قراءات في الديمقراطيه
    الأربعاء 17 مايو / أيار 2017 - 20:16
    د. عقيل جبر
    الديمقراطيه وهي حكم الشعب تم تبنيها كنظام للحكم بديل عن الانظمه العسكريه والدكتاتوريه من قبل الكثير من دول العالم الثالث خلال العقود الماضيه ولكن بنجاحات متفاوته تبعا للخلفيه التاريخيه والعقائدية اضافة الى مدى تجذر ثقافة تقبل الرأي الآخر لتلك الشعوب و المجتمعات. وهنالك الكثير من الاتفاق على ان احد اهم العناصر التي تميز النظام الديمقراطي عن النظام الشمولي هو قدرته على امتصاص الصدمات ومواجهة التحديات التي تعترض طريقه وتصحيح المسار مستفيدا من توفر الآليات الضروريه التي تضمن استمرار وترسيخ العمليه الديمقراطيه ومنع محاولات البعض للاستئثار بالسلطه بعد التسلل اليها عبر الآليات الديمقراطيه،  وهذا يقودنا الى التاكيد على ان اجراء الانتخابات هو عنصر واحد فقط من عناصر الديمقراطيه اذ ان الانظمه الشموليه ايضا تمارس الانتخابات علي مستويات عده ولكن الناخب في نهاية الامر لا يملك القدره على تغيير حكامه ان شاء ذلك لتحقيق التداول السلمي للسلطه الذي هو اهم ركائز الديمقراطيه.

     ومن اهم التحديات التي واجهتها الديمقراطيه منذ نشوئها هو ما شهدته اوروبا ومناطق اخرى من العالم منذ بدايات القرن العشرين من ظهورلتيارات سياسيه ذات توجهات شعبويه اتخذ بعضها منحى غوغائيا من خلال قيادات تمتلك الكاريزما المؤثره والجاذبه للجمهور والقادره على أثارة مشاعرهم بوعود براقه ومخاوف مبالغ  بها من أعداء وهميين وقد توجت هذه التوجهات بوصول قادة الحركات النازيه والفاشيه الى قمة السلطه وما نتج عن ذلك من كوارث هائله وتغييرات جيوسياسيه لا زالت اصداؤها حاضره الى يومنا هذا،  ولذلك كان الرهان دائما يقع على ما كان متوقعا من حصانة اكتسبها المواطن الغربي من التجارب الماضيه ضد هذا الأندفاع ولكن المؤسف ان مسار الاحداث خلال الفتره القصيره المنصرمه يؤكد عكس ذلك،  فقد نجح التيار الشعبوي في غفلة من الزمن من استمالة الرأي العام البريطاني لصالح الخروج من الاتحاد الاوربي او ما يصطلح عليه البريكست مما ادخل البلد في دوامة يصعب التكهن بكيفية الخروج منها.
     
     وضمن نفس التوجه الشعبوي في اطاره العام تم انتخاب دونالد ترمب لرئاسة الولايات المتحده الامريكيه خلافا لتوقعات المراقبين وفي كلتا الحالتين البريطانيه والامريكيه كان التركيز من بين امور أخرى على مشاكل الهجره المتزايده التي تعاني منها دول الغرب الرأسمالي، والملفت للنظر هو هذا التباين الواضح بين نتيجة الاستفتاء المؤيده للبريكست والرأي المعارض لها من غالبية البرلمانيين ورجال الاعمال والاكاديميين كما اكد ذلك ما نشر من إحصائيات حول هذا الموضوع،  وهذا التباين يثير الكثير من التساؤلات حول مشروعية الاستفتاءات في النظم البرلمانيه بما لها من مردودات سياسيه واقتصاديه بعيدة المدى يجد المواطن البسيط صعوبة بالغه في استقراء نتائجها مما تدفعه الى اتخاذ قراره بدوافع ليست بمجملها عقلانيه تحت تاثير المد الشعبوي السائد في تلك المرحله.

    أما في المنطقه العربيه فان المخاض الديمقراطي الذي صاحب فترة الربيع العربي كان ولا يزال العنف هو سمته البارزه ويبدو أن السقوط الدراماتيكي للأنظمه الدكتاتوريه أدى الى تقويض سلطة دولها وأختلال نظمها الأمنيه مما وفر الظرف المناسب لتنامي واستفحال ظاهرة التطرف والارهاب ، اما في الحاله العراقيه فان خصوصيتها تنبع من كون سقوط النظام السابق تم بعامل خارجي مما جعل النظام الجديد يستمد شرعيته فقط من صناديق الاقتراع  بغياب واضح لارث وطني حاضن لمكوناته القوميه والدينيه والمذهبيه قادر على لملمة الصفوف والانطلاق نحو هدف تشكيل الدوله الوطنيه والديمقراطيه،  وقد رافقت عملية التغييرفي مراحلها الاولى ولحد الآن تواجد كتل انتخابيه قائمة على اساس المكونات تنامت بين ظهرانيها تيارات شعبويه مستندة على ولاءات عقائديه وعائليه وعشائريه لا تمتلك برامج سياسيه حقيقيه قادره على الخروج من قوقعة المكون الى الفضاء الوطني الجامع، ولا غرابة اذن ان تستمر الديمقراطيه في العراق بشكلها التوافقي الى حين تبلور احزاب جديده عابره للمكونات وقادره على احتواء جميع العراقيين الذين يدركون تماما بعد هذا المخاض ألا خيار لهم غير الديمقراطيه.
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit