سر الدعوة القرآنية
    الأربعاء 17 مايو / أيار 2017 - 20:31
    أ. د. عبد علي سفيح
    بروفيسور.. مستشار وباحث لوزارة التربية والتعليم الفرنسية
    الظاهرة الاولى
    أن القرآن قريب وبعيد معا من اليهودية ومن المسيحية. وهذا هو لغز حير العرب والمسلمين بعلاقتهم مع أهل الكتاب وخلق روح التناقض في بعضهم.
    99 بالمائة منهم أخذ ظاهرة البعد وأعتبرها كأسلوب عقائدي، ومنهم تطرف في هذا الاتجاه الى تفسير هذا البعد بالتكفير. و واحد بالمائة أخذ ظاهرة القرب وأعتبرها كأسلوب عقائدي وسلوك انساني ومثال على ذلك السيد موسى الصدر.
    الآن سوف أبحث عن طريق القرآن وبالقرآن سر هذه الظاهرة.
    أن القرآن دعوة كتابية ( يؤمن بالتوحيد الكتابي المطلق). القرآن يشرع للعرب دين موسى وعيسى دينا واحدا بلا تفريق ( وشرع لكم من الدين ما وصى به نوحا وما أوحينا لك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) الشورى 13.
    والقرآن يشهد للاسلام بشهادة ( أولي العلم قائما بالقسط) آل عمران71.
    وهو ( أمة واحدة) الانبياء 91 مع أهل ( الكتاب والحكم والنبوة) المؤمنون53.
    وفي صحة دعوته تكفيه شهادة ( من عنده علم الكتاب) الرعد45.
    والقرآن هو ( آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) العنكبوت49.
    بل هو ( تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب) يونس36.
    ويصرح أيضا (أنزل اليكم الكتاب مفصلا) الانعام114. وينتسب انتسابا مطلقا الى موسى ( ومن قبله كتاب موسى اماما ورحمة ) هود17، الاحقاف12. كما ينتسب القرآن انتسابا مطلقا الى المسيح والانجيل. فالمسيح هو خاتم أنبياء بني اسرائيل ( وأتيناه الانجيل فيه هدى ونور.....وهدى وموعظة للمتقين ) أي للعرب. المائدة49. ويؤمر النبي العربي أن ( يقتدي) بهدى أهل الكتاب ( فبهداهم أقتده) الانعام90. والقرآن يؤمر الرسول(ص) أن ينظم الى المسلمين من قبله ( وأمرت أن أكون من المسلمين) النحل90.
    والخلاصة الحاسمة أن القرآن ينتسب انتسابا مطلقا الى اليهودية والى المسيحية ( قل يا أهل الكتاب لستم على شيئ حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل اليكم)، وفي نفس الوقت، القرآن يجاهد اليهود لأنهم كانوا ( أول كافر به ) البقرة41 وهم قبل المشركين ( شر البرية ) البينة و( أشد عداوة للذين آمنوا ) المائدة85.وفي آخر أمره، في آخر سورة منه يأمر جماعته بقتال المسيحيين العرب ( حتى يدفعوا الجزية عن يدهم وهم صاغرون....وقالت النصارى المسيح بن الله ) التوبة30-31.
    فهذا هو الواقع القرآني: تراه في آن واحد قريبا وبعيدا معا من اليهودية، وقريبا وبعيدا معا من المسيحية. فما هو سر القرآن الذي حير العرب والمسلمين في سلوكهم؟
    الظاهرة الثانية
    أسلوب التعبير في لغة القرآن ومفرداته. القرآن هو عربي وبلسان عربي. لماذا أستخدم القرآن مفردات كثيرة وغير عربية ومنها لم نسمع بها أبدا في الشعر الجاهلي؟
    منها: قوله  (أخلد) أي ركن. ( اذ قال للأبيه آزر ) أي أعوج، أو مخطيئ. ( أسباط ) أي قبائل. ( أسفار ) أي الكتب بالسريانية. ( أكواب )أي الاكواز بالنبطية. ( أل ) أسم الله بالنبطية وكل اللغات السامية. ( الاواه ) أي الدعاء بالعبرية. ( بكل بعير ) أي كل مايحمل عليه. بالعبرانية.( فناداها من تحتها ) أي بطنها بالنبطية. ( جهنم ) فارسية. ( وقالوا حطة ) أي صوابا بالعبرية. ( حواريون ) أي غسالون بالنبطية. ( درست ) أي قرأت بلغة اليهود. ( راعنا ) سب بلغة اليهود. ( ربانيون ) سريانية. ( الرحمان ) في العبرية يقولون الرخمان أي الذهب الميرد.( وأترك البحر رهوا ) أي ساكنا بالسريانية. ( قد جعل ربك تحتك سريا ) أي نهر بالسريانية.( سفرة ) أي القراءة بالنبطية.( وأدخلوا الباب سجدا ) أي مقنعي الرؤوس بالسريانية. ( طور سنين ) أي الحسن بلسان الحبشة. وطور معناها الجبل.( سيناء) أي الحسن بالنبطية. ( أهدنا الصراط المستقيم ) انه الطريق بلغة الروم. ( صلواة ) أي الكنائس بالعبرانية والسريانية الى يومنا هذا.( جنات عدن ) أي جنات من العنب بالسريانية. ( فردوس ) أي بستان بالرومية. ( فوم ) أو ( فومها ) أي الحنطة بالعبرية.
    ( القسط ) أي العدل بالرومية أو ( القسطاط ). ( القمل ) أي الذباب بالعبرية والسريانية.
    ( الحي القيوم ) الذي لا ينام بالسريانية. ( يمشون على الارض هونا ) أي حكماء بالسريانية. ( وراء ) معناها أمام بالنبطية. ( يس ) أي يارجل بالحبشية. مثل ( طه ).
    ( اليم ) البحر بالسريانية. ( والاعناب تتخذون لكم سكرا ) سكرا أي خمرا. ( آتيناه الكتاب والحكم ) أي الكتاب والحكمة بالسريانية.
    اذن ما هو سر استخدام القرآن كل هذه التعابير وخاصة استخدام مصطلحات التوحيد بتعبيرها السرياني مثل ( الرحمن الرحيم ). ( الحي القيوم ). ( السراط المستقيم ).
    ( قل هو الله أحد ). لاحظ أن العرب في الاثبات يقولون واحد. أعطني ثوب واحد. لكن في النفي يستخدمون أحد. لا أحد ينام بعد اليوم.
    ما هو سر نقل القرآن الكريم حرف التوحيد ، التوحيد التوراتي؟
    الظاهرة الثالثة
    معجزة القرآن تكمن في اعجازه.
    المعجزة تعني أمر خارق للعادة وعادة مقرون بالتحدي. مثال: تحدي موسى لفرعون بعصاه السحرية. تحدي عيسى بأحياء الموتى واشفاء المرضى. أما تحدي الرسول محمد (ص ) كان للعرب بأعجاز القرآن.
    الأعجاز هو خرقة للعادة في الاسلوب والبلاغة. الجاحظ يقول: أن معجزة القرآن تكمن في نظمه. أي الشعر ينظم بطريقة أما القرآن فقد نظم بطريقة غير مألوفة عند العرب. أما المفسرين للقرآن فقد يضيفوا للاعجاز هو الاخبار بالغيبيات ( السيوطي ). وهذا غير صحيح لأن أخبار القرآن موجودة في كتب سبقة القرآن ( ان هذا لفي الصحف الاولى )و ( وشهد شاهد من بني اسرائيل على مثله ).
    القرآن تحدى العرب بأعجاز نظم الآيات.( فآتوا بحديث مثله ) و ( فآتوا بعشر سور مثله ) و (فآتوا بسورة مثله ) و ( أجل لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ).
    هذا التحدي كان للعرب المشركين الذين نكروا القرآن وقالوا ان هذا الا سحر وقالوا علمه أعجمي وقالوا درسه مع من قبله. لكن الظاهرة الغريبة أن التحدي( بمثله ) توقف لمل أنتقل الخطاب من المشركين العرب الى أهل الكتاب اليهود والنصارى. فما سر ذلك؟
    الظاهرة الرابعة
    القرآن يستخدم أسلوبا خاصا.مع الاسف لم يدرك كثير أو معظم المفسرين هذا الأسلوب الخاص بالقرآن. اكتشاف هذا الاسلوب قد يسهل كثير من التناقضات التي يعيشها المسلمون اليوم. القرآن يستخدم أسلوب التخصيص في مظهر التعميم. مثل: (الاعراب أشد كفرا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ) التوبة97. وكذلك ( قالت الاعراب آمنا....) الحجرات14.
    الاعراب يقصد به البدو. وكان حينذاك البدو يمثلون أكثر من ثلثين السكان في الجزيرة. اذن هذه الآيات لا تشمل كل البدو. فقط نزلت بحق عشيرة من الانصار في المدينة وأسمها بني أسد. وهذه القبيلة لا تمثل حتى خمسة في المائة من البدو. لكن القرآن عم الآية بدل تخصيصها.
    مثال أخر على ذلك:( أم يحسدون الناس –يعني الرسول- على ما آتاهم الله من فضله-يعني النبوة- )النساء53. هنا يستخدم القرآن المظهر العام هم الناس بدل المظهر الخاص وهو الرسول(ص).
    مثال آخر مهم هو ما يشمل أهل الكتاب: أهل الكتاب هم اليهود والنصارى. ( ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن –يعني النصارى- الا الذين ظلموا- يعني اليهود- )العنكبوت45. وكذلك ( قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ) آل عمران64. وكذلك ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ) البقرة121.
    واطلاق القرآن أسم النصارى على المسيحيين وعلى النصارى من بني اسرائيل أمثال ورقة بن نوفل وسلمان الفارسي و...، يخلق فيه أيضا ظاهرة الازدواجية عند المسلمين الذين لم يدركوا هذا الاسلوب القرآني. فالقرآن تارة يكفرهم (وقالت النصارى المسيح بن الله )البراءة31، وأخرى يشهد بمودتهم واسلامهم ( ولتجدنهم أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى...) المائدة85. لكن هذه الظاهرة الازدواجية تزول بعد جدال وفد نجران وكفاح أهل مشارق الشام. يطلق النصارى على المسيحيين اليعقوبيون. وهؤلاء كفرهم المجمع الكهوني المسيحي في اليونان في القرن الخامس الميلادي أي قبل قرنين من ظهور الاسلام. فقوله _لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح عيسى بن مريم ) المائدة19 و75. وكذلك قوله ( لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاث ) المائدة 76. وقوله ( وقالت النصارى المسيح بن الله ) براءة31. القرآن يقصد المسيحيين اليعقوبيون. ويشير القرآن على النصارى الحقيقين من جماعة ورقة بن نوفل وسلمان الفارسي ( فآمنت طائفة من بني اسرائيل وكفرت طائفة ) الصف14. و( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) الاعراف158.
    سر الدعوة القرآنية : لماذا لا يسمي القرآن أتباع المسيح بالمسيحيين على الاطلاق مع أنه الاسم الشائع كان قبل وبعد ظهور الاسلام. بينما يسمي أتباع المسيح بالنصارى وهم طائفة خاصة تؤمن بالتوراة والانجيل ككتابين وشريعتين؟
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit