ليتني أُمٌّ لأُمِّي ..!
    الأحد 19 مارس / أذار 2017 - 06:25
    ريم نوفل
    كعادتي هذا المساء انعزلْتُ في غرفتي مع حاسوبي مُستغلّةً هدوء الليل و صفاء الذهن لأُباشرَ كتابة موضوعٍ جديد ..
    نادتني والدتي ككُلِّ ليلةٍ "يا ريم .. تعالي يا ابنتي شاركينا السمر إشتقنا لأحاديثك و دعاباتك" لكنّي لم أَرُدّ مع أني سمعت اسمي جيداً ، لم أشأ قطع سلسلة أفكاري و في طبيعة الحال ستتفهّم والدتي كما أبي و أُختي فهُم إعتادوا على طقوسي المسائية .
    بعد مرور 5 دقائق سمعتُ صوت خطواتٍ تقترب من غُرفتي ..
    إنها أمي من جديد دخلت الغرفة و وقفت بجانبي ..
    "انظري أُمّاه أنا أكتب مقالاً جديداً" قلت لها و تابعت كتابتي لتفهم أنّي منشغلة .
    لكنّها إستمرّت بالتحديق في وجهي بنظراتٍ حنونةٍ مشتاقةٍ و كأنها لم ترَني منذُ أمدٍ بعيد ، أو كأنها تخشى فراقاً قريباً ..!
    لا أُنكِر استغرابي لوهلة لكنّي قاطعته بالعودة إلى الحاسبة من جديد حتى لا يتشتت إنتباهي عمّا أكتبه.
    [[article_title_text]]
    و من دون إلتفات قلْتُ سأسهر معكم قليلاً ثم أنام بعد أن أُنهِي كتابة الموضوع .
    " لا بأس عزيزتي .. أكملي واجبك ففيه خير لك و لمستقبلك " كانت تلك عبارتها التشجيعية في الظاهر لكن في خلجات صوتها كانت تقول تبحثين عن الخير بعيداً و هو يجلس بجانبك ؟! بصوت أشبه بترنيمة العتب ، لم تنطقها لكنّي سمعتها بقلبي .
    خرجت والدتي من الغرفة و بقيتُ وحدي مع ذلك الإحساس الموحش بالوحدة لا أدري مصدره لكن بالتأكيد لعتاب والدتي الخفيّ علاقة قويّة به .
    أحسستُ بثقلٍ في صدري و كأنّ الأُكسجين في الغرفة ما عاد يكفيني نهضتُ أهمُّ بالخروج إلى الشُرفة بخطواتٍ متثاقلة و عينين نصفُ مفتوحتين و كأنّه نعاسٌ مفاجئ بدأ يتسلل إليهما .
    بصعوبةٍ جلست على كرسيٍّ عند النافذة ، أغمضتُ عينيّ ، لأستيقظَ بعد ساعاتٍ على صوتِ بكاء
    و عويل ..
    نهضْتُ بسرعة ، قصدت غرفة الجلوس كان الجميع هناك ( أمي ، أبي ، أختي و أقاربي )
    جميعهم يبكون ..!
    "ما بكم ما الذي حدث أجيبوني"
    لكن أحداً لم يرد ..!
    هرعت إلى أمي ركعت عند قدميها .. "أُمّاه .. أجيبيني  ماذا جرى ؟! "
    لكنها لم تنظر إليّ و لم تشعر بوجودي حتى !
    بدأ الخوف يعتريني أيعقل أنّها لا تراني ؟
    بدأت أتلمّس جسدي لكنّ يداي إخترقت جسدي
    حقاً ..!
    لكنّي لم أمُتْ كيف أفهِمُهم ذلك ..!
    يا رب .. ماذا فعلتُ بنفسي ؟!
    كان نحيبهم يقتلني حقّاً ، لكنَّ صوتاً واحداً مزّق أوصالي ، كان صوت والدتي الباكية .
    أعاد بي الزمن ساعات إلى الوراء ، إلى تلك الترنيمة المُعاتبة التي نطقتها بقلبها لا بلسانها و هي تشكو خوفها فراقي .
    تلك اللحظة القاسية إعتصرَتْ كلَّ ما في جوفي من مشاعر .!
    ربّاه .. أَعِدني إلى الحياة مرة واحدة فقط أرجوك ، أُريد أن أُكفّر عن ذلك التقصير ، أُريد أن أُخبِر قدّيستي المُربيّة أنّها أجمل نساء الكون كما كنْتُ أخبر عنها أصدقائي دائماً لكنّي بخلتُ دائماً في التعبير لها عن جمالها و صباها .
    أُريدُ أن أَتلحَّفَ قلبها و أنامَ بين زراعيها كما لو أني طفلةٌ لن تكبر أبداً .
    لا أُريدُ جَنّة الآخرة إلا من تحت قدميها ..
    أرجوك ربّي أُريدُ أن أعتذر لها عن عدم النظر في عينيها عندما أتت إليّ معاتبةً و مشجّعة .
    أُريدُ أن أُخبرها أنّها الخير .. كلُّ الخير في حياتي .
    و في تلك اللحظة العصيبة من جلد الذات و الألم و التوسُّل .
    سمعتُ ترنيمةً فيروزيّةً لطالما عشقتُها :
    أُمّي يا ملاكي
    يا حُبّيَ الباقي إلى الأبد
    لا تزل يداكِ أُرجوحتي و لا أزل أَنَمْ
    يرافقها صوت أُمّي بجانب سريري توقظني :
    " صباح الخير يا ابنتي ، لقد حان الصباح .." !

    #ريم_نوفل
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit