هادي حسن حمودي في قصيدة بغداد على مذبح الأمل
    الجمعة 19 مايو / أيار 2017 - 14:15
    د. أحمد نعمة
    باحث وأستاذ جامعي - لندن
    حين قرأت مطلع قصيدة أستاذنا المغترب الدكتور هادي حسن حمودي (بغداد على مذبح الأمل) تخيلت أنها قصيدة ثناء ومديح، ولكن كلما واصلت قراءتها تجلى لي الحنين والحزن يمتزجان بالأمل الذي قد يكون أملا مستحيلا، وما إن أنهيت قراءتها حتى أحسست بدموع تترقرق تحت الجفون.
    وحين رغبت بقراءتها قراءة نقدية كان لا بد أن أنتظر فترة كافية ليزول ذلك التأثر بها، خاصة وأني كنت قد زرت بغداد مرارا وتكرارا في القرن الفارط طلبا للعلم والدراسة الجامعية العليا. وعشقت بغداد وأمانة أهلها وطيبهم.
    تبدأ القصيدة بخطاب إلى بغداد: راية خفاقة بأمجاد التاريخ، حتى أن النهر والبر يغازلانها استرضاء ومحبة. وهي شمعة مصوغة من (عطور الهوى) تنير الدروب للعراقيين ومن أحب العراق (أعرقوا). هي واحة ومن أسمائها (دار السلام) تنتشر فيها العطور. وفي لياليها ترى النجوم تتلألأ في نهر دجلة كما يتلألأ الدرّ:
    أبَغدادُ يا رايةً تَخْفُقُ
    يُغازِلُها النّخلُ والزّورقُ
    ويا شمعةً من عُطورِ الهَوى
    تُنيرُ الطّريقَ لِمَنْ أعْرَقُوا
    ويا واحةً في هَجير اللَّظى
    وعِطْرُ الزّهورِ بها يَعْبُقُ
    ويا أنجمَ الدّرّ في دجلةٍ   
    يَمُوْرُ بها فَجرُها المُشْرِقُ

    كل هذا الخطاب والوصف لتأتي مرحلة التساؤل والعتاب لأهل دجلة والفرات مستهلا بقوله:
    أيبقَى العراقُ بآلامهِ
    وحيث طُموحاتُنا تُسْرَقُ
    وحيث الأمانيُّ مَوْءُوْدَةٌ
    وقد غالها مَدْفَنٌ مُغْلَقُ
    فأين تلوذُ طيوفُ الْمُنَى
    يطاردها الحقدُ والْمُوْبِقٌ؟

    (والموبِق: هو المعتدي الـمُهْلك).
    بهذه الأبيات إذن، تنتقل القصيدة من وصف بغداد إلى واقع المأساة المعاصرة والتي بدأت من عشرات السنين الفارطة، فالعراق يعيش الألم، وطموحات أبنائه مسروقة. ولا شك أن هذه الطموحات ليست فردية بالنسبة للشاعر وإلا لما غادر وطنه أصلا من عقود طويلة، وأتيحت له إغراءات عديدة بعد ذلك لم يستجب لها. الشاعر ينسى نفسه ومصالحه في طريق طموحات الناس في بلد ثري يريد أهله الأمن ليواصلوا مسيرة المدنية والحضارة. فماذا الآن في القصيدة؟
    الأزهار الذاوية، البراءة التي تغرقها تيارات العواصف، فرار (طيوف الـمُنَى) من قبضة الأرذل الذي يريد إهلاكها. رقاب تُنحر على مذبح الأطماع السياسية، الأطفال يخنقون في مهدهم لمجرد الانتقام الأسود. ولكن هل تنسى الثواكل أبناءهن المقتولين ظلما؟ هل ينسى اليتيم الذي أحرق الأراذل أباه؟ وهل تنسى الأم منظر إبنها وهو يسحق سحقا؟
    إنها تساؤلات تقع عندنا في البلاغة تحت مسمى الاستفهام الإنكاري والتقريري وهو أبلغ من التعبير المباشر. فهي تنكر على المجرمين ارتكابهم هذه الجرائم، وتقرر أن الواقع يعني أن لا أحد يرضى بالاستكانة للقتلة المجرمين:
    أننسى الخرابَ وآثامَهُ؟
    أم الحبَّ في مَهْدِه يُخْنَقُ؟
    أتنسَى الثواكلُ مَن قَدْ ثوى؟
    وينسى اليتيمُ أبًا يُحْرَقُ؟
    وهل غابَ عن عين والهةٍ
    خَيالٌ لواحدها يُسْحَقُ؟

    إنها صور فنية متلاحقة بخيال خصب وألفاظ سهلة، ليصل إلى الأهداف التي تريد تقدم العراق وتطوره، وذاك هو السهل الممتنع، صياغة وأسلوبا وغاية وهدفا، لا كالقصيدة الكيميائية المتكلفة التي تدور حول نفسها بجعجعة فارغة.
    فيما سبق رأينا بغداد الجميلة الساحرة الساهرة، قدمها لنا الشاعر العراقي الدكتور هادي حسن حمودي بأصالة فنية رائعة. ثم سمعنا تساؤلات موجهة لبغداد تثير المشاعر ضد الإرهاب وضد تدمير الوطن وتقسيم الشعب وتقزيم الدولة.
    وتنتقل بنا القصيدة إلى صورة أخرى لأوضاع العراق بعد الغزو (الداعشي) المرسوم مسبقا، ومدى تأثير ذلك على الأوضاع العراقية الهشة التي بدأ تهشيمها منذ سنة 1991. فتحولت الصورة إلى:
    وجاء الدواعشُ في غَزْوَةٍ   
    يُغنّي لها الأرْجَسُ الأحمقُ
    رِعاعٌ عن الجُرْم لا تَرْعَوي
    مِنَ السّحْتِ تَهْضِمُ ما تَلْعَقُ
    فَقتلُ اليتامى لهم لَذّةٌ
    كَنَوْحِ الثكالى ومَن أحْرَقُوا
    يَخوضُ الدّماءَ بَنو قِرْدَةٍ   
    شُيوخُ الضّلال ومَن نافَقُوا
    غُثاءٌ مِنَ الزِّيْفِ أفكارُهمْ
    فَسُبحانَ رَبّك ما يَخْلُقُ
    فيا أيّها المُبْتَغِي فِتْنَةً
    وأنت بها كَلِفٌ مُحْدِقُ
    ستلقى السعيرَ بأهوالهِ
    فإنّ الجحيمَ لكم مَغْرَقُ

    أما المقطع الثالث فيخاطب أبناء الرافدين، أبناء العراق المخلصين، يذكّرهم أنهم الذين بنوا حضارة سومر وأكد، بابل ونينوى، وصمموا الجنائن المعلقة التي هي إحدى العجائب السبع، ثم هم أبناء العرب الذين أسسوا العواصم الأولى للحضارة الإسلامية في البصرة والكوفة وبغداد، ومنها انتشر العلم شرقا وغربا:
    فيابنَ الحضارةِ من سُوْمَرٍ
    وأنت العراقيُّ والْمُعْرِقُ
    أما صُغْتَ بابلَ أعجوبةً
    جنائنَ آميسُ لها تَعْشقُ

    (آميس، هي سمير آميس صاحبة المسلة المشهورة قرب الجنائن المعلقة في بابل)
    ويابنَ الأماثلِ مِن يَعربٍ   
    ويابنَ العراقِ ومَن أعْرَقوا

    وليس ذلك فقط، بل إنهم الذين رفضوا الذل عبر التاريخ وقاوموا الطغيان، فلا يصح اليوم أن ينحنوا للمنافقين المتاجرين بالشعارات وزارعي الموت والدمار في أرض الرافدين:
    ومَنْ رَفضوا الذُّلّ في عَيْشِهِمْ
    وقد غَرّبوا العُمْرَ أو شَرّقوا
    فحاشاكَ أنْ تَنحنِي ذِلّةً   
    أتحنِي الجبينَ لٍمَنْ نافقوا
    لِمَنْ زرعوا الموت في داركم
    وحوشٌ تُصادُ ولا تُعْتَقُ

    فهؤلاء وحوش يجب اصطيادها وإنزال العقاب بها بلا رحمة ولا شفقة (ولا تعتق) أي لا يطلق سراحها في الصفقات.
    ثم يصف الشاعر هؤلاء القتلة بأنهم حرفوا الآيات ليرتزقوا من شعاراتهم الدينية المخادعة يستبيحون دماء الناس وأعراضهم وأموالهم:
    فهم حَرّفوا الآيَ عن غايها
    جُموعٌ من الدّين تَسْتَرْزِقُ
    فذاك البغيّ بأحْقادِهِ
    غُرابٌ على قِيْعَةٍ يَنْعَقُ
    وهذا زَنيمٌ على وَجههِ
    دِثارٌ من الحقدِ لا يُخْرَقُ
    وهاجَ البُغاةُ على غَفْلَةٍ
    مِنَ النّاس تَنْبَحُ أو تَنْهَقُ
    أيبقَى البُغاة وأزلامُهم
    مِنَ الدّمِ تَكْرَعُ أو تُهْرِقُ؟

    ومن أطرف الأوصاف لهم قول الشاعر الدكتور هادي بأن هؤلاء أكثر خبثا من إبليس بحيث إن إبليس يغرق في خبثهم:
    بُغاةٌ لإبليسَ تَسْبيحُهُمْ
    وإبليسُ في خُبْثِهِمْ يَغْرَقُ

    ****
    ثم ينتقل الشاعر إلى واقع كل مواطن عراقي في هذا الضجيج والعجيج، كأنه عصر يأجوج ومأجوج:
    فنحنُ العراقُ ونحنُ الألي
    ضحايا المَنونِ بنا تُحْدِقُ
    وَصِرْنا نَلُوذُ بأجدادِنا
    كأنّ الجُدودَ بنا أرْفَقُ
    ورُحنا نُشَنّفُ أسماعَنا   
    بصَوت الرَّصاصِ ومَن يُطْلِقُ
    فأينَ الفُراتُ بأمْواجِهِ
    وأينَ الأزاهرُ والزَّنْبَقُ
    وأينَ الأهازيجُ في نَشوة   
    لِيَشْدُو بها الطِّيْبُ والرّوْنَقُ
    وأينَ النّجومُ بِلألائها
    وأينَ البُدورُ وما تُبْرِقُ
    وأينَ النَّواسيْ على دجلةٍ
    وكأسٌ من الحبّ يَسْتَرْحِقُ
    وأينَ الليالي بآلافِها
    وكانَ العَييّ بها يَنْطقُ
    وأيْنَ الحَريصُ على مَوطنٍ
    يُشيّدُهُ العَدْلُ والمَوثِقُ؟

    ***
    سأتجاوز الآن خمسة وعشرين بيتا من قصيدة أستاذنا الدكتور هادي حسن حمودي (بغداد على مذبح الأمل)، منعا للإطالة، فقد فضلت، هنا، الانتقال عبر تلك الأبيات إلى خاتمة القصيدة التي تمثل المستقبل.
    فبعد أن رسمت ريشة الشاعر صورة بغداد الراية الخفاقة، ومنها انتقلت إلى بيان بعض جرائم المتعصبين الإرهابيين، ومنها إلى مخاطبة أبناء العراق الغيارى عليه. وبعد تجسيد جرائم (داعش) بصور فنية متلاحقة في تلك الأبيات الخمسة والعشرين التي عبرتها، يصل الشاعر إلى صورة المستقبل، فماذا يرى؟
    يعتقد الدكتور الشاعر أن الغد المشرق قادم، فالظواهر الموجودة الآن في الإعلام غير حقيقية. ويرمز إلى ذلك بالنخلة والزورق إشارة إلى مكونات الشعب العراقي التي ترفض الفرقة والتعصب:
    سيأتي العراقَ غَدٌ مُونقُ
    فما خاصمَ النّخْلةَ الزّورقُ

    وحينها، وبرغم أنف المعتدين والإرهابيين، وبرغم (ما أوسقوا) أي جمعوا:
    وَتزهو ببغدادَ أبناؤها
    برَغمِ اللئامِ وما أوْسَقوا

    ومرة أخرى العودة إلى بغداد التي هي دارة من رحيق الصبا والزنبق:
    فيا دارةً من رَحيق الصَّبا
    ويا روضةً عَطّرَها الزّنْبَقُ

    إلى بغداد، إذن، يرحل المغتربون، ومنها إلى النصر المؤزر على جميع أسباب التخلف. وهنا، يرسم الشاعر رمزا لذلك النصر أنه (سدرة المنتهى) والناس الطيبون:
    إليك شَددنا رحالَ الهوى
    يُضيءُ بها الغربُ والمَشْرِقُ
    عُروجا إلى سِدْرَة المُنْتَهى
    وحيثُ الأُولي طِيْبُهم يَعْبُقُ

    وبغداد التي هي نجمة السماء تضيء طريق العابرين الصادقين إلى (سدرة المنتهى) وليذهب الإقصائيون فداء وحدة العراق:
    ويا نجمةً من نُجوم السّما
    تُضِيءُ المَسارَ لِمَن أصْدَقُوا
    فسيري إلى المَجْدِ في وَحدة
    فداءٌ لعَينيكِ مَن فَرّقوا

    فبغداد، عند الشاعر، أنشودة يحن لها غدها المشرق، والعراق سيبنيه أهله، أهل النجدة والنخوة، على خطى البُناة الأوائل:
    أبغدادُ لا زلتِ أُنشودةً
    يَطُوْفُ بها غدُها المُشْرِقُ
    سَيبنِي العراقَ ذَوو نَخْوَةٍ   
    كما قد بنَى الرّائدُ الأسبقُ

    أحييك أستاذي الشاعر الكبير.. أعتذر عن أي خطأ في الفهم أو التعبير.. لك الشوق وكل المحبة أيها العراقي العاشق للخير.


    ppsamson11@yahoo.co.uk
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit