حزب الطناطل
    الأربعاء 11 يناير / كانون الثاني 2017 - 21:51
    علاء الخطيب
    كاتب وإعلامي
    في غابر ايام المعارضة حين بات التغيير بعيدُ المنال ، استسلم البعض  لليأس واستبد بهم النوى ،  وراح الإفلاس  ينخر أرواحهم وهم يتنقلون من بلدٍ الى بلد ،  فلم تعد من وسيلةٍ للتغيير. قرروا حينذاك  ان يؤسسوا حزبا ًً  تكون السياسة فيه ترفا فكريا ً او حديثاً للتسلية  والثرثرة في مقاهي طهران ودمشق ولندن، وخُصصت فترة الليل له. وأطلقوا عليه اسم حزب الطناطل .
    وكان الحزب يعتمد في  حديثه  السياسي وأدبياتهالتنظيمية  على استذكار الماضي وندب حظوظ الأعضاء  وسب وشتم الحكومة ، و تتخلل  سهرات الشتيمة  شرب القهوة والشاي وتدخين السكائر الرديئة  والاركيلة مع وجبات  طعام بائسة  وأماني بالتغيير ولبس الحرير.
    وكلما طالت فترة بقاء الحكومة ازدادت اعداد الطناطل و توسعت حفلات السبُاب والشتائم.
    وكان الطناطل يعلمون ان الشتيمة اخر الكلام في مقارعة النظام وهي حيلة منْ لا حيلة له ، لكنهم اقتنعوا بالمثل القائل.         ( التبربش ولا العمى )   حتى قيض الله لهم  الرئيس بوش  الذي أعاد إنتاجهم فسكنوا القصور وتعتطروا بالبخور بعد ان كانوا أرضا بور  ، وتحول الطناطل والسعلوات الى اصحاب المعالي والسعادة ،  واستسلموا مناصب القيادة ، وظننت ان حزب الطناطل  قد انتهى الى الأبد  اذ انه كان مرحليا ً وولد للضرورة  كون أعضائه  كانوا يعيشون خارج بلدهم ولم يستطيعوا التغيير ، فاكتشفت بعد حين ان الطناطل ليسوا أشخاص بل ثقافةُ  هزيمة لها ادبياتها وشعاراتها  ومنظروها ،حين لا يستطيع البعض ان يغير نفسه  أو يؤثر في مجتمعه يلجأ للشتيمة وتأسيس حزبا ً للطناطل  وينتظر ( غودو ) او بوش جديد  ليغير له الوضع ،وهذا تماماً ما يحصل في وطننا ، مجاميع أتقنت الثرثرة والكلام المنمق وعجزت عن الفعل ، وهي تبحث عن جنازة لتشبع فيها لطماً .
    والأدهى من كل هذا  ان الطناطل الجدد ابتكروا ابطالا ً  دونكيشوتيه، يتحدثون عن صولاتهم وجولاتهم ، دون ان يفكروا ان السيوف التي بأيديهم من خشب لا تصمد امام سلاح خصومهم، وان الزمن قد تغير ولكل زمن أدواته الخاصة وسلاحه الذي يحقق النصر.
    لقد فشل الأولون لانهم لم يقدروا حجم المسؤولية التي حملوها ولم يتصورا ان بناء الدولة يحتاج الى العقلانية والواقعية والتخلي عن الشعارات وإعداد الخطط وتسخير كل الإمكانات للنهوض بالمجتمع ، وان التغيير مرحلة من مراحل البناء ، فما بعدها اصعب بكثير ، واذا كانوا ايام المعارضة يقودون مجتمعا متجانس طائفيا واثنياً فالأمر سيكون مختلف تماماً بعد ذلك.    
    فقد وقع الطناطل الجدد بنفس الخطأ الذي وقع به أسلافهم  وهو عدم سلوكهم الطريق المنطقي للتغيير ، وعدم استعدادهم له ، فلو سلمنا ان. بوش جديد قد جاء ليحقق أحلامهم فهل هم مستعدون، وهل هيأوا كوادرهم ونظموا صفوفهم، وأعدوا الكفاءات لإدارة الدولة ونقل المجتمع من حالة البؤس التي ينتقدوها  الى حالة الرخاء والحرية ، هل طرحوا برنامج عمل بديل لإقناع الشارع ام انهم اكتفوا بإقناع اتباعهم المتجانسين فقط .
    فالتغيير ليس شعارات وتظاهرات وبيانات إدانة ، بل هو خطة عمل متكاملة ومشروع واضح الملامح والمعالم، له منظروه وأبطاله وقواعده الشعبية يتقاسمون الأدوار ضمن خطة عمل مدروسة، سيما والجميع مقتنع بان طريق التغيير يمر بالبرلمان .
      فـالطناطل لا مكان لهم في عالم التغيير .     

    ملاحظة : الطنطل كائن أسطوري سومري يخوِّفون به الأطفال ، لذا كانت الأمهات يقلن لأطفالهن ( نام اجاك الطنطل)  لانه لا يهش ولا ينش.

    علاء الخطيب / كاتب واعلامي
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit