لماذا الإصرار على بقاء قانون الانتخابات وعدم تغيير المفوضية؟
    الجمعة 17 فبراير / شباط 2017 - 08:22
    مصطفى محمد غريب
    لماذا هذا الإصرار على التمسك بالمفوضية العليا للانتخابات وجعلها أداة طيعة بيد القوى الكبيرة وخاضعة للمحاصصة الطائفية وبقانون الانتخابات الذي اعتمد سانت ليغو المعدل  الذي يغمط حقوق المواطنين وحقوق القوى الوطنية والديمقراطية؟
    ــــ لماذا هذا التمسك بهذا القانون المجحف المملوء بالمثالب غير العادل كأنه العروة الوثقى؟ بينما أثبتت الوقائع انه غير جدير ليكون قاعدة بناء ديمقراطية دستورية وقيام دولة مدنية، فتجارب الانتخابات السابقة كشفت الأعطال الدستورية في تحقيق قسمة عادلة في نتائج التصويت وأدت إلى إهدار حقوق القوائم غير المتنفذة لا بل شملها هذا القانون بالإقصاء لصالح القوائم الكبيرة  التي لديها الإمكانيات المادية ومنها من يستطيع تقديم الهدايا العينية بمليارات الدنانير وشراء الأصوات أو إطلاق الوعود التي سرعان ما تتبخر ويطويها الزمن، لقد بَينا أكثر من مرة بأن قانون الانتخابات التشريعية والانتخابات المحلية  المعمول به الذي يطلق عليه سانت ليغو المعدل عبارة عن قانون يخدم القوى الرئيسية المهيمنة على السلطة  وهو غبن لحقوق القوائم والقوى غير الرئيسية وغبن لمئات الالاف من المواطنين المصوتين ونستشهد بما صرح به احد أهم قيادي التيار الوطني الديمقراطي  رائد فهمي وسكرتير اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي العراقي  إن "مشروع قانون انتخابات مجالس المحافظات والاقضية يهدف إلى إقصاء القوائم التي لا تنتمي إلى الكتل المتنفذة الكبيرة، من خلال اعتماد نظام سانت ليغو المعدل، وإلقاء مسؤولية فشل المجالس على أعضاء القوائم الصغيرة".
     لا توجد شكوك حول عدم أهلية قانون الانتخابات الحالي وهو لن  يكون قاعدة للانطلاق نحو انتخابات عادلة نزيهة لا يمكن التلاعب بها، إضافة إلى الجانب الثاني الذي لا يقل أهمية  بوجود شكوك حول نزاهة عمل  مفوضية الانتخابات لأنها خاضعة للمحاصصة الطائفية والحزبية، كل ذلك يبرهن أن المطالبة من قطاعات واسعة بتغير المفوضية مطالب  تعتمد على سير عملها خلال السنين السابقة لتكون مستقلة فعلاً بعيدة من الانتماءات الحزبية أو تأثيرات الكتل السياسية لكي تقوم بعملها بحيادية وبنزاهة لصالح العملية الانتخابية،  فما دامت هناك فئة سياسية فاسدة متنفذة مما تجعل العملية الانتخابية موضع شكوك الجماهير والقوى الوطنية، وهذه الفئة الفاسدة سوف تسعى لما لديها من إمكانيات وتأثيرات لإفساد العملية الانتخابية من خلال تدخلها المباشر وغير المباشر في العديد من المفاصل بما فيها التزوير والرشوة وتوجيه الإعلام الفاسد واستغلال وسائل الإعلام الحكومية والمال العام، وبصرف النظر عن الإنكار والتمويه  فان قانون الانتخابات الحالي سيكون أداة  بيد هؤلاء لتمرير الخروقات وتشجيع التجاوزات وسكوت البعض من العاملين في مفوضية الانتخابات الذين ينتمون للكتل الكبيرة مثلما حدث في انتخابات سابقة وأهملت العشرات من الشكاوى والاعتراضات على الرغم من أنها قدمت وقائع مادية ملموسة عن الخروقات قبل وأثناء العمليات الانتخابية، ولهذا هناك اتفاق شبه عام ليس على اعتماد قانون انتخابي عادل يعتمد الدائرة الانتخابية الواحدة فحسب بل تغيير المفوضية العليا والمجيء بقضاة بعيدين عن الانتماءات الحزبية والتأثيرات الطائفية مما يجعل المفوضية تعمل بنزاهة وحيادية ويضمن  قيام انتخابات حرة نزيهة وهذا رأي حتى البعض من العاملين في المفوضية عندما كشف "عن تعرضها إلى ضغوطات كبيرة من قبل الكتل السياسية في المرحلة السابقة ، فيما دعت إلى اعتماد القانون والدستور في مطالب تغييرها"
    مثلما ظهر وكشفنا عنه أن القانون الانتخابي سانت ليغو المعدل يلبي طموحات القوى الكبيرة التي على الرغم من نفوذها المادي تهدف إلى الاستيلاء على كل شيء بما فيها إقصاء القوائم الأخرى من النزر البسيط التي تحصل عليه لتفريغ الساحة من أية معارضة ممكنة بهدف تنفيذ مخططاتها الضيقة وهذا ما حصل في الانتخابات السابقة وغيرها، والحركة الجماهيرية الاحتجاجية المستمرة منذ سنوات أكدت في مطالبها العادلة على ذلك وانطلقت في تظاهرات سلمية تطالب على
    1 ــــ تغيير المفوضية العليا للانتخابات وجعلها بعيدة عن تأثيرات القوى الكبيرة وان تكون نزيهة وحيادية بوجود قضاة نزيهين في عملهم الوطني الانتخابي
    2 ــــ سن قانون انتخابي ديمقراطي عادل  بدلاً من القانون الحالي " سانت ليغو المعدل " الذي اُستغل من القوى السياسية الدينية لتوسيع نفوذها أكثر من المعتاد وأكثر من الطبيعي بالاستيلاء على أصوات المنتخبين بدون وجهة نظر حق وغير عادلة.
    هذان المطلبان إلى جانب مطالب أخرى في مقدمتها ( الإصلاح الشامل والجذري والقضاء على  الفساد والفاسدين والعمل المخلص من اجل الاستقرار الأمني بالقضاء على الإرهاب والميليشيات المسلحة  ).
    إن الذي يطالب بهذه المطالب لا يمكن أن يكون عدواً للعراق والشعب العراقي والعملية السياسية التي تهدف إلى إقامة الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية، وكان بالا حرى احتضانها  والسعي لتنفيذها لا إلى الهجوم واستعمال العنف المسلح على الحشود السلمية التي قدرت بالآلاف من المواطنين بقنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص  مثلما حدث في 11 / 2 / 2017 ، فبدلاً من هذا الهجوم غير المبرر واستخدام العنف المسلح كان الأجدر برئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة الذي طالب بالتغيير والإصلاح!! توجيه الشكر لهذه الحشود ورعاية مطالبها وعدم استعمال أية ضغوطات تتنافى مع ما جاء في الدستور حول الحريات المدنية، وليس كما تناقلته  البعض من وسائل الأعلام " عدم معرفته بالجهات التي هاجمت المتظاهرين السلميين !!" مما رجح الاعتقاد أن المؤسسات الأمنية بما فيها الشرطة والجيش لا تخضع لضوابط الدستور وليس لها إي شأن أو اعتبار بالقوانين وبالقائد العام للقوات المسلحة وهي  تأتمر من بعض مسؤولي القوى والميلشيات الطائفية المسلحة الرئيسيين بدلاً من القائد العام الذي اعتبروه  شماعة متى جرى الحديث عن نزع السلاح وتطهير المؤسسات الأمنية من المندسين والطارئين والبعض من الميليشيات المرتبطة خارجياً، ونحن نتفق تماماً مع  التصريح الصادر من الحزب الشيوعي العراقي حول  هذه المسالة وخصها بشكل مباشر محملاً مسؤوليتها رئيس الوزراء والمسؤولين  عن المجزرة التي ارتكبت في 11/ 2 / 2017  " ونحمل رئيس الوزراء المسؤولية المباشرة عن ذلك كونه القائد العام للقوات المسلحة ، والذي عليه فورا أن يعلن عمن أعطى الأوامر بإطلاق النار واستخدام العنف خلافا لتوجيهه للقوات الأمنية بحماية المتظاهرين ، وان تشكل لجنة تحقيقية في ذلك يكون في عضويتها من يمثل المتظاهرين أو من ينوب عنهم من القضاة ".
    منذ بدء الاعتراضات والاحتجاجات السلمية والمطالبة بشكل ديمقراطي سلمي كان هناك ضحايا وخسائر مستمرة لا تقدر بثمن من جانب المواطنين المعترضين المتظاهرين بينما يصر البعض من المسؤولين الأساسيين المستفيدين من بقاء الأمور كما هي ويظهر من خلال تصريحاتهم أنهم يهدفون إلغاء ما يمكن إلغائه من حقوق الجماهير والقوى الوطنية والديمقراطية  وهم يسعون إلى تعقيد الأوضاع أكثر مما هي عليه، هؤلاء الذين لا يهمهم إلا تردي الأوضاع وخلق الأزمات لكي ينفذوا مخططاتهم إلى جر البلاد إلى أكثر مما عليه من كوارث وفواجع وخراب وحرب مثلما يحصل الآن وبنتائج  مدمرة من الضحايا والمصابين والمهجرين والهاربين  والنازحين الذين يعدون بمئات الالاف من المواطنين الأبرياء من شيوخ ونساء وأطفال  والذين تركوا ممتلكاتهم وبيوتهم وإعمالهم وهو يتوسدون العراء في ظروف بائسة على جميع الصعد، ولم يكتف به المسببين  لهذا الخراب الواسع الذين يقطنون  الفيلات والقصور والأرصدة الهائلة من المال العام في البنوك والمصارف الخارجية، وهم يقومون بالتحريض ضد شعبنا الكردي والإقليم والعودة إلى التهديدات المبطنة لتنفيذ ما يهدفون إليه، والذين يؤكدون بأشكال عديدة ويصرحون أنه "  بعد القضاء على داعش سوف يكون الإقليم والبيشمركة الهدف التالي " وكلنا نعرف بأن هؤلاء  أنفسهم  ساهموا في خلق الظروف إمام توسع وهيمنة داعش على المناطق الغربية في عهد رئيس الوزراء السابق .
    إن الاحتجاجات والمظاهرات السلمية التي قمعت بحجة وجود مندسين غوغائيين أو عملاء للأجنبي أو الاتهام بالإرهاب بدون أي دليل مادي هي اتهامات أصبحت سخيفة ومكشوفة لن تنطلي على احد ولا تختلف عن الاتهامات التي كانت تكال لأي  معارضة أو خلاف حتى فكري، نحن لا ننفي وجود من يتربص كي يدفع المتظاهرين والقوات الأمنية إلى الاصطدام والعنف لكن هؤلاء المتربصين هم ليسوا خارج اللعبة التي تحاك من قبل جهات معروفة في زيادة الاحتقان الطائفي والجماهيري لأنها تمتلك الإمكانية والتأثير ولها مساحة غير قليلة باستغلال المؤسسات الأمنية ووسائل الإعلام الرخيصة لكن ذلك يجب أن لا يسمح بما حدث  يوم السبت أثناء الاحتجاجات في ساحة التحرير والتي سقط العديد من القتلى والعشرات من الجرحى " 6  قتلي بينهم شرطي وإصابة حوالي 174 متظاهر" لقد جرت ادانات واسعة لهذه الجريمة التي دلت على أن هذه القوى التي تستغل الأجهزة الأمنية  لا تختلف عن السابق في استخدام العنف غير المبرر وكان بالامكان تجاوز كل ذلك وسد الطريق أمام من يتربص لخلق الفتنة والنيل من التحرك الجماهيري المطلبي وعدم الانجرار إلى استخدام العنف  والعنف المضاد بإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص ضد آلاف المتظاهرين السلميين مما زاد الشق والخلافات على كافة المستويات الرسمية والشعبية.
    إن انطلاق مسيرة جماهيرية بالآلاف يوم الثلاثاء 14 / 2 /2017 كتشييع رمزي لضحايا يوم السبت وتظاهر الآلاف من أهالي بغداد وعدد من المحافظات في ساحة التحرير دليل على ردة الفعل الشعبية والقوى الرافضة لخرق حقوق الإنسان ولأساليب القمع غير المشروعة ودليل إضافي على المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق تكون مهمتها التحقيق العادل القانوني لمعرفة المسببين لهذه المجزرة وكشف الجناة وتقديمهم للقضاء، كما ندعو بضرورة تنفيذ الإصلاحات الجذرية وتغيير مفوضية الانتخابات العليا المستقلة.. على شرط أن تكون مستقلة فعلاً وليس فقد بالاسم وبعيداً عن الانتماءات الحزبية والمحاصصة، وسن قانون للانتخابات التشريعية على أساس الدائرة الانتخابية الواحدة لكي لا يتم التجاوز على حقوق المواطنين والقوى التي يتم التصويت لها  وهو حق قانوني يمنع مصادرة الحقوق المشروعة.    
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit