الماضوية والمستقبلية!!
    الأحد 12 نوفمبر / تشرين الثاني 2017 - 06:15
    د. صادق السامرائي
    من العلامات الفارقة التي تميز التأخر عن التقدم هي آليات التفكير التي تتحكم بالرؤى والتصورات السائدة في المجتمع , ففي العالم المتأخر تهيمن آليات التفكير الماضوية العقيمة , وفي العالم المتقدم تتفاعل آليات التفكير المستقبلية الواعدة المتجددة المنطلقة نحو آفاق متواكبة.
    وهذا الفارق جوهري وأساسي ويحدد مسارات الحركة ويتحكم بمصير الأجيال , ويرسم خارطة سلوكها وما يتحقق في مواطنها.
    فالعالم المتأخر محكوم بما مضى , ويستهلك قدراته وطاقاته في نبش الأجداث وإستحضار إرادة الغابرات , ومحاولة إدارة عجلة الزمن إلى الوراء ,  وإلغاء معطياتها والثبات على بقعة ما في زمن ماعاد موجودا أو متوافقا مع المتجسد في الدنيا الحية الصاخبة المزدحمة بالمعطيات.
    وهذه الآلية تتحكم بمعظم النشاطات والتواصلات القائمة في المجتمع المتأخر , وتدفع به إلى المهاوي الطاحنات القاضيات بالحطام والركام , فالفكر ماضوي , والأقلام تكتب بمداد السوالف والغابرات , وأنظمة الحكم كأنها تتكلم بلسان المومياءات القابعة في المغارات العتيقة.
    وعندما يطغى السلوك الماضوي على الحياة فأنها تتعوق وتتعطل وتفقد إحساسها بالزمن , وتتحجر في مواضع متعفنة وذات إنتاجيات ضارة ومدمرة لمفردات الوجود البشري القائم.
    وقد أكد القرن الحادي والعشرون منذ بدايته وحتى الآن , بأن هذه الآلية الماضوية لا تصلح لحياة حرة كريمة , لأنها ضد القوانين الطبيعية والكونية وضد الإنسان كمخلوق متفاعل مع مكانه وزمانه , وهي تقطعه عما يحيطه ويعيشه وتأخذه إلى حيث الإنطمار في كهوف الظلمات والبهتان.
    ولذلك فأن ما فيه ينعكس على محيطه ويرسم خارطة أيامه المقطوع عنها والمعادي لها , فتتخلق بانروما الحياة المشحونة بالتداعيات والتفاعلات السقيمة المهلكة للموجودات بأنواعها , والتي تلغي المستقبل وتقتلع مفرداته والمؤديات إليه , فالحياة في عرف هذه المخلوقات الديناصورية بلا مستقبل ولا حاضر , وعليها أن ترقد في المقابر التي تلد الشرور والبغضاء , وترفد النفوس بالكراهية والشحناء.
    وهذا يفسر غياب المستقبل في هذه المجتمعات , وإنعدام القدرة على التفاعل مع التطورات المعاصرة , والمشاركة الحية بصناعة الحالات التي تمنح الحياة طاقات الإبداع المتجدد الفعال القادر على الصعود إلى مستويات الرقاء الأصيل.
    والعجيب في آليات الماضوية أنها تحول المجتمع إلى صيرورة إستهلاكية , بلا قدرات إنتاجية أو عطائية لإرضاء حاجاتها , فتتبع وتقبع وتنأى بحالها عن الحاضر وتتغني بالماضيات وتريد القفز إلى حيث تتوهم.
    وهكذا فهي مصفّدة بما يبيدها وينهيها!!

    د-صادق السامرائي
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit