التغيرات الدولية وفعالية اليسار الاشتراكي
    الأربعاء 11 يناير / كانون الثاني 2017 - 06:31
    د. لطفي حاتم
    أستاذ جامعي
    تنامي فعالية قوى اليسار الاشتراكي في الظروف التاريخية المعاصرة تتمتع بأهمية سياسية واجتماعية كبرى وذلك بسبب حزمة المتغيرات  الفكرية ـ السياسية ـ الاقتصادية التي عصفت (بعالمنا المعاصر) وما افرزته من تناقضات بين الدول الرأسمالية  وانعكاسها  ـ التناقضات ـ على الدول الوطنية وما نتج عنها من احتجاجات شعبية وحروب اهلية ناهيك عن نمو وتطور النزعة الإرهابية .
    ان التغيرات  الكبرى في العلاقات الدولية والبنى الوطنية تتطلب من قوى اليسار الاشتراكي  تفكيرا استراتيجيا تتشابك فيه المهام الوطنية والمصالح الدولية بعيداً عن البرامج المثالية التي لا تتجاوب والتغيرات التاريخية الكبرى .


    استنادا الى تلك التغيرات  لابد لنا من فحص السمات التاريخية لعالمنا المعاصر عبر دالات محددة ـ

    الدالة الاولى ـ بسبب عالمية علاقات الانتاج الرأسمالية لم تعد قضية الانتقال من شكل انتاج رأسمالي الى نموذج اشتراكي هدفا آنياً للممارسة السياسية بل اصبح الانتقال الى دولة النموذج الاشتراكي هدفا استراتيجيا تتحكم في انتاجه طائفة من التحولات الاقتصادية والسياسية التي يشترطها تشابك مصالح التكتلات الاقتصادية وميولها الاندماجية وما يفرزه ذلك من أشكال سياسية ـ تنظيمية على مستوى العلاقات الدولية .
    الدالة الثانية ـ التغيرات الدولية الناتجة عن وحدانية العالم الرأسمالي تشترط تبني مفهوم الشرعية الديمقراطية للحكم بما يتضمنه ذلك المفهوم من ــ منافسة انتخابية سلمية ، تداول لسلطة البلاد السياسية فصل السلطات ــ .
    الدالة الثالثة ــ يقود مفهوم الشرعية الديمقراطية وتحكمه في بناء النظم السياسية للدول الى  اعتماد أساليب سياسية شعبية قادرة على استلام السلطة عبر المنافسة الانتخابية  فضلا عن امكانية تغيير نهج القوى الحاكمة المناهضة لمصالح البلاد الوطنية .
    الدالة الرابعة ـ التغيرات الدولية والوطنية التي افرزتها التدخلات الخارجية والحروب الاهلية  أدت الى اختزال الدولة الوطنية الى سلطة سياسية  وما أنتجه ذلك الاختزال من امكانية العودة الى النظم البوليسية فضلا عن مخاطر تفكك الدول الوطنية وإلحاق اجزاءها الغنية بالشركات الدولية المتعدية الجنسية .   
    الدالة الخامسة ــ انحسار البناء الطبقي للتشكيلات الاجتماعية الوطنية افضى الى سيادة البرجوازية البيروقراطية وشرائح الكمبورادورية الجديدة المتسمة بتبعيتها وترابطها مع الشركات الاحتكارية ، وما نتج عن ذلك من تخلي تلك الطبقات والشرائح عن مصالح بلادها الوطنية .
     الدالة السادسة ـ سيادة الفكر السياسي الليبرالي وشعاراته المضللة حول الديمقراطية وحقوق الانسان فضلا عن  مناهضته لوظائف الدولة الاقتصادية / الخدمية اديا الى تفتيت البنية الطبقية الوطنية ودفع وعيها السياسي الى خانات طائفية ـ عرقية الأمر الذي أدى الى نشوء كتل سكانية مذهبية منعزلة تشدها المواريث التاريخية والضوابط الطائفية.
    الدالة السابعة ــ بسبب تخريب بعض التشكيلات الاجتماعية العربية وتجريف أبنيتها الطبقية تراجعت قاعدة اليسار الاشتراكي الشعبية وما نتج عن ذلك من هلامية المهام البرنامجية المناهضة لقوى التبعية والتهميش.
     
    استنادا الى تلك اللوحة المتخمة بكثرة من المتغيرات الفكرية ـ السياسية ـ الاقتصادية تواجه قوى اليسار الاشتراكي أسئلة كبرى منها هل يستطيع اليسار الاشتراكي بناء منظومة فكرية مناهضة لنهج الليبرالية والتبعية والفساد ؟. ومنها هل تجبر التغيرات الكبرى قوى اليسار الاشتراكي على بناء   قاعدة شعبية قادرة على مناهضة قوى التبعية والفساد والتهميش .؟ وأخرها هل تستطيع قوى اليسار الاشتراكي قيادة الحركة الاجتماعية الوطنية الناهضة التي تشترطها المنافسة الرأسمالية وتناقضات السياسية الدولية  ؟ .

    2
    اعتمادا على تلك التساؤلات المثيرة للسجال الفكري ــ السياسي اتوقف عند سمات الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية  معتبراً إياها نموذجاً دوليا للتخريب الرأسمالي المنفلت فضلا عن كونها نموذجا مستقبلياً لبناء دولة العراق الديمقراطية في حال نجاح قوى اليسار الاشتراكي في توجيه كفاح الحركة الشعبية الديمقراطية نحو التغيير السياسي الرافض لسلطة المساومة الطائفية .

    ان تطوير فعالية  قوى اليسار الاشتراكي تستمد مشروعيتها من التغيرات الاخيرة في العراق وما حملته من تبلور حركة شعبية مناهضة للفساد والسلطة الطائفية ناهيك عن رفضها لنتائج سياسة الاحتلال الامريكي وتأثيراتها على  الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية والتي يمكن تحديدها بالموضوعات الاتية ـ
    ــ بسبب تشابك مصالح الكتل السياسية الحاكمة مع المصالح الدولية والإقليمية تتواصل الاختراقات الخارجية لاستقلال وسيادة القرار الوطني العراقي .
    ـ  افضت السياسة الاقتصادية الليبرالية الى  تحجيم وظائف الدولة الاقتصادية ـ الخدمية وما نتج عنها من بيع ونهب قطاع الدولة الاقتصادي ، ناهيك عن مخاطر الحاق قطاع النفط بالشركات الاحتكارية.
    ـ انقسام التشكيلة الاجتماعية العراقية الى طوائف وتجمعات أثنية متنازعة أدى الى نشوء وتنامي فصائل مسلحة خاضعة لسلطة الاحزاب السياسية .
    ــ لجوء القوى السلفية والتكفيرية الى الارهاب الشامل فضلا عن سيادة النزعة العنفية في الحياة السياسية.
     ــ بسبب تخريب البنية الاقتصادية الطبقية للدولة العراقية تضررت مصالح طبقات وشرائح  اجتماعية كثيرة  فضلا عن نشوء طبقات وشرائح اجتماعية جديدة  تتطور استناداً الى النهب الاقتصادي والفساد بحماية حزبية داخلية .

    استنادا الى الظواهر المشار اليها يمكننا التأكيد على ان نهوض الحركة الشعبية الرافضة لنتائج الاحتلال الامريكي وتخريبه الرأسمالي  يترابط وإمكانية تنامي فعالية قوى اليسار الاشتراكي.

    لغرض تزكية الموضوعة المشار اليها لابد من ترصينها وفق المعطيات التالية ـ

    المعطى الاول ـ بسبب هامشية الكثير من  المكونات الطبقية لتشكيلة العراق الاجتماعية تضطر قوى اليسار الاشتراكي الى تبني مصالح الشرائح والطبقات الاجتماعية المتضررة من سلطة المساومة الطائفية والفساد والتهميش وما يتطلبه ذلك من بناء تحالفات شعبية على اسس وطنية ديمقراطية لا تحدها ضفاف طبقية . 

    المعطى الثاني ــ مشاركة قوى اليسار الاشتراكي في قيادة الحركة الاجتماعية المناهضة للنهب والتهميش يشكل عتبة اساسية لبناء وحدة التيار الوطني الديمقراطي الهادف الى بناء دولة المواطنة والمساواة الوطنية . بكلام آخر تستطيع قوى اليسار الاشتراكي بناء مرجعية وطنية ديمقراطية متجاوزة  للهوية الفرعية.

    المعطى الثالث ـ بناء مرجعية وطنية ديمقراطية يشترط إعادة بناء أممية  اليسار الاشتراكي المرتكزة على تمثيله لمكونات العراق العرقية والدينية .
    المعطى الرابع ـ تمسك قوى اليسار الاشتراكي بشكل الدولة الفدرالي يتطلب إثراء مضمون حق تقرير المصير بما يتجاوب ووحدة الدول السياسية حيث اثبت الطور الجديد من التوسع الرأسمالي ان بناء دول مستقلة جديدة تتجاوب وميول التبعية والتهميش استنادا لطبية قواها  الطبقية الحاكمة المتخطية لمصالح شعوبها الوطنية .
    المعطى الخامس ـ التركيز على البناء الفدرالي لشكل الدولة العراقية يترابط وديمقراطية نظامها السياسي الهادف الى تطوير التنمية الاقتصادية وصيانة  مصالح البلاد الوطنية.

    إن مشاركة قوى اليسار الديمقراطي في قيادة وتوجيه الحركات الاجتماعية الاحتجاجية الناهضة تفترض اجراء تغيرات اضافية  تتجاوب والطبيعة التاريخية الملموسة لواقعنا المعاصر منها ـ  تفعيل  الحوار الفكري والثقافي الهادف الى توصيف السمات الاساسية  للطور الجديد من التوسع الرأسمالي وأثره على مسار تطور الدول الوطنية وحركتها اليسارية الديمقراطية . ومنها نقد مضامين الليبرالية الجديدة باعتبارها نظرية الرأسمال المعولم من خلال تعرية دوائرها السياسية والاقتصادية والعسكرية وما يتطلبه ذلك من صياغة موضوعات فكرية مناهضة لنهجها ـ الليبرالية ـ التخريبي. ومنها تحديد أشكال جديدة من  التحالفات بين قوى اليسار الاشتراكي والتيارات الديمقراطية والدينية تنطلق من أمكانية تبني مصالح القوى الاجتماعية المتضررة من  نهج سلطة المساومة الطائفية  .

    ختاما يمكن القول ان التخريب الرأسمال للدول الوطنية وما ينتجه من الإفقار والتهميش  تشكل عوامل اساسية لنهوض قوى اليسار الاشتراكي وما يعنيه ذلك من امكانية تزعمه للحركة الشعبية التي ارهقتها نهوج الارهاب والتخريب والمساومة الطائفية . 
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit