في تورخة بواكير الوعي الأميركي بإقليمنا
    الأربعاء 17 مايو / أيار 2017 - 03:04
    أ. د. محمد الدعمي
    كاتب ومؤلف وباحث أكاديمي/أريزونا
    ”ضمت محاولات تورخة العلاقات الأميركية بدول الشرق الأوسط عدداً من السرديات الطريفة التي زادت من "رمنسة” الصلات التاريخية، وبضمنها اكتشاف مخطوطة "حكاية عربية” كان "فرانكن”، أحد المؤسسين، قد ألفها، ثم يأتي استذكار الجيل الأول من العرب في أميركا، وهم من حداة العيس الذين استقدموا مع جمالهم لأسباب متعلقة بالحرب الأهلية.”
    بدأ الاهتمام الأميركي بالشرق الأوسط كظاهرة رومانسية مارة؛ ولكنه ما لبث أن تناهى إلى "رومانسية” مفرطة درجة المواجهة والوجع. تطورت هذه المفارقة عبر محطات ومحكات تاريخية متنوعة، إبتداءً مما سمي بـ”حروب الساحل البربري لشمال أفريقيا” (1785-1815)، متواصلة عبر الحروب العربية الإسرائيلية، ومتبوعة بغزو الولايات المتحدة العراق، ثم إلى اغتيال السفير الأميركي في ليبيا، كريس ستيفنسون، سوية مع ثلاثة من زملائه الدبلوماسيين ببنغازي من قبل إرهابيين مجهولين سنة 2012، ناهيك عما ستأتي به زيارة الرئيس دونالد ترامب المرتقبة للشرق الأوسط. يشير الباحث "بيونغج تشيون يو” Yu، في سياق رصده العلاقات بين الشرق وأميركا منذ أقدم مراحلها، أي منذ كولمبس، الإنسان الأميركي الأول، الذي دشن رحلته التاريخية من إسبانيا نصف المسيحية ونصف المسلمة متجهاً نحو الغرب لاكمال دائرية الأرض.
    هكذا اكتشف كولمبس "العالم الجديد” عن طريق الصدفة، متأسفاً لضم مترجم للغة العربية إلى فريقه، باعتبارها اللغة التي توقع كولمبس تداولها في الهند، وجهته النهائية، حيث كان يفترض أن يكمل دائرية الأرض بالوصول إليها عبر هذه الرحلة العملاقة.
    ضمت محاولات تورخة العلاقات الأميركية بدول الشرق الأوسط عدداً من السرديات الطريفة التي زادت من "رمنسة” الصلات التاريخية، وبضمنها اكتشاف مخطوطة "حكاية عربية” كان "فرانكن”، أحد المؤسسين، قد ألفها، ثم يأتي استذكار الجيل الأول من العرب في أميركا، وهم من حداة العيس الذين استقدموا مع جمالهم لأسباب متعلقة بالحرب الأهلية.
    لم يهتم الأميركان الأوائل براكبي الجمال، بقدر ما كانوا يهتمون بالحيوان الصحراوي ذاته في سياق الحرب الأهلية. يمكن لهذا السرد، نموذجاً، أن يفسر واحدة من المحكات المبكرة للبراجماتية النفعية الأميركية التي تركت بصماتها على المدخل الأميركي لتلك العلاقات بالشرق الأوسط، أقوامه وتراثه، مذاك حتى استقرت على وضعها الذي نشهده اليوم: حكومات صديقة لواشنطن، وشعوب تضمر مشاعر مضادة لها.
    عندما استقلت أميركا كجمهورية عام 1776، لم ينقطع التآصر الرومانسي بـ”أوريندا”، Orienda، أي الشرق الأوسط، حسب تعبير الأديب ميلفل Melville (1819-1897)، متواصلاً بلا منافس في أعمال عدد من الشعراء والكتاب الخياليين الأوائل مثل واشنطن إرفنج Irving (1783-1859) و رالف والدو إيمرسون Emerson (1803-1882). بينما كان الأول مشغولاً بالمواد العربية والمغربية المتعلقة بأسبانيا، مسقط رأس كولومبس، إذ انهمك الثاني برصد التصوف الفارسي دون سواه من المواضيع الشرق أوسطية أو الآسيوية. لم يكن ذلك الاهتمام الفكري المبكر سكونياً، كما كانت عليه حال عدد من الرومانسيين المبكرين، ذلك أن الروح الرومانسي تواصل متقداً، ممزوجاً بالجاذبية الروحية للشرق الأوسط. هذا ما حدا بهيرمان ميلفل (المذكور أعلاه) ومارك توين Twain (1835-1910) لأن يرتحلا صوب الشرق، بينما انهمك إرفنج ببحث تاريخ (محمد وخلفاؤه) بين 1849 و 1850، مسحوراً بتأثير قلعة (الحمراء) الأندلسية (1832). كانت المسحة الرومانسية للاهتمام الأميركي بالإقليم من المعطيات اللامصلحية بالتأكيد، على عكس المدخل اللارومانسي المصلحي للقوى الكولونيالية الأوروبية إلى هذا الشرق. في أميركا، كان هذا الاهتمام بإقليمنا فكرياً وروحياً بصفة عامة، متواصلاً على نحو ضعيف حتى القرن التالي، فانعكس عبر إشارات شعراء عمالقة من عيار ت. س. إليوت Eliot (1888-1965) وعزرا باوند (1885-1972)، كما هي الحال في أعمال عمر Omer (1926-2010)، ابن الشاعر عزرا باوند، الذي انتقى لابنه هذا الاسم تيمناً بـ”عمر الخيام”. ولكن بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة بعد نهاية الحرب الفيتنامية، انتقلت بؤرة الاهتمام السياسي والاقتصادي الأميركي غرباً، من "أوشيانيا” (الشرق الأقصى) إلى "أوريندا” (الشرق الأوسط)، عاكسة تحولاً مهماً حيث راح النفط يغسل، ثم يزيل الرومانسية الدينية الطللية التي لونت استشراق القرن السابق في أميركا، خاصة بمساعدة الحروب العربية الإسرائيلية 1948 و1967 و1973 وما تلى.
    على الرغم من إخفاق الرؤيا الرومانسية المتصلة بالشرق الأوسط لأسباب سياسية ومصالح اقتصادية، كما تجسد ذلك فيما أشاعته وتشيعه الأفلام السينمائية والصحافة وأفلام الصور المتحركة (ديزني لاند) وروايات الشد العاطفي، مثل رواية (موعد في سامراء) بقلم جون أوهارا O’Hara الحاصلة على جائزة "بولتزر”، فان أميركا بقيت تهتم بالإقليم بطرق ومنظورات متنوعة. والحق، فقد أزالت تحالفات الإدارة الأميركية مع بعض الأنظمة في الإقليم ما رسب من بقايا أحلام الحالمين السابقين لإاستبدالها بالعلاقات المتوترة والمكهربة التي ساعدت على خلق جو عام مضاد لأميركا عبر الإقليم.
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit