ما الذي تخططه تركيا للأقاليم الكردية؟
    الخميس 12 أكتوبر / تشرين الأول 2017 - 04:59
    زكي شيرخان
    كاتب ومحلل سياسي
    منذ بداية النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي شهدت تركيا صراعاً دموياً مسلحاً بين حزب العمال الكردستاني (تأسس في نهاية 1978) والجيش التركي.  ولأن الكلف كانت باهظة، ولأن الحكومة، حتى بعد إعلانها حالة الطوارئ عام 1987، لم تستطع القضاء على الحزب، لا بل لم تستطع الحد من هجماته على المباني الحكومية والمؤسسات العامة إلى جانب الأهداف العسكرية.  هذا الوضع دفع بعض الشخصيات التركية وضع رؤية لحل المشكلة.  من بين أبرز من شارك في رسم الحل الصحافي أوغور ممجو، والناشطة في مجال حقوق المرأة بحرية أوجوك والقائد العام لقوات الدرك أشرف بتليس، ورجل المخابرات الأقوى في تلك الفترة حيرام عباس.  عام 1991، تبنى الرئيس تورغوت أوزال الفكرة بمعونة عدنان قهوجي وهو وزير سابق وأحد مؤسسي حزب الرئيس (حزب الوطن الأم) حيث بدأت مفاوضات مع حزب العمال الكردستاني لمنح الكرد بعضاً مما كانوا يطالبون به.

    ولأن الأمر لم يرق للأحزاب القومية، ولا لقادة الجيش فقد تحركت قوى الدولة العميقة.  فما بين شهر كانون الثاني/يناير وشهر نيسان/ابريل 1993 تم اغتيال أوغور ممجو بتفجير سيارته، عدنان قهوجي في حادث سيارة، أشرف بتليس بحادث سقوط طائرة، وتوركوت أوزال بالسم.  وانتهى الأمر بعودة الاقتتال حتى العام 2013 حيث طلب عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني وهو في السجن من أعضاء الحزب التوقف عن القتال.  مرة أخرى لم يستطع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من إكمال حل المشكلة لاعتراض الجيش والأحزاب القومية.

    فشل محاولة الانقلاب في تموز/يوليو 2016 مكّن الرئيس أردوغان من تصفية مراكز القوى المناوئة له، أو المعترضة على توجهاته السياسية، سواء أكانت في الجيش أو الدوائر الحساسة مما عزز من مكانته، خاصة بعد نجاحه في تغير نظام الحكم إلى رئاسي.

    وضعُ أردوغان الحالي لم يؤهله فقط تبني ما أعتمده الرئيس تورغوت أوزال لحل مشكلة كُرد تركيا، بل الذهاب أبعد من ذلك.

    لمّحت وسائل إعلام مقربة من الحزب الحاكم إلى ما تتداوله أوساط تركية، من أن في جعبة أردوغان خطة تقضي بمنح إقليم كردستان تركيا حكما ذاتياً، تكون عاصمته مدينة ديار بكر، وله مجلس نواب بصلاحيات محددة.  بالطبع لن يكون لحزب العمال الكردستاني أي دور، إنما سيتم الاعتماد على النواب الكُرد في البرلمان التركي (يبلغ عددهم 84 عضواً) وأغلبهم مؤيدون لحزب العدالة والتنمية، وعدد لا بأس به منهم أعضاء في هذا الحزب.  الخطة تقضي، أيضا، بأن يتم مساعدة كُرد سوريا على نيلهم حكما ذاتيا.  هذه ستكون الخطوة الأولى، أما الثانية فستكون إعلان برلمانات هذه الأقاليم الكردية (الشمالية التركية، والجنوبية العراقية، والغربية السورية) كونفدرالية فيما بينها.  السقف الزمني لهذه الكونفدرالية سيمتد لعام 2022، وبعدها يطلب البرلمان الكونفدرالي الانضمام لتركيا.

    هذه الخطة ستنال رضى الأحزاب القومية التركية والجيش على حد سواء طالما وأن حزب العمال الكردستاني المصنّف كمنظمة إرهابية في تركيا وبلدان أخرى على رأسها الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، والاتحاد الأوربي، لن يكون له دور.  وطالما سيستعيد التُرك حتى ولو كان جزءا من "ولاية الموصل" التي ما زالوا يعتبرونها جزءاً من أراضيهم، وستضم أجزاء من شمال سوريا الطامعين فيه.

    هذه الخطة توائم اتجاهات بعض الأطراف في دائرة صنع القرار الأميركي في تقسيم العراق، والذي كان أبرز الدعاة إليه جو بايدن نائب الرئيس باراك أوباما، ولكن ليس هناك ما يشير إلى ضوء أخضر من واشنطن.

    يرى أحد المهتمين بالشأن التركي أن إحدى العقبات أمام تركيا ستكون موقف كُرد سوريا الرافضين لهذه الخطوة، لأنهم على إطلاع تام بالمخطط.  هم لا يريدون الانسلاخ عن سوريا.  طموحهم إدارة شؤون مناطقهم ضمن النظام السياسي في دمشق.  وهذا يفسّر رفض الكُرد كل محاولات التحريض والاغراءات لمحاربة الجيش السوري والتي قام بها وقدّمها رئيس الوزراء التركي السابق احمد داود أوغلو.  وعلى ما يبدو أن القيادات الكُردية السورية، بخلاف القيادات الكُردية العراقية، لا تثق لا بالتُرك ولا بوعودهم.  دمشق، بدورها، تبدو أكثر استعدادا في الوقت الحالي على إيجاد صيغة ترضي كُردها حتى لو تطلب الأمر منحهم حكما ذاتياً، وهذا سيعزز موقفهم في رفض المخطط التركي.

    المخطط التركي لا يهدف إلى قيام دولة كُردية، وجاء الاستفتاء الذي أجراه كُرد العراق بمثابة عائق لم يكن في الحسبان.  لذا كان رد الفعل التركي اللفظي، لحد الآن، حاداً، وتكررت التهديدات على لسان كبار المسؤولين.

    ما إمكانية تركيا على تنفيذ مخططها؟ الأمر برمته لا يتعلق بما يعتمد عليه أردوغان من قوة فقط، ولا على مدى إصراره.  فالقوى الإقليمية والدولية سيكون لها رأي، لا بل خطوات تُتخذ لإفشاله إذا ما تعارض الأمر مع مصالحها.  فالرئيس التركي، وإن بدا غالبا عنيفا في ردود أفعاله (اللفظية)، ودائما ما يعتمد سياسة التصعيد في أزمات بلاده مع الآخرين، ولكنه سرعان ما يخضع للواقعية إذا ما كان الطرف الآخر قويا.  هذا ما حصل في أزمته مع إسرائيل في حادثة السفينة مرمرة، وهذا ما حصل في أزمة إسقاط الطائرة الروسية.  بالمقابل أصر على إبقاء قواته في "بعشيقة" لأن العراق أضعف من أن يتخذ إجراءً عمليا، ودخول قواته إلى سوريا لم يكن ليحدث لولا انشغال الجيش السوري بالحرب على جبهات عديدة.

    الفوضى التي تمر به المنطقة لا يمكن إلا ان تفرز مثل هذه الخطط.
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit