الامام علي شهيد التسامح
    الجمعة 16 يونيو / حزيران 2017 - 03:28
    أ. د. عبد علي سفيح
    بروفيسور.. مستشار وباحث لوزارة التربية والتعليم الفرنسية
    كم من الرجال ساروا على نهج علي(ع)؟ أليس الولوج في أسرار وعمق شخصيته بالأمر العسير؟ فإنه شخصية استثنائية لا يقرن بها أحدُ بِدءاٌَ من ولادته في جوف الكعبة، وانتهاءاٌ برحيله من الحياة في محراب العشق الالهي الذي قال فيه فزت ورب الكعبة، ولم تنته حياته بموته، بل استمرت ما بين مغال فيه أو قال! فهو لم يأت الى دنياه بمثل ما يأتيها عموم الناس، وقد عاش حياته وكأنه خُلق لأجلها، ولما أتت إليه الدنيا بقيَ زاهدا عنها، فعمل لها وكأنه يعيش أبدا، وزهد عنها وكأنه يموت غدا.

    ليس من الحكمة أن نربط عبقرية هذا الرجل بخيوط الأحداث التي بعثرتها حوله ظروف البيئة كما تبعثر الريح الرمال، علي(ع) تجاوز التأريخ وأصبح الحاضر المستمر، وتعدى حدود الزمن، ومن التقصير بحق الإنسانية أن نحصر عليا في حدود جغرافية صنعتها الأحداث من ولادته في مكة، وهجرته الى المدينة، وذهابه الى البصرة، واستقراره في الكوفة كعاصمة للخلافة حيث مقتله، فإن جغرافية علي (ع) تعدت هذه الحدود، لأن حدوده هو الوجود الإنساني كله، فمفهوم وحدة الأمة عند علي(ع) تنشأ عن مفهومه لوحدة الأنسانية حيث هو القائل (اما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).

    وضع الإمام علي خلال مسيرته التي لا تزال معينا لا ينضب من الفضائل والمكارم، أصولا كثيرة في التعامل والتي على أساسها تتعزز وحدة الأمة وحماية كرامة الأنسان، في وقت دأبت تلك الأمة على الشقاق والانقسام، وكان يوصي المسلمين: (ألزموا السواد الأعظم فإن يد الله مع الجماعة وإياكم والفرقة).

    هذه الأصول إستنبطها علي(ع) من القرآن والسنة المطهرة، كان (ع) حريصا على أن ينشيء نظاما للحكم يصون كرامة الإنسان لأنه الأقدس من بين مخلوقاته  "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً". الإسراء آية 70 .

    ولقد بذل علي(ع) كل طاقته بعد مقتل عثمان بن عفان لإعادة وحدة الأمة، ولم يقبل الخلافة الا من أجل ضمان وحدة الرعية. فإنه غلّب الدين على السلطةة، ولم يكن إهتمامه بالسلطة بقدر إهتمامه بمصلحة الناس. وكانت رؤية علي (ع) لوحدة الأمة نابعة من مفهومه للدين كنظام، وللقرآن كدستور يجتمع حوله الناس، والقرآن يؤكد في آيات كثيرة على وحدة الأمة بقوله (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فاعبدونِ) سورة الانبياء، الآيتين 92، وكان علي يعتبر تمزق الأمة وإنقسامها ناتج من سوء الفهم للقرآن، مما يؤدي الى سوء الفهم لعقيدة التوحيد، إذ يقول " ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد، فهل أنزل الله سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه؟ أم أنزل الله دينا تاما فقصّر الرسول(ص) عن تبليغه وإداءه؟ والله سبحانه يقول" مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ، وفيه تبيان لكل شيء، وذكر: أن الكتاب يصدّق بعضه بعضا، ولااختلاف فيه فقال سبحانه (أفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا )، وأن القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقض غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به.

    فالإمام علي(ع) يؤكد أن الإختلاف نشأ بين المسلمين من عدم التفقه في القرآن، وعدم أخذه كمرجعية والذي به تتوحّدُ الكلمة والأمة. كان للقرآن مكانة خاصة في حياة علي(ع)، كما في وصفه إياه  "نورا لا تطفأ مصابيحه، و سراجا لا يخمد توقده، وبحرا لا يدرك قعره، ومنهاجا لا يضل نهجه، وفرقانا لا يخمد برهانه، فهو معدن الإيمان، وبحبوحته، وينابيع العلم، وبحوره، ورياض العدل وغدرانه، جعله الله ريا لعطش العلماء، وربيعا لقلوب الفقهاء، وبرهانا لمن تكلم به، وفلجا لمن حاج به، وآية لمن توسم به، وحديثا لمن روى، وحكما لمن قضى" .

    علي ولد مع ولادة القرآن، ونمى مع التنزيل، وأكتمل مع إكتماله، فهو وبحق قرآن ناطق.  ومن أراد أن يفهم هذه الشخصية فهما يليق بمنزلته، عليه أن يدرس القرآن ويقرأه قراءة باحث عن أسراره ومكامنه حتى يتمكن أن يفهم الأسرار العجيبة التي أدت الى أن يكون إبن أبي طالب عليا وسرا إلهيا، وأن التأريخ الذي كتب عنه لا يكفي لفك مفاتيح أسرار شخصيته(ع)، أن التأريخ ومع الأسف لم يدون الا الحروب والمعارك التي خاضها دفاعا عن وحدة الرعية، وحفظا لكرامة الإنسان، ورعاية لحدود الاسلام، القرآن بالنسبة للإمام علي(ع) هو دعوة، وكل دعوة عبارة عن حوار، فالقرآن دعى الناس للحوار، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) سورة الحجرات آية 13 ، ولم يُنزَل للتخاصم، فالله سبحانه يبين في الآية المباركة أن الحياة" إِنَّا خَلَقْنَاكُم... وَجَعَلْنَاكُمْ.." هدفها التعارف أي الحوار، وقد بين القران الاطار العام لهذا الحوار بقوله تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) سورة النحل 125 ، وكان علي(ع) يرى أن الحوار مع الناس يجب أن يسبقه حوار مع الذات كما أوضح هذا المفهوم بقوله: " معلم نفسه ومؤدبها أحق بالأجلال من معلم الناس ومؤدبهم"  ، فالحياة بالنسبة الى علي هي حوار، ووجود العنف دليل على إنعدام الحوار،  مما يؤدي الى توقف عجلة التقدم في الحياة.
    الإمام علي(ع) أرسى أجمل وأبدع وأكمل قواعد للحوار التي بها تتوحد الأمة وتصان كرامة الإنسان وتقدس الحياة وأشار الى قواعد ومرتكزات أساسية للوصول الى تلك الأهداف العليا منها:

     القاعدة الأولى: تغليب رأي الأكثرية وإحترام الأقلية لها
    هذا المبدأ إعتبره الإمام كقاعدة أساسية للتعايش و ضمان وحدة الأمة " والزموا السواد الأعظم " وبدونها لا يمكن بناء أي حوار مع الأخر، وهو مبدأ إحترام رأي الأغلبية (العامة) من قبل الأقلية (الخاصة) مهما كان قرب الأغلبية من الصواب او الخطأ، كما إنصاع علي عليه السلام لرأي الأكثرية في صفين حينما أراد منه جمع من جيشه إرجاع مالك الأشتر من متابعة معاوية بن ابي سفيان حيث طلب منه الأشتر أن يمهله وقتا {كحلبة شاة} ليقضي على معاوية وينهي عصيانه والى الأبد، ولكن عليا الخليفة لم يمهل مالكا نزولا عند رأي الأكثرية إرضاءا لهم حتى في أحلك الأوقات عليه وهي حالة الحرب والقتال،  وهذه القاعدة سارية المفعول في تعيين أمراء للناس وفي إتخاذ القرارات الحاسمة اليومية وفي أصعب الأمور، وقد وضعها الرسول(ص) واحترمها في واقعتين كبيرتين من حياته وهما:

    الأولى: قبل بدء معركة أحد حيث أشار الرسول على أهل المدينة أن يبقوا فيها ويقاوموا المشركين من داخلها، فأيده في ذلك عدد غير قليل من أصحابه، إلا أن الأكثرية رفضوا هذا الإقتراح، لأنهم تصوروا أن الفكرة تتنافى مع تقاليدهم وفضلوا الخروج للأعداء خارج المدينة، فنزل الرسول عند رغبتهم لأنهم كانوا يمثلون الأكثرية.

    والثانية: في أحد الغزوات نزل الرسول(ص) عند رغبة الأكثرية في عملية تقسيم الغنائم رغم معارضته لهم، حيث عالجها بطريقة لا تمس وحدة الأمة ولا تنقض مبدأ إحترام الخاصة رأي العامة، فالإمام علي سار على هذا النهج وعززه، ومن كلامه لمعاوية بن أبي سفيان " انه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد ".

    قال الخوارزمي الحنفي في كتابه المناقب: ومن كتب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) لمعاوية قبل نهضته الى صفين: أمّا بعد.. فإنّه لزمتك بيعتي بالمدينة وأنت بالشام؛ لأنّه بايعني القوم الّذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يردّ) ومعنى هذه العبارة: إن كان معاوية يرى صحّة خلافة الّذين سبقوا الإمام (عليه السلام) وأنّ المسلمين قد بايعوهم، فما يكون لمعاوية بعد هذا إلاّ الانصياع للأمر الّذي ألزم به نفسه ويبايع الإمام (ع)؛ لأنّه قد بايع الإمام (ع) القوم الّذين بايعوا السابقين عليه، وإلاّ فيكون ممّن اتّبع هواه فتردّى، الأمر الّذي أشار إليه الإمام (ع) في نهاية رسالته إليه: (ولعمري يا معاوية! لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمنّ إنّي كنت في عزلة عنه إلاّ أن تتجنّى؛ فتجـنَّ ما بدا لك!) وهذا تطبيق عملي لقاعدة الالزام عند الفقهاء والقانونيين، وما على معاوية الا الانصياع والطاعة.

    ومن كلامه الى مالك الأشتر النخعي عندما ولاه مصرا " وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة وإن سخط الخاصة يغتفر برضا العامة "

    وأما في صفين وفي هذا الحدث الكبير يؤكد لنا جليا وبدون أي شك مفهوم الإمام لحكم الناس ضمن هذه القاعدة الأساسية وهي قبول حكم الأغلبية  حتى لو وضعت تجربته في مهب الريح، وفعلا كان الإمام يدرك أن تجربته سوف تتعرض لأشد المخاطر، حيث قال " لم يزل أمري معكم على ما أحب الى أن أخذت منكم الحرب...  ألا اني كنت بالامس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا، وكنت ناهيا فأصبحت منهيا، وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون".

    حكم الأغلبية اعتبره الإمام دستورا يجب الالتزام به وأن يخضع له كل الناس من أميرهم الى مأمورهم لأن بها دون غيرها تتحقق وحدة الأمة وبناء الحوار الصحيح، ومن أجل موقفه من الخاصة والعامة أحبه العامة وارتضوه إماما وهاديا ومهديا، وأنكره معظم الخاصة وأهل المطامع، وفضلوا لغة القطيعة على لغة الحوار، ورغم ذلك كله لم يغلق الإمام الأبواب في وجوههم حيث استمر ببعث الرسائل والوفود لدفع الحرب وإجتثاث ثقافة العنف كبديل لحل الخصومات بالطرق الدستورية المبنية على الحوار.
     
    القاعدة الثانية:  الحوار هو كشف الحقيقة، وحسن الظن بالآخر
    لقد كان عصر خلافة علي(ع) عصرا مضطربا، لأن الرجل في ذلك الزمن كان يمسي مؤمنا بخلافته ومطيعا لأوامره، ويصبح متطلعا للالتحاق بمعارضيه، وقد وجد الإمام عليّ(ع) أن التغيير الحاصل في حياة الناس وتطلعاتهم نحو الرخاء أوصلتهم الى حالة جعلتهم يصدّقون أي شئ في الفريقين (الخاصة و العامة) ، فكان أسلوبه مع الناس أسلوب المكاشفة والشفافية، فقال لهم ((يا أيها الناس من عرف من أخيه وثيقة دين وسداد طريق فلا يسمعن فيه أقاويل الرجال، ولا تسيء اللفظ وإن ضاق عليك الجواب، ولا خير في الصمت عن الحكم، كما أنه لا خير في القول بالجهل، تكلموا تعرفوا، فإن المرء مخبوء تحت لسانه)).

    وكان مصدر إلهام علي(ع) هو الكتاب والسنة في كل أحكامه ومواقفه، حيث نشأ مع القرآن نشأة المروءة والنصيحة والمكاشفة في الحق، لأنه لا موقع للرياء والغش في قلبه (ع) وعمله، لأن ممارستهما هو من قبيل الشرك بالله سبحانه!وكان يعظ الناس بقوله ((رأيت رسول الله(ص) يبكي، فسألته مايبكيك يا رسول الله؟ قال لي: أني تخوفت على أمتي الشرك، أما أنهم لا يعبدون الشمس ولا القمر ولكنهم يراؤون بأعمالهم)) فالرياء عند الإمام علي هو نقيض الحوار السليم وهو بمثابة الشرك.

    قال يوما للخوارج ((أكلكم شهد معنا صفين؟ قالوا: منا من شهد ومنا من لم يشهد، فقال لهم: فاحتازوا فرقتين، فليكن من شهد صفين فرقة ومن لم يشهده فرقة، حتى أكلم كلا منكم بكلامه)) كان هدف الإمام هو إزالة الشك من قلوب الناس لوأد الفتن قبل طلوعها، وكان الإمام يحسن الظن بالناس رغم معارضتهم له، ويبصر أن التغيّرات السريعة في حياة المسلمين من قبيل الرخاء الذي أصابهم جعلتهم لأن يتخذوا المواقف الغير السليمة، طبقا لقوله تعالى(إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) سورة العلق، آيات 6-7 ، فالمكاشفة النزيهة والحوار المسؤول هما السبيل الأسلم لضمان سلامة الرعية من الانحراف.

    ويذكر التاريخ أن عبد الله بن عمر بن الخطاب لم يبايع عليا بالخلافة، ففي حادثة كفله الامام علي بنفسه وقال (أنا له ضامن)، فلم يشهد التأريخ أن حاكما يكفل معارضا له ويأبى بيعته إلا علي بن ابي طالب، لأنه لم يرد غلق باب الحوار الذي هو الصلة المتبادلة حتى مع الخصوم، فإن حسن الظن بالآخر هو أساس استمرار الحوار، حيث لم يرغب علي (ع) استعمال السلاح والعنف، وقمع الإرادة والحرية.
     
    القاعدة الثالثة: الحوار من أجل البناء
     الحوار الصحيح مناظرة لا مهاترة، تعارف لا تخالف ، حديث مودة لا حديث بغضاء، الحوار الموضوعي بنظر الإمام علي(ع) يفترض التسامح والتفاهم والأحترام والتقدير بين المتحاورين، فإن شرعة اللاعنف التي نادى بها عليه السلام في مسيرة حياته هي شرعة الرسول(ص)، وشرعة الحوار الصحيح في الحقيقة الدينية، هي أصلا شرعة القرآن (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة البقرة 256، فالعقيدة الصحيحة المبنية على القرآن تفرض إحترام المحاور مهما كان رأيه، ويجب تقدير عقيدته، وإن كنا لا نأخذ بها، ولقد سن القرآن هذه السنة بقوله تعالى: ((لكم دينكم ولي دين)) سورة الكافرون.

    ومما يؤدي الاختلاف من وقوع تدافع بين الناس يشكل أحد أهم مقومات بناء الأرض ورفع الفساد عنه كما عبر القرآن عن هذه الحالة بقوله تعالى ((وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ)) سورة البقرة 251

    جاء أحد الخوارج واسمه الخريت بن راشد الى الإمام علي(ع) بعد رفع المصاحف وانتهاء التحكيم، وجرى بينهما حوار أمام الناس، فقال الخريت لعلي: لا والله من اليوم لا أطيع أمرك، ولا أصلي خلفك، وأني غدا لمفارق لك.فقال له علي: ثكلتك أمك، إذن تنقض عهدك، وتعصي ربك، ولا تضر الا نفسك، فأخبرني لم تفعل ذلك؟
    أجاب الخريت: لأنك حكمت في الكتاب، وضعفت عن الحق إذ جد الجد، وركنت الى الذين ظلموا أنفسهم، فأنا عليك راد، وعليهم ناقم، ولكم جميعا مباين.
    أجابه علي: ويحك هلم إلي أدارسك وأناظرك في السنن، وأفاتحك أمورا من الحق أنا أعلم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت الآن منكر، و تبصر ما أنت عنه علمُ وبه جاهل.

    قال الخريت: فأنا غاد عليك غدا، ثم إنصرف من عند عي ولم يعد الخريت في الغد ولا بعد غد، وبقى على مفارقته لعلي، فجاء أحد أصحاب علي مشيرا عليه بأن يقبض على الخريت فرفض (ع) هذا الطلب.

    وهناك حوار آخر حدث بين الإمام علي(ع) والحبيب بن مسلم الفهري (وكان من الخوارج). حيث جاء الحبيب بن مسلم الفهري الى الإمام علي مخاطبا إياه: إعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم.فقال له علي: وما أنت وهذا الأمر! أسكت فإنك لست هناك ولا بأهل له.فقام الحبيب وقال لعلي: والله لَتَرَيَنّي بحيث تكره! فأجابه علي: لا أبقى الله عليك إن أبقيت عليّ! إذهب فصوّب وصعـّـد ما بدا لك.

    فالحوار في الحادثتين السابقتين هو حوار رجل من الرعية مع الخليفة مع تحكّم المفهوم السيادي المعروف للخلافة آنذاك، ومن قراءة الحوار مع حبيب الفهري يتبين انه لم يكن رفض الطاعة فحسب، بل أشهر العداوة وأعلن الحرب علانية، ورغم ذلك تركه علي حرا، وكان العرب يعرفون جيدا أنه لا يسفّهُ في مجلس علي رجل مهما كان رأيه.
     
    القاعدة الرابعة:  الحوار هو حديث إيمان لا حديث تكفير، وحديث معرفة لا حديث شتم وتحقير.
    لم يكن الإمام علي(ع) رجلا مستبدا برأيه وهو القائل (من إستبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركهم في عقولهم، ومن إستقبل وجوه الآراء عرف مواقف الأخطاء)  وكان يسعى الى فهم الغير قبل الحكم عليه، إذ يصح أن نصدر حكما بالإستناد على ماعندنا وحده فقد يكون ماعنده صحيحا كما نعتقد صحة ما عندنا، والحقيقة تنشد الحقيقة، هذه الشرعة أخذها علي من القرآن (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ، قُل لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ، قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ) سورة سبأ، آيات 24-25-26 وهذه الآيات نزلت عندما كان الرسول (ص) يحاور غير المؤمنين ولكنهم كانوا يصرون على أن الحق من جانبهم، فحسم الرسول (ص) الحوار على قاعدة النص، حيث وضع (ص) نفسه في مستوى من يحاوره تاركا الحكم لله، هذه القاعدة طبقها الإمام علي(ع) خلال حكمه. فمن الأولى على المسلمين التمسك بهذه القاعدة لا سيما في زماننا هذا، والعمل بالنقاط المشتركة الجامعة لمصالحهم.

    لقد سبب الخوارج شرخا كبيرا في وحدة الأمة التي طالما سعى الإمام للحفاظ عليها طوال حياته، لقد سمع قولهم: ((ولا حكم إلا لله، فقال الإمام: كلمة حق يراد بها باطل، نعم أنه لا حكم الا لله ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة الا لله، وأنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر، ولكن إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والإعوجاج والشبه والتأويل))، رغم هذه الخصومة التي أدت الى القتال لم يكفرهم علي ولم ينسب لهم ما يهين كرامتهم بل قال إخواننا في الدين، وعندما ضُرِبَ من قبل أحد الخوارج أطلق وصيته الشهيرة فيهم " لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه".

    أما بالنسبة الى السب والشتم فقد سمع الإمام علي (ع) قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين، فقال لهم "أني أكره لكم أن تكونوا سبابين. ولكنكم لو وضعتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم؛ اللهم احقن دماءنا ودماءهم، واصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يَعرِفَ الحق من جَهَلَهُ، ويرعوي عن الغي والعدوان من لَهِجَ به"..

    فمن سيرة علي (ع) نرى ونطّلع على أن طابعين أساسيين كانا سائدين في الثقافة الاجتماعية العربية آنذاك: هما:

    الأولى: نزعة الحرب والقتال أي ثقافة العنف واللاحوار.

    والثانية: هي نزعة العصبية القبلية أي التوحيد القبلي، بدلا عن التوحيد على أساس دستور يضمن حقوق الجميع بدون تمييز، فالمتتبع يلحظ بكل يسر وسهولة عدم تأثر علي (ع) بهما.

    والتاريخ يثبت أنه لم يكن علي داعية حرب يوما ما، وكان يقول لأمرائه (لا تدعونّ الى المبارزة، وإن دعيت إليها فأجب، فإن الداعي إليها باغ، والباغي مصروع)، أي كل دعوة الى العنف هي خسارة في نظر علي(ع)، وكان (ع) يرى في الحرب والقتال مَتلَفَةُ للحق بقدر ما هي تغطية للباطل، وكان مؤمنا بالحوار والسلم أشد الايمان، وهو القائل: إياكم والخصومة.فثقافة العصبية القبلية والتوحيد القبلي هو فقه الطاعة للأمير و ليس فقه الحوار.الفقه الذي تبناه علي(ع) هو فقه الإصلاح الذي أساسه الدستور وهو القرآن، والفقه الذي إلتزمه خصوم علي هو فقه الطاعة للأمير حتى لو تسلط على رقاب المسلمين بالغلبة وقطع الرؤوس كما يسمى اليوم بالانقلاب العسكري.

    ولو ألقينا نظرة على مفهوم الرئاسة والإمرة عند الإمام علي(ع) فنرى أنها لم تكن حقاً يستأثر به أحد أيا كان، بل الولاية والإمرة هي من الجماعة تولي من تشاء وتخلع من تشاء بحسب قربه أو بعده من الدستور وهو كتاب الله، ويوضح هذا المفهوم بقوله: (فإن ولّوك في عافية وأجمعوا عليك فتم أمرهم، وإن اختلفوا فدعهم وما هم فيه)، لقد غلّب علي فقه الإصلاح أي الحوار على فقه الطاعة للولاة أو القبيلة.

    ختام البحث: هكذا نرى كيف وضع الامام علي (ع) إستنادا على كتاب الله وسنة نبيه محمد (ص) أسسا لبناء القيم الانسانية من دون تمييز في الفكر واللون والاعتقاد، فهل يصح أن نسمي ما طرحناه؛ أسس الديمقراطية الحقيقية في التأريخ الاسلامي حتى لو كان مصطلح الديمقراطية حديثا علينا؟

    ومن خلال هذا البحث نستدل على أن سلوك الإمام علي(ع) ومواقفه تدل على فهمه العميق للقرآن ولرسالة الإسلام، حيث كان يجسد تلك القيم والمباديء في كيان انسان، وغير خفي لأهل العلم والفضيلة أن الأديان والمذاهب القديمة كانت تجعل الإنسان قربانا للآلهة، أي تعتبره عاجزا أمام الله مخلوقا ومسلوب الإرادة، أما موقف علي الذي هو موقف الاسلام بالذات من الانسان فيعتبره أساسا وهدفا لبناء صرح الحضارة الانسانية لإدامة الحياة الحرة الكريمة للوجود كله، فالولاية لهذه المدرسة الانسانية تعني الاقتداء بسلوك الإمام علي(ع) باعتباره نموذجا راقيا لتطبيق الاسلام ومفاهيمه العظيمة لرقي الانسان وتكامل البشرية.

    alaineli_soyer@hotmail.com
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit