أليست الخصخصة أفضل من المولدة؟
    الثلاثاء 5 ديسمبر / كانون الأول 2017 - 22:14
    صائب خليل
    وزير الكهرباء والناطق الرسمي باسم الوزارة يؤكدان في أكثر من مناسبة على تقديم ارقام مقارنة بين كلفة الكهرباء على المواطن في حالة الخصخصة، مقابل استعمال "المولدة". ويردد الاعلاميون المؤيدون للخصخصة تلك الحجة التي تبدو الأقوى في مجموعة الحجج الداعمة للخصخصة. 

    لكن هذه الحجة مجرد عملية احتيال! 

    والسبب بسيط، وهو أن "المولدة" هي خصخصة أيضاً! فالمولدة ليست قطاع عام لنقارنها مع الخصخصة. المولدة ملكية خاصة تعمل وفق حرية السوق التامة في العرض والطلب، أي انها اشد وحدات الإنتاج تطرفاً في تطبيقها للمبادئ الرأسمالية التي تستند إليها الخصخصة. وكما نرى، فأن أسعار المولدة هي الأسوأ لأنه لا يوجد هناك تحديد لأسعارها وعملها من قبل القطاع العام – أي الحكومة، وإن وجد فهو شكلي وبسيط جداً. 

    فالحقيقة هي ان الوزير وبقية شلة الدعوة للخصخصة، يقارنون الخصخصة الخاصة بجباية قوائم الكهرباء مع خصخصة أخرى أكثر سوءاً منها لأنها قطاع خاص بشكل تام، ومطلق الحرية أو شبه مطلق الحرية، بينما خصخصة الجباية، هي خصخصة محدودة وتمتلك "حرية سوق" محدودة، متمثلة بالاتفاق المسبق مع الحكومة على الأسعار. فما يقوله الوزير بهذه المقارنة هو أن "الخصخصة المحدودة" أفضل من "الخصخصة المطلقة". وهذا يعني في الحقيقة ان "الخصخصة" بشكل عام، هي سيئة. وكلما زادت نسبة تطبيق مبادئ القطاع الخاص على المشروع كلما كان أسوأ. وأن القطاع الخاص وحش منفلت يجب ضبطه من قبل القطاع العام (الحكومة)، وإن لم يضبط فسيكون مثل "المولدة" في أسعاره، وربما أسوأ بكثير، حين يمتلك القدرة على احتكار تجهيز الكهرباء أيضا. 

    ما يريده الوزير وجماعته هو خصخصة الكهرباء وما نريده هو ابقاؤها في يد القطاع العام، وأن يقوم الوزير بواجبه في عمل هذا القطاع لكي يستطيع تقديم الخدمة بشكل صحيح وجباية القوائم من المواطنين بشكل صحيح بنفسه وليس بالاعتماد على شركة ما. لذلك، لو كان الوزير أميناً، ولو كان الإعلاميين الداعين للخصخصة أمناء، لكانوا قارنوا بين أسعار الخصخصة وأسعار القطاع العام المدار كليا من قبل الحكومة وبشكل صحيح ولو بالحد الأدنى. ولنلاحظ هنا ايضاً، إعلاميين يدعون الحيادية في الموقف، لكنهم يحتالون حين لا يطلبون من ضيفهم القيام بالمقارنة الصحيحة، بل يأخذون مقارنته كأمر سليم، ويبدأون بإمطاره بأسئلة لا معنى لها مثل: وإذا تبين ان الأسعار ليست كذلك؟ ومن اين يأتي الفقير بـ 40 ألف دينار؟ وهي أسئلة معدة مسبقاً لأنها سهلة الإجابة. وقد يتظاهر مقدم البرنامج بالغضب من ضيفه ويبدو وكأنه احرجه أو يتهمه بعدم الاهتمام بالمواطن، لكن كل هذا هراء لا قيمة له ومسرحية لا تعني شيئا، ما لم يسأل المقدم ضيفه السؤال الصحيح، والذي يعلم أن ضيفه لا يملك جواباً عليه.

    ونقطة التلاعب الأخرى التي جعلت أسعار "الخصخصة" أفضل بكثير من أسعار "المولدة" هي أن أسعار الخصخصة مدعومة بشكل كبير من قبل الدولة، ويبلغ الدعم حسب المصادر الرسمية 80% من السعر بالنسبة للطبقة الأدنى من الأسعار، بينما لا تدعم الدولة أسعار المولدة! 
    فما تقوله الوزارة للمواطن في الحقيقة: إذا اشتريت من "الخصخصة"، فسوف ندفع أربعة اخماس المبلغ! إنه اشبه بمحاولة إغراء المواطن للشراء من المخزن (ب) مقارنة بالمخزن (أ)، بالقول له بأن الحكومة سوف تدفع له أربعة اخماس السعر ان اشترى من (ب) ولن تدفع شيئا إن اشترى من (أ). وتريد ان تبرهن له عن طريق هذا المنطق، بأن المخزن (ب) أرخص سعراً من (أ)! 

    الحيلة الأخرى الأهم في كلام الوزير وفريقه للخصخصة، والتي لا يدركها الغالبية الساحقة من الجمهور، هي أن هذه الـ 80% التي تدفعها الحكومة، هي من أمواله وتؤخذ من ميزانيته! وبالتالي لا فضل للخصخصة فيها عليه، ولا فضل حتى للحكومة فيها، وفي نهاية الأمر سيكون المواطن قد دفع المبلغ كاملا لشركة الخصخصة. في المرة القادمة التي تسمع في الإعلام مقارنة بين أسعار الخصخصة والمولدة، اعلم أنك أمام محتال. المقارنة يجب ان تتم بين الخصخصة والكهرباء الوطنية المنتظمة التجهيز ومعقولة الجباية. إنهم يغيبون هذا الاحتمال الذي هو واجبهم لخداع الناس عمداً لدفعهم الى الخصخصة دفعاً كأن لا حل إلا بها وبسرقاتها. 
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit