الفن التشكيلي والخرافة.. الغيبي واللاعقلاني في العمل الفني
    الأربعاء 17 مايو / أيار 2017 - 10:51
    موسى الخميسي
    وموضوع الخرافة وعلاقتها بالمنتج التشكيلي، لاشك انه معقد وشائك، رحب الارجاء، مترامي الاطراف، يصعب حشره في أطر تأليفية ، خاصة وان التحليل الاجتماعي والسيكولوجي يكاد يكون ضعيفا للغاية، كما تنعدم في مجتمعاتنا العربية،الابحاث الانثروبولوجية والاثنوغرافية التي يمكن ان تقدم الوقائع المحسوسة لكل بحث نظري حول هذه العلاقة الشائكة بين الفنون التشكيلية والخرافة. الا ان الخرافة والاسطورة والفلسفة والسحر والدين والفن كانت ولا تزال الى يومنا هذا، وفي العديد من تجمعاتنا الانسانية، تتداخل جميعها لتشكل مجتمعة او متصارعة، نمطا معينا من التفكير او الذهنية، غالبا ما اطلق عليها اسم الذهنية الالتباسية، مقابل الذهنية العلمية. فالخرافة لم تتلاش من سلوكياتنا وافكارنا ومعتقداتنا وطموحاتنا، لانها لاتزال تشكل جزءا من لغة التعبير الشعبي، فقد تبدل شكلها، اما طبيعتها فلا زالت باقية مترسخة. وقد يتغير دورها، اما بنيتها تستمر في علاقة جدلية مع البنية الاجتماعية وذائقتنا الجمالية للاشياء التي تحيطنا، انها تتعايش وتتكيف حتى اصبحت تشكل جزءا لايتجزأ من بنية قيمنا الاخلاقية ومحرماتنا الدينية. الخرافة لازالت تشكل جزء من لغتنا في مسيرة التغيير والتطور .

    فالخرافة تصدر عادة عن العاطفة والشعور لا عن العقل الواعي باعتبارها سرد خيالي شعبي عفوي ذو معنى رمزي، تتضمن بعض الاحيان تقليدا قديما او حكاية عن شخصيات واحداث وتشير عادة الى ظواهر طبيعية او الى مرحلة تاريخية او الى مضمون فلسفي او خلقي او ديني، ويقال ان جميع الميثولوجيات العالمية انطلقت من اسس خرافية تشعبت وتلاحمت لدى عدد من الشعوب. والخرافة تبرز احداثا وشخصيات وهمية تتراءى من خلالها احداث وشخصيات واقعية. وترتبط بوقائع مادية وخيالية ، مأساويا او دينيا وترتبط بعقائد إيمانية او بشعائر سحرية .انها بعبارة اخرى عبارة عن تمثلات نسبية يعبر الفرد من خلال تداولها احداثا نفسية قادرة لان تكون جزء من مفاهيم ادراكية وسيرورات ومسارات.

    والخرافة ولدت مع اول الافكار التي كان يشعرها الانسان، لتكبر وتتسع مع توسع مداركه، امتلكت سطوتها لتشكل اجابة للعديد من الظواهر التي واجهها الانسان ، واستطاع ان يصوغها  كاجابات للاسئلة المستحيلة التي يرددها العقل البشري منذ ان وعى وجوده. ومن الضروري والحالة هذه ان تكون الاجابات التي خلقها الانسان لنفسه وللآخرين المحيطين به، تصويرية حية تمنح وتسبغ قوة هائلة على القدرات الغيبية بكل مشتقاتها وتكوناتها الدينية والسحرية.

    وهذا البعد الوجداني لكل من الفن التشكيلي والخرافة يبرز تشابها بنيويا، باعتبار ان الفن قوة روحية خلاقة، وهو تجربة" شبه دينية" شخصية وجدانية تتم خارج نطاق الحواس فلا تقيدها قيود الواقع ولا المنطق. والفنان حسب عالم النفس"كارل يونغ" ليس مخلوقا عاديا يبدع اعماله عن قصد وتفكير ورؤية بل هو مجرد أداة في يــــــد " قوة عليا" لاشعورية. ويتسم مفهوم يونغ على مستوى البنية بروح قدرية تعد هي الاخرى ملمحا من ملامح التشابه بين الفن والخرافة، فالعمل الفني يصنعه الفنان وليس العكس،  لان الفنان عبر منجزه الفني قادر عبر الادراك المباشر على النفاذ الى باطن الحياة. الفن هو حدس يستولي على الذات العارفة فيجعلها تتطابق  مع موضوع معرفتها. وبرأي الفيلسوف الالماني" شوبنهور" فان الفنان الذات العارفة الخالصة المتحررة من الارادة واسر الجسد وعبودية الاهواء، فهو لايعود يعيش الا بوصفه مرآة لموضوعه، بعد ان فقد ذاته واستحال ذاتا عارفة خالصة عارية من الارادة.

    ان اللجوء الى الفكر الغيبي والخرافي القائم على اسس غيبية لاعقلانية، له منطقه المختلف تماما عن منطق الفكر الموضوعي، والخرافة المكونة لهذا الفكر تنزع دائما الى اضفاء صفات قدسية غامضة على مواضيعها واشيائها واشخاصها، ولا مشادة ان الخرافة لها عمليا مستلزمات غيبية تستند اليها في كثير من الاحيان في الواقع، وتنعكس بواسطتها على الكثير من الظواهر الاجتماعية والسلوكية، فهي تتحول في كثر من الاحيان الى ممارسات وسلوكيات لتكرس الكثير من المفاهيم، وهذا يعكس من ناحية ثانية مدى اتساع آفاق المخيلة عن طريق الحلم والتخيل، وما الفن الا نظام رمزي قادر على الايحاء والتأويل، ومن ثم القدرة على كشف اللاانساني واللااخلاقي في رؤية الفرد. ولهذا نرى بان السحر والخرافة والاسطورة عند الفنان تحظى باهتمام أكبر منه عند الفئات الاجتماعية الاخرى . ويبدو ان ذلك يرجع الى ان الانسان الفنان ، بحكم ظروفه الحياتية المادية والذهنية يحتاج الى السحر والخرافة بدرجة اكبر مما يحتاجه الانسان المنتمي لمسارات حياتية اخرى. لانه  يحيا حياة اكثر حساسية واكثر شفافية، تتسم بالكثير من الاوهام والاحلام والهواجس وبالقلق والخوف والتهديد، والشعور بالاستلاب والاغتراب، على كل مستويات الحياة بحكم اختلاف امكانات هذا الفرد التكنولوجية والعلمية واقترابه للمتخيل المنبثق عن اللاوعي. فهو كفرد اجتماعي ، مشحون بالعواطف والاحساسات، قليل البرهان العقلي، ولايخضع للمشاهدة الحقلية او المختبرية، ولا للتصحيح والتصويب بل يتقيد في العديد من الاحيان بالاعتبارات الخرافية الغامضة. يعيش في كثير من الاحيان عوالم مغلقة يقتصر وجودها على افراد وفئات محددة، يدخلونها بواسطة طرق واساليب اشبه ما تكون بالطقوس، لها خصوصية متفردة تحمل افكار وآراء من اعتقادات  يكثر فيها الوهم والغرابة والغيبية، قادرة على الدخول الى ميادين كثيرة في فكر الفنان وممارساته ومنجزه الفني، فهو يرضي من خلالها دوافع نفسية مختلفة يجعلها في مقدمة الوسائل التي تدعم الوجود الذاتي والاجتماعي.

    وعندما نستحضر تاريخ الفن التشكيلي، فانا نبدأ من مفهوم استجابة الانسان لشكل الاشياء القائمة امام حواسه وسطحها وكتلتها، باعتبار ان الاحساس بتناسق المنجز ومتعته، هو احساس بجماله، ولهذا فاننا نستحضر في صنيع الفنان، التاريخ متداخلا مع الميثولوجيا والخرافة والسحر والاسطورة، باعتبار ان الخرافة والسحر هما الملاذ الاول للانسان للانتصار على خيباته ولتخطي فواجعه، وبواسطتهما استطاع الانسان اتمام عملية الحلم والتخيل والاستذكار.

    كان الخلق الفني لدى الانسان البدائي يعني اعادة تمثيل العالم المرئي من جانب، وهروبا من فرضية الحياة وتحكماتها من جانب آخر، وفي كلا الحالتين يشعر الفنان حتى في وقتنا الحاضر، برغبة في الامتاع اذ لم يكن هناك شيء مستمر او ثابت في حياته، فلم يكن لديه احساس بالديمومة والبقاء. فقد كان ولا يزال يتصرف ويسلك بصورة غريزية عند كل تحول للاحداث، ولذلك فانه عندما ينجز عملا ذو مسحة فنية يعتبره عملا من اعمال الاستعطاف السحري، في محاولة منه لخلق تعبيرا مرئيا عن الحال التي يعيشها، بمعنى انه يسعى لخلق مكانا خارج زمنه، ويحدد شكلا ظاهريا معبرا عن حالة هروبية ليجعل من كل امر غير طبيعي يواجهه وسيلة للتعاطف مع الطبيعة والمجتمع وتحيدهما.

    اما عملية توظيف الخرافة في المنجز الفني، فنحن نعلم ان ما من فنان في العصور القديمة او المعاصرة، الا ووظف جوانب خرافية في اعماله، انها تشكل بحق نظاما خاصا يمتلك كل مواصفات الغرابة في بنية المنجز الفني. وقد يكون البعد التأويلي في الفن والخرافة هو الرابطة بينهما، باعتبار ان الفن كان على الدوام يعكس تعبيرا فردانيا عن مكنون مبدعه، فالمنجز الفني هو من انتاج فرد، غير ان الفن نفسه جزء من الحياة الاجتماعية. واذا لم يكن الرسم والنحت جزءا من الحياة الاجتماعية فسيكون من المستحيل انتاج الرسومات الفردية وتماثيل النحت. الفن نفسه عبارة عن عمل ماهر ذي مستوى رفيع لايهدف الى انتاج الضرورات المباشرة للحياة كالمأكل والمأوى. غير ان المعرفة ذاتها من جانب الفنان لما هو عليه نفسه وكذلك لما هي عليه حياته انما هي امور تتوقف على الديناميات الاساسية للمنجز الفني التي تجعل المجتمع نفسه حيا ومتغيرا. فان اردنا ان نجد مفتاحا يلج بنا الى طبيعة الفن والجمال فعلينا اولا ان نفحصها من حيث عمليتها الدينامية وتناميها المستمر. باعتبار ان العلاقة بين الظاهرتين المركبيتين تمتلك تركيب معقد له جذور راسخة في عالم الوجدان الانساني.

    عندما ترافق الخرافة التكوين البشري منذ الازل حتى اقرب العصور، فان ثمة وضعا انسانيا مستلبا بحاجة الى تشكيلها وابداعها واللوذ بها ، وبالفعل فقد استطاع العديد من الفنانين العالميين ان ينطلقوا من البنية التراثية التي ينتسبون اليها ليشكلوا بدائل منها ويتجاوزونها، فصارت الحكاية والحدث الخرافي عند هؤلاء كثيرا ما تضاف اليها عناصر جديدة تتوال مع العناصر التقليدية ، ثم يعاد تركيبها جميعا في شكل متجدد يتنافى مع القيم الفنية والاخلاقية التي كان متعارف عليها من قبل. ووجد العديد من الفنانين العالميين في مجالات واسعة وحرية كبيرة، في الفن اللاصوري الذي تجنب فيه الفنان النقل وتمثيل الواقع وتخطي ضرورات الوجود الفردية وخلق فن صاف متحرر مما يحمله ويمليه الواقع، نتيجة شعور الانسان  بهواجس الخوف والقلق والحيرة والظلم.

      واذا كان الفن والخرافة قد ارتبطا عمليا من قرون فان اخضاع هذه العلاقة الارتباطية لمحاولات التفسير يعد حديا نسبيا، الا انه لايمكن تقليل اهمية الخرافة في عالم الفنان لانها تبقى في احيان كثيرة عنصرا بنائيا مكونا لرحلة الفنان في عالم التخيل، اي تبقى واحدة من الحلول الجمالية في  ممارسة الفنان، وقد ابدع العديد من الفنانين التشكيليين من الذين اعجبوا بالدادائية ومن بعدها بالسريالية وانطلقوا منهما، لما وجدوا في هذه الاتجاهات من تمرد وتعبير عن ازمة ذاتية ملازمة تتفق ومشاعرهم الخاصة، فكان هدفهم من الممارسة الفنية الوصول الى منتج فني غريب برؤاه وعوالمه الخاصة، منتج تتحكم فيه الهفوات الخرقاء والاخطاء المفتعلة والاشكال المغلوطة المناقضة لللاواقع، ليحولها الفنان الى مادة جمالية، معتبرا اللاوعي والعالم الخرافي  بكل استعارته الرمزية وتأليفاتها اللامنطقية اللاواقعية والغير متجانسة، والتي لاتمتلك اية علاقة بالادراك البصري للعالم الخارجي، مصدر اساسي للعمل الفني الذي اكتسب مفهوما مغايرا في مفهوم المدى الفضائي التشكيلي الذي كان متبعا في اللوحة المسندية . وان تتتبعنا العديد من الاتجاهات والاساليب المعاصرة التي انتجها العديد من الفنانين العالميين من اعمال فنية لاشكلية ،اثناء وخلال فترة  الحربيين العالميتين الاولى والثانية، سيقودنا حكمنا الى ملاحظة هامة، هي بروز الصدفة والعفوية والنزوع الى حالات التصور نحو عوالم خرافية، على نحو يتعارض مع المفهوم الشكلي، وهذا البروز لم يتسم بالارادية، بل هو خليط من وقائع خرافية وجدناه في مدارس واتجاهات فنية متعددة منها على سبيل المثال، التعبيرية والتجريدية والسحرية والايهامية... الخ، كما وجدناه في الاتجاهات الحديثة التي افرزتها اتجاهات واساليب ما بعد الحداثة وعلى رأسها المفاهيمية، التي اعتمدت على رفض كل ما هو احساسي وذاتي، معتمدة الفكرة وما تتصف به من عفوية وتلقائية لاتعكس اي وضع  عقلاني.

    يقول سيجموند فرويد ان الفن هو الميدان الوحيد في حضارتنا الراهنة الذي لانزال نحتفظ فيه بالقدرة المطلقة للفكر، ففي الفن وحده يندفع الانسان تحت وطأة رغباته اللاشعورية لينتج ما يشبه اشباع هذه الرغبات.

    الفن اذن من وجهة نظر فرويد نقيض للواقع، وواقع الفن اوهام، لكنها اوهام ترضي العقل الذي يريحه دائما ان يتصور اشياء او يتخلص منها بطرق متنوعة.

     ان اللاشعور، ذلك المستودع لجميع الدوافع الرئيسية التي اطلق عليها فرويد اسم الغرائز، يتكلم في كل مكان ويعلمنا كيف نفك رموز اللسان في الحلم الذي هو احجية، وفي اشكال العصاب، حيث يمثل العرض دالا من الوجدان لمدلول الكبت، وفي الجنون تلك الكلمة التي ابت ان تعرفنا بذاتها، ذلك القول الخلو من كل ذات.

    ان وصف فرويد للاحلام بانها مملكة اللامنطق والتحقيق المتفكر لامنية مكبوتة او التوفيق بين متطلبات ميل ممنوع والمقاومة التي تثيرها الرقابة النابعة من" الانا" واكتشاف اللاشعور بالوسيلة التي وضعها في مؤلفاته، كل ذلك خلب لب، استثار اهتمام وولع السرياليين للغور في هذا المجهول من الوجود الانساني الذي اصبح من وجهة نظرهم يمثل الحقيقة العارية للانسان، ومصدر الطاقة الحقيقي للابداع الفني. ولذا فان الرسم السوريالي حسب وجهة نظر كثير من النقاد، هو تطبيقات عامة لرموز خرافية تتعلق بالنواحي الجنسية  المستندة على الفهم الفرويدي،

    وفي الرسم بوجه التحديد، يجسد اللاشعور بنيته بتلك الرموز( الاشارات) الصامتة، فالاشارة بالفهوم اللغوي عند" دي ساوسو" متّكونة من اتحاد المعنى والصورة السمعية، وعلى هذا الاساس يمكن تحليل مجموعة العلاقات الرمزية التي تكسو لوحة ما، وذلك بالاعتماد على علم العلاقات الذي يقودنا الى تعيين محاور العلاقات وتفصيلاتها من اجل الوصول الى مفهوم البنية، ونقصد الترابط الداخلي بين الوحدات المتشعبة التي تشكل منظومة مرئية( صورية) لغرض الوصول الى فهم مقارب لاي عمل فني، حيث ان وعي المشاهد يعمل على ان يتشكل لنفسه منظومة مدركات متكونة من تلك العلاقات المنطقية واللامنطقية التي تترابط بين الحدود المتواجدة لرموز العمل الفني.

    اللجوء الى الخرافة عند الفنان يمثل استحضار لما هو غائب وحنين وتوق الى تمثل حالات موحية، يعيد من ان محاولات بعض النقاد البنيوين وعلى سبيل المثال" رولان بارت" بتطبيق مبادىء النقد اللغوي البنيوي على تحليل الصورة، خاصة في ميدان الدعاية، حيث الرسالة اللغوية في هذه اللوحات تشكل ميدانا خصبا لتطبيقات التحليل النفسي، لكن التطبيقات في هذا المجال مازالت محدودة ومقصورة على مجال معين في فن الرسم. وهنا سوف نحاول القاء بعض الضوء على الاعمال الفنية لاحد شيوخ الفن السوريالي، والذي وصفت اعماله من قبل كبار النقد الفني وعلى مدى عصور متعاقبة بانها اعمال تنتسب لعالم الخرافة ، وهي ثمار واضحة لطاقة اللاوعي، حيث الاشكال والالوان ذات التمازج الغريب ذو الطبيعة الكيميائية، والتي تركت تأثيراتها على مخيلة كثير من الفنانين.

    ولقد حاولت مدرسة التحليل النفسي ان توجد في لوحاته، حقل جديد لتطبيقاتها، تلك اللوحات ذات الميزة الفنية الغريبة، والتي تحمل رائحة ولون الجحيم والخطيئة.

    ان اعمال " جيروم بوش 1450- 1516" هي شهادة حقيقية لخوف هذه البشرية تحت ظل السلطة الكهنوتية المتنكرة بسوادها القاتم، فمن هو " جيروم يوش" ؟ انه رسام فلمنكي منحدر من عائلة رسامين مقيمة في

    " شيرتوكينفو" ومن ذلك المكان تم اختيار اسمه المنتحل. كان عضوا في جمعية مريم العذراء الدينية. ويرتبط اسمه اليوم بحوالي ثلاثين لوحة وكثير من الرسوم التخطيطية. لذا فأن التسلسل التاريخي لاعماله يعتمد بشكل خاص على المعايير الاسلوبية. واسلوبه يبدو على الفور وكأنه ذاتي جدا بافتراض انه كان ذو معرفة كبيرة بعظام الرسم الفلمنكي، خصوصا  الفنان" بورتس". وكثير من خصائص فنه يؤكد على الاعتقاد بانه غير بعيد عن اسلوب الرسم المنمنم والمنقش الدقيق ذي الدرجات الحسية الوافرة والمتضمن على مجموعة غزيرة من مشاهد الشيطنة والغرابة( حيوانات خرافية قريبة من الاشكال الهامشية لخطوطات الرسم في القرن الرابع والخامس عشر).

    لقد اتاح اكتشاف اعمال " بوش" في حوالي القرن التاسع عشر، الفرصة لظهور الكثير من الكتابات النقدية. ان الرموز الغامضة التي تملأ اللوحة تلفت النظر كتكوينات كيميائية تقترب بدلالاتها من الادب وفن السير التاريخية للقديسين الشعبيين، ومن التراث المسرحي والادب المجازي.. الخ. فما يكتنف اعماله من غموض وابهام، مرده انه سعى الى تصوير ما يعتمل في دخيلة وجداته، نافذا ببصره الى الاعماق الدفينة للانسان التي تكتنز بالرغبات المكبوتة، مثلما نفذ اليها فرويد بعده بأربعة قرون.

    كما ان موضوع الخرافة والجنون يستولي على القسم الاكبر من اعماله، وخصوصا لوحته المشهورة(من الخطيئة الى الموت) التي كانت ثمرة لمناخ ذلك العصر الذي عانى من الازمات الروحية. ويضع العديد من النقاد الفنيين" بوش" بين المدافعين عن الارثدوكسية، او بين الملحدين، وتشير اعماله الاولى( االخطايا السبعة الرئيسية) و( المشعوذ) و( عصاب المجانين) او تلك التي تنحو منحا اخلاقيا نقديا، وخصوصا الاعمال الكبيرة كـ" حديقة الافراح" و" عربة العلف" و" يوم الحساب الاخير" و" اغراء القديس انطونيو" ولوحته الشهيرة" الشارد" تشير جميعا الى حس نادر في التأليف، حيث تسفر رؤياه الفنطازية الزاخرة عن كائنات غرائبية متنوعة ( حيوانية، نباتية، اشكال بشرية غير طبيعية) كدست بالتجاور عبر مخيلة الفنان غير المحدودة، وعبر حسه الروائي المتدفق، مشاهد جهنمية وشيطانية بتفاصيل شهوانية عنيفة. وفي اعماله الاخيرة يضع النقاد اللوحات التي تتبنى النظر الانجيلي عن عذابات السيد المسيح كلوحة" تاج الشوك" مثلا بانها تؤدي جميعا الى مستو متميز من التلوينية الداكنة، حيث تنكشف فيها رؤوس جانبية كاريكاتيرية حادة. ان عالم الفنان" بوش" قابع تحت سلطان الجحيم ببوابته الكبيرة المفتوحة، عالم خاضع لديكتاتورية الشيطان بحيواناته ونباتاته الملعونة، عالم محكوم برعب الموت والنهاية الحتمية لهذا الوجود.

    ان مضمون لوحته" يوم الحساب الاخير" يتكرر من دون انقطاع حتى في اللوحات الاخيرة التي يعالج فيها موضوعات مغايرة.

    ان معظم لوحاته تصور الجحيم مقابلا للفردوس، او الحياة الزاخرة مقابل تهديد الفناء، كون نصفه مشّوه متفكك مهيمن عليه من قبل الشيطان حيث الاحساس المضطرم بالخطيئة.

    ان السورياليين، بالاستناد الى دراسات فرويدية، يقترحون ارتباط لوحات" بوش" بالاحلام الخرافية واحلام اليقظة وهلوسات الوعي الباطني، معطوفة على تلك الثقافة الواسعة. اما المؤرخون الاكثر ميلا الى العقلانية، فانهم يفترضون ان "بوش" كان عضوا في جمعية هرطقية تدعى" الاداميين" تنطلق من مكانة الانسان في ، لاحياة فيهاالكون، واستقلاليته في الوقت الذي لايمكن اعتباره مسؤولا كليا عن خطاياه.

    ان لوحاته عبارة عن انمساخ رهيب للشر والكره، حيث النظام القلق للاشياء. ثمار هائلة   تتفجر في وسط اجساد عارية يمر عبرها موكب مخلوقات قبيحة، وفي مسافة بعيدة يبرز وميض حريق يذّكر بلهيب الجحيم، هذا الوميض الذي يعكر صفاء المشاهد الطبيعية والمديات الزرق حيث تبحر الاسماك والزواحف الخيالية، وبدون شك فان فهم عالم" بوش" كان اكثر سهولة لمعاصريه، في حين اضحى بالنسبة لمعاصرينا اكثر صعوبة، حيث الضرورة اضعف لتجعلهم يفسرون رموزه، او ينفذون لنوايا الفنان الخبيئة، مما عرقل التقييم الدقيق للقيم الفنية للوحاته. واذا كان عصرنا لاينطوي اليوم على ما يقابل المعنى الخفي للوحات" بوش" فنحن قادرون على ان نفهم بشكل تام عصره والعالم الذي انتج فيه روائعه التي تنم عن شعور ديني حاد، وعن صراع قاس بين الخير والشر، بين الله سبحانه وتعالى وبين الشيطان، وعن تلك الحسية القوية الغارقة في الملذات الجسدية للفلمنكيين وصوفيتهم على السواء. لم تكن الاخلاقيات الاباحية والحروب الكلامية سوى حفلات جدل وهجاء ضد الكهنة وضد الجماعات المتكاثرة على اطراف الدين.

    فنان آخر اكثر معاصرة، هو الايطالي جيورجو كيريكو(1888ـ 1978) والذي كان من بين الفنانين الايطاليين الذين وقعوا على بيان الداد لسنة 1920.، اسس مع زميلة الفنان الايطالي المستقبلي كارلو كارّا ما عرف باسم " المدرسة الميتافيزيقية، وانجز قبل ظهور الحركة السريالية اعمل مهمة ذات طابع خيالي لا واقعي، اعتبرها النقاد بمثابة ضربا من الخرافة، وكان لها اثر كبير على تطور الفن السريالي. نلاحظ في اغلب منجزاته الفنية، ارتباط مباشر بالتصوير الغيبي، تتخلله ايهامية، مستعينا بالمنظور العلوي والاضواء والظلال الهلسية. ومع اعماله التي تأثر بها جيل كبير من الفنانين السرياليين امثال ماغريت، دالي، تاغي، دلفو، ميرو، ماسون، متى، وعشرات غيرهم، ننتقل من نموذج العالم الخارجي، المرئي، الى النموذج المنبثق عن العالم الداخلي الذي يحمل الهلوسات والخرافات، والغيبيات، فقد عزل هذا الفنان هذه العوالم عن محيطها الطبيعي كما تعودنا ان نراها، ووضعها داخل اطر جديدة اكثر تخيلا لتوحي بغرابة الاشياء وزلتها وفراغها وهي تعكس عوالم ذات طابع حلمي مصدرها التقابل اللاعقلاني مليئة بالخوف والقلق، كما الحال بلوحته النموذج التي اطلق عليها اسم" نشيد الحب" حيث يجمع الفنان بين رأس تمثال يوناني وكف جراح وطابة وقاطرة، وضعت كلها وسط ابنية ذات قناطر توحي بالفراغ، وتعبر عن تداعيات قد تكون على علاقة بهواجس الفنان الغيبية.
     

    *موسى الخميسي
    كاتب وفنان تشكيلي
    يعمل ويعيش في ايطاليا
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit