أمي وجعفر والزعيم
    السبت 11 فبراير / شباط 2017 - 20:32
    حسن الخفاجي
    لا اعرف سر عصبية المرحوم والدي،عندما كنا ننتقل من بيت لآخر. كانت  المرحومة والدتي  تهرع لتحتضن صورة كبيرة للإمام علي (ع) لتحافظ عليها من الكسر خلال عملية الانتقال من بيت لآخر ومن مكان لآخر داخل البيوت .كان والدي يصرخ بها: (انتي اركضي بس على الصورة).
    امتد بنا الزمن وكبرنا، وكشفت الصدفة سر أمي ، ففي عام 1969ضربت كرة رماها أخي الصغير زجاج الصورة وكسرته لنكتشف سر أمي، حيث كانت أمي تحتفظ بصورة للزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم خلف صورة الإمام علي (ع) ، حينها قالت أمي: (اني اريد من الله وأبو الحسن يحفظ أبو الفقراء) ، لانها تعتقد انه مازال حي يرزق . .

    لم يصدق الفقراء اللقطات التي بثها تلفزيون  بغداد، ويرفضون أصلاً فكرة اغتيال الزعيم، لان الإبقاء على أمل استمرار الزعيم حيا هو استمرار لحياتهم ولطموحات وأحلام ترفض موتها بموت الأمل، ومن خلال هذه الفكرة أصبح الزعيم أسطورة لا تقبل الموت. الذين شاهدوه في القمر يكذبون من شاهده مع ثوار الأهوار ،لأنهم يعتقدون بقدسية فريدة للزعيم ترفعه من عالم الأرض ليسكن السماء. كانت هذه أحلام أغلب الفقراء تقاوم القتل، وتتشبث بالمنقذ الذي طمحوا بان يقودهم مجددا صوب الحياة السعيدة.

    اختلف جعفر مع كل هؤلاء، وظل لفترة طويلة يبحث عن أهل، أو أقارب الزعيم كي يستوفي دينه منهم!. لم يكن جعفر بائع (الخس) في فصل الشتاء غير عراقي بسيط جمعته مع الزعيم ومعي لاحقا علاقة تعامل ، لأنني والزعيم كنا من زبائنه!. بعدما اطمئن لي وعرف أن لي علاقة صداقة بابن شقيقة الزعيم اللاعب الدولي السابق مؤيد محمد صالح . أصر على اللقاء به ليحكي لنا عن علاقته بالزعيم. بعد موعد لقاء مع مؤيد لم يتحقق، حكى لي حكايته مع الزعيم قال: (كنت أبيع الخس في عربانة في منطقة الكرادة قرب البساتين ، وفي عصر احد الأيام نزل ((أبو دعير)) -هكذا كان يسمي الزعيم - من السيارة وطلب مني رأس خس ،أعطيته الخس بعد أن أزلت الأوراق التالفة وغمسته في ((تنكة)) الماء، حينها قال الزعيم: (انته شسمك )؟ اجبته: جعفر يا حضرة الزعيم ، ولما أحس بارتباكي قال لي :"بابا لا تخاف، ليش انته مرتبك؟"  ،أجبته: "آني أريد اسميك باسم آني أحبه" .قال: "شنوهل الاسم؟" أجبته : "أبو دعير"  كال: "ولا يهمك".

     أزالت أريحية أبو دعير الارتباك والخوف مني قال الزعيم : "انته تدري گاعد تبيع للعراقيين  أمراض وسموم" أجبته : لا ما ادري شلون قال: "يجب ان يكون لديك ماء نظيف وجاري لتغسل به الخس قبل ان تبيعه للناس، لأنك تبيع للمارة الذين يأكلون الخس منك مباشرة دون غسل" ، قلت له: "ابو دعير اني مبسط بالشارع بعربانه منين أجيب ألمي"  قال: "باجر راح أسويلك حنفية قريبة على المنهول ،واحجي وي البلدية علمود ما يضايقوك ، بس تره أذا أمر واشوفك تبيع خس ما مغسول أزعل منك ، واني راح أنطيك كل أسبوع دينار راتب مني ، بس اهتم بصحة العراقيين". في اليوم التالي انتصبت الحنفية بجانب الرصيف، وأستمر راتبي الاسبوعي من الزعيم ،حتى بعد ان أتحول لبيع (الركي) في فصل الصيف، وفي بعض الأحيان ينقطع الزعيم عن المرور بي لفترة تطول وتقصر حسب جدول أوقاته المزدحم، وحينما يأتي ينزل من السيارة ضاحكا ويقول: "جعفر اشكد تطلبني مال جم أسبوع" ، ويمازحني قائلا:  "دير بالك تزيد عليه تره اني حاسبهن"!.

    ثم يختتم جعفر حديثه بمزيد من الدموع والآهات على الشهيد عبد الكريم قاسم، لقد سمعت حكاية العم جعفر عشرات المرات خلال السنين التي عايشت جعفر فيها ،عايشت معه حزن الليالي، وغزارة دموع صادقة. في لقائي الأخير به جلبت بنت العم جعفر والدها الذي كف بصرة لغرض ان يودعنا (ونبريه الذمة) ، ودعنا جعفر بالدموع ، لانه كان يظن انه ذاهب الى اجله ، ولما عرضت علية المساعدة الشهرية رفض رفضا قاطعا ، وعندما ألححت علية وأقسمت له همسا بروح الزعيم من إنني أريد ان أسدد ما بذمة الزعيم من رواتب متراكمة لجعفر قال جعفر بتحد: (ما كو أبن مرة بالعراق يطلب الزعيم ، لو اكو واحد صار مثله ، وكلنه مطلوبين للزعيم بأرواحنه ، وشما سوينا ما نسد ديونه الي بذمتنه!!).

    قال جعفر "أنا المستفيد الوحيد ، وأنا الوحيد الذي عرف الزعيم عن قرب من جموع الفقراء الذين نزلوا للشوارع وتصدوا للمتآمرين بصدورهم العارية، أتعرفون من هم الذين قاتلوا بشرف وتصدوا للانقلابيين؟؟ ".

    الفقراء الذين لم تجمعهم مع الزعيم علاقة مباشرة ويرتبطون معه بعلاقة روحية. الفقراء الذين كان الزعيم يعيش في وجدانهم ، لم تربطهم به علاقة طمع ، أو مصلحة، تجمعهم محبة صادقة لزعيم خدم الفقراء، لذلك هب الفقراء يدافعون عنه لأنه مستقبلهم ، وأنهم حينما افتدوا الزعيم بأرواحهم ، إنما كانوا يدافعون عن كيانهم ومستقبلهم الذي دمر بعد رحيله ، وكانت وقفتهم وقفة عز وفخار.
     
    هل لنا ان نقارن بين الزعيم وجعفر أبو الخس وامثاله الكثير من العراقيين من جهة ، وبين  جميع من حكموا العراق من بعده ومنهم صدام وجماعته وكل المفسدين والمستفيدين من السلطة على حساب الفقراء على مر العصور ومنهم حرامية  اليوم ؟.

    هل حسب ساسة اليوم من سيدافع عنهم وقت الشدة ؟ أو من سيذرف الدموع على ذكراهم ، مثلما استمر من يذرفون الدموع الساخنة على الزعيم الخالد، ويحيون ذكراه سنويا .

    بين أمي وجعفر والزعيم لغز عرفته لاحقا: ان الزعماء الشرفاء يعيشون في وجدان الفقراء احباء الله خالدين والى الأبد ، رحم الله الزعيم، وأبي ، وأمي ، وجعفر، وكل من سار على درب الحق..
    نشرت هذه المقالة بتاريخ ١٥ تموز ٢٠٠٩  . منذ ذلك التاريخ الى الان  ومقطع قصة حوار الزعيم وجعفر ابو الخس يسرق وينشر بصحف ورقية  ومجلات عراقية ومواقع الكترونية ومواقع التواصل بأسماء نكرات مرة ودون إشارة الى اسم الكاتب مرات كثيرة ، لذلك اقتضى التنويه.
    لعبد الكريم قاسم دين كبير في أعناقنا  جميعا ، فمن سيسدد هذا الدين ؟

    (هل تساوي أيام في الحياة نعيم الموت في سبيل الوطن؟) نابليون

    (لا تسل الوطني ما كسب سله ما وهب) ميرابو
     
    حسن الخفاجي
    11/1/2017
    Hassan.a.alkhafaji@gmail.com
    التعليقات
    1 - الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم
    ابو خلدون    12/02/2017 - 14:07:3
    رحمة الله على حبيبنا الخالد عبداكريم قاسم الذي يعيش في وجدان الفقراء الف رحمة على روحة وعلى كل رفاقه من الشهداء والمجد والخلود لهم جمعيا هؤلاء نور الفقراء وسيبقى دائما مضيئا للدرب.
    أضف تعليق
    اسمكم:
    بريدكم الالكتروني:
    عنوان التعليق:
    التعليق:
    اتجاه التعليق:
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit