام  بتقديم قوانين كانت لها أهمية وضرورة أكثر، تلك القوانين التي تتعلق بمجالات تنموية، واقتصادية وتربوية وصحية، لإصلاح ما يمكن إصلاحه من مشكلات وأزمات ينوء البلد تحت وطأتها، ما تجعله على حافة الانهيار التام.
     من المعروف إن مجلس النواب العراقي  سيكون إحدى مهماته، كما ذكرت في القانون "إشاعة ثقافة بناء الدولة وفق الدستور”  وهي تبدو مهمة متخيلة، بل منافية لمبدأ الدولة والمواطنة، كون العشيرة هي من تساهم في إشاعة التثقيف للدولة وليس مؤسسات الأخيرة وقوانينها المدنية، الأحزاب السياسية سيطرت على كافة مفاصل المؤسسة العراقية،  وأصبحت اليوم فوق سلطة القانون، وبحماية كبار مسؤولي الدولة، لأنّهم شركاء لهم في جرائمهم وفسادهم".
     إن تكريس العرف القبلي والعشائري، الذي يختص حصرا بتقاليد سائدة في القرية والريف، بوصفه قانونا مدنيا، يستدعي مخاوف مشروعة، لما ستؤول إليه تلك الخيارات المجتمعية والسياسية، التي تفترضها شخصيات أو منظمات مجتمع مدني، طامحة إلى استعادة حقوق الدولة والمواطنة في صفاتها المتحضرة، أو في مناهضتها لسطوة الأحزاب السياسية الطائفية، سواء عبر حراك اجتماعي أو مطالبات تشريعية، والتي لابد من أنها ستواجه بتبريرات رافضة عديدة، سيكون أحدها، مخالفة العرف العشائري.
      حيث أن المخاوف والشكوك التي تتعلق بجعل قانون العشائر بديلا عن القانون العام، وفي الكثير من مفاصل الشأن العراقي، سواء ما يتعلق منها، بجوانب الأحوال المدنية، أو المعاملات وحقوق الإفراد، الحريات العامة، وحرية التعبير وغيرها. وأشارة الى أنّ "هذه التوجهات الحكومية بنت مجتمعاً عشائرياً، وجعلت من سلطة العشائر تتحكّم بسلطة القانون، بحيث إنّ الديّة العشائرية (الفصل العشائري) في قضايا القتل، والتي يعقبها تنازل من قبل أصحاب الحق الشرعي من ذوي المجني عليه عن القاتل، تُسجّل بمحضر عشائري". وتابع "بعدها يتمّ تحويل نتيجة الحكم العشائري إلى القضاء، الذي يعتمدها وعلى أثرها يُطلق سراح المجرم بناءً على المحضر العشائري، ويتم تجاوز كل المواد القانونية.
    لا بد من الإشارة الى  أن إقرار قانون العشائر له تداعيات سلبية وكما يلي:
    أولاً. إقرار مثل هذا القانون، من قبل مجلس النواب، هو بمثابة إعادة إنتاج لسيطرة أحزاب الإسلام السياسي الحاكمة، على مقدرات ومستقبل بلد ومجتمع، جعلت منهما أن يكونا مرتهنين للمجهول والمآخذ على هكذا قوانين ان يتم العمل على تشريعها او إقرارها بالاتفاق مع رؤساء بعض الكتل ووجوه اخرى دون دراسة وافية أو الأخذ بوجهة نظر الأطراف المختصة وكذلك عدم عمل استبيانات شعبية وبالنتيجة فأن  النواب التابعين لتك الكتل مطالبون بالتصويت عليها في قاعة البرلمان.
    ثانياً. اعتماد واضعوا وصائغوا  قانون  العشائر باستخدام طريقة ملتبسة وملتوية  لإسناد وشرعنة القانون لفقرة دستورية هي المادة (45) من أحكام الفقرة (ثانياً والتي تنص على أن "تنهض الدولة بالقبائل والعشائر العراقية)، وتهتم بشؤونها بما ينسجم مع الدين والقانون، وتعزز قيمها الإنسانية النبيلة، بما يساهم في تطوير المجتمع، وتمنع الأعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الإنسان".
    ثالثا. إقرار مثل هذا القانون يشكل عبئا مالياً يرهق كاهل الدولة وهي تمر بأزمة مالية وترهل حكومي ووظيفي ويضعها أمام واقع اقتصادي صعب، بسبب سوء الأوضاع السياسية والخلافات بين الكتل السياسية ، لأنه يشير القانون العشائري في إحدى فقراته الى تأسيس مجلس قبائل وعشائر العراق (يتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري وله مجالس محلية في جميع مراكز المحافظات).
    ربعاً.ان العشائر لا تحتاج الى قوانين كونها تعتمد في قوانينها على "السنينة" وهي أحكام وقرارات تستنبط من تقاليد العرف السائد في المناطق التي تقطنها العشائر، والقانون عادة يهذب هذا العرف لصالح قوة الدولة التي تنعكس إيجاباً في ترسيخ قوة المواطنة.
     أعتقد لا يوجد مسوغ او ظرف يدفع البلاد الى تشريع قانون قبلي سوى انه خطوة وضعت عن دراية  لفتح مزيد من الفجوات وشرعنة خطوات مستقبلية  تؤدي الى عرقلة مفاصل الدولة لتبقى بيد  ثلة تحاول تفعيل مشروع يقضي بتغليب الهويات المذهبية والعرقية  والمناطقية لتطغى على الهوية الوطنية وتفتيتها ويمكن اعتبار قانون العشائر هو الخطوة الأولى والخفية لهذا المشروع.
     وقد يبادر في أذهان كثيرين السؤال  في ما يخص المواطن اذا سن هذا القانون لمن يلجأ ؟؟ ..اذا حكمت المحكمة بقرار هل سينقضه شيخ العشيرة؟؟ وهل سيعامل كمواطن أعتيادي أم يجنح تحت سلطة عشيرته!.
    وختاماً أدعو أعضاء البرلمان الذين مما يدافعون عن حقوق هذا الشعب المسكين والذين ابتلوا بمصائب جمة أن لم ولن  يصوتوا على هذا القانون !! ومع الأسف  بعض من النواب مستعلجين على إقرار هذا القانون.

    الدكتــــــــور
    أكبر عمر الجبـاري
    أستاذ جامعي
     09.01.2017
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit