موانع التقدم: إشهار السيوف ورفع الأسنَّة بحجة نصرة مذهب السنة!
    الأربعاء 12 يوليو / تموز 2017 - 17:24
    يوسف زيدان
    فى معرض الرصد المتأنى للعوائق والموانع التى حالت، وتحول، دون السير فى طريق التقدم والترقى فى مسيرة التحضر، تحدثنا الأسبوع الماضى عن «الجهل والجاهلية»، ونتحدث اليوم عن المذهبية الدينية التى تُعد عند التعصب لها مانعاً عن بلوغ الناس درجة الإنسانية، ناهيك عن كونها عائقاً يمنع البلاد والعباد عن التحضر والتقدم.

    والملحدون المعاصرون يخطئون حين يظنون أن «الدين» هو سبب بلاء الناس لأنه يفرِّق بينهم، ويجعل كل فريق منهم يتوهم أنه وحده الذى يملك الحقيقة المطلقة، والآخرون الذين يختلفون عنه دينياً هم: الكفار، المشركون، الهراطقة، المنحرفون.. وغير ذلك من صفات السلب والشجب، التى تعد مقدمة لعمليات الإقصاء ونفى الآخر والتمييز على أساس دينى، ثم تتطور إلى الحروب الدينية والقتل باسم الإله والبطش بالمخالف «الضال» الذى لا يستحق الحياة!.

    ومن وجهة نظرى، وقد أكون مخطئاً أو على صواب، فإن هؤلاء الملاحدة الجدد «مخطئون» لأن الدين فى عمومه، أعنى بمفهومه الأساسى والكلى بصرف النظر عن اختلاف أنماطه، هو صلة بين الأرض والسماء وبين الإنسان المحدود والإله اللامتناهى. وهذا فى حد ذاته لا يتضمن بالضرورة الإقصاء، وإنما هو على العكس: اقتراب الفانى من الباقى، واتصال الزمانى بالمطلق، وتسامى الحيوانى إلى الروح الكلى المحتجب خلف المحسوسات.

    والأديان على تنوعها واختلافها فيما بينها، لها نمطان أساسيان هما الرسالية والغنوصية «العرفانية»، فالنمط الرسالى يقوم على قاعدة النبوة التى تعنى فى أصلها اللغوى «العربى، العبرى، السريانى» العلو والارتفاع، فكل ما نبا عن الأرض هو ما ارتفع عنها. وتعنى اصطلاحاً اجتباء الله لبعض البشر، ليكونوا رُسلاً يوحى إليهم من السماء: مباشرة مثل كلام الله مع موسى، أو عبر وسيط مثل جبريل عند المسلمين وروح القدوس عند المسيحيين.. والرسالية، هى الصفة المحورية لليهودية والمسيحية والإسلام، وهى الديانات التى يعدها الناس ثلاثة، لكننى أراها ديانة واحدة تعددت تجلياتها، فاختلفت بحسب اختلاف الزمان والمكان، ومن الديانات الرسالية: المزدكية، الديصانية، المانوية، البهائية.. وغيرها.

    أما الديانات العرفانية «الغنوصية» فهى نمط مقابل لما سبق ومضاد له، إذ تقوم على القدرة الروحية لبعض الأفراد، حين يتخلصون من سيطرة المحسوسات عليهم، فتشرق على مرايا نفوسهم الحقائق الإلهية بنوع من الإدراك التام المباشر، والمعرفة الكلية «كلمة (غنوص) يونانية الأصل ومعناها: المعرفة المباشرة» ولهذا النمط من الديانات انحياز لفكرة المساواة بين البشر واعتقاد بأن الاصطفاء والاجتباء والانتقاء هى أمور لا تصح من حيث العدل الإلهى فى حق مبدع الوجود الذى خلق البشر سواسية، فكيف له أن يختار منهم للنبوة شخصاً دون آخر. وطريق السماء مفتوح أمام كل إنسان ترقى عن المادية وتخلص من الحسية، فأشرقت عليه الأنوار العلوية لأنه نجح فى تصفية مراة ذاته حتى انعكست عليها المعانى العلوية «الإلهية» وهو ما نراه فى ديانات مثل: البوذية، الزرادشتية، الفيثاغورية.. ومن قبل هذه كلها، الديانة المصرية القديمة «عبادة آمون».

    وهناك من يتطرف فى الأمر، فينظر إلى المعتقدات الفلسفية الميتافيزيقية مثل قول أفلاطون بالصانع «المهندس الأعظم» وقول أرسطو بالمحرك الأول للكون، على اعتبار أنها ديانات عقلية.. وهذا لا يجوز، فالدين شرطه الأول هو الإيمان القلبى وليس الدليل العقلى، وحرارة الوجدان وليس صرامة المنطق. والأصح أن نقول عن هذه المعتقدات إنها «فلسفات» لا «أديان» لأن المفهوم الدقيق للدين لا ينطبق عليها.

    وبصرف النظر عن التصنيفات الأخرى للأديان، انطلاقاً من أنها إما «سماوية أو وثنية، قويمة أو منحرفة، حقة أو باطلة»، وهى تصنيفات فضفاضة لا تصمد أمام النقد والتدقيق. نقول: لم تكن الديانات نفسها أداة تفرقة أو حجة للحرب! فقد تجاورت ديانات كثيرة لفترات زمنية طويلة، فى مصر القديمة والهند وفارس واليونان والإسكندرية البطلمية، ولم تنشب أية خلافات بين أهلها بسبب اختلاف المعتقد.

    وفى الديانات غير الرسالية، ليس هناك فرصة للتمذهب أصلاً، بحيث يجوز التعصب لمذهب. فالديانة واحدة وتتجدد دوماً فى مسار واحد مع خبرات ورؤى الزهاد والكهان والروحانيين، دون تعديل للمسار العام للفيثاغورية، أو البوذية أو غيرهما. أما الديانات الرسالية فهى تنوء بالمذاهب، ففى اليهودية هناك: السامرية، اليهودية الأسينية، اليهودية التلمودية، الحسيديون، الفريسيون، القبالة... إلخ، وفى المسيحية: الآريوسية، الأرثوذكسية المصرية، الأرثوذكسية اليونانية، النسطورية الكاثوليكية، البروتستانتية، المورمون، شهود يهوه.. إلخ، وفى الإسلام: الخوارج، الشيعة، أهل السنة! ومن مذاهب الخوارج «إباضية = أباظية، نجدات، أزارقة». ومن المذاهب الشيعية «اثنا عشرية، إسماعيلية، زيود» ولدى أهل السنة مذاهب عقائدية «معتزلة، أشعرية، ماتريدية» ومذاهب فقهية: مالكية، حنبلية، شافعية، حنفية...

    ولأن البشر فيهم ميل فطرى للاستعلاء والتفاخر على الآخرين وتمجيد الذات «وبالتالى تحقير الآخر» وكلما ساد فيهم الجهل والجهالة، كان ميلهم هذا أشد. فقد افتخر البعض منهم وتفاخر على الآخرين بأصوله العرقية ونَسَـبه الأسرى ومحل سكناه! فأهل المدن يتعالون على سكان القرى، وهؤلاء يتعالون على سكان النجوع والكفور.. ومن وجوه التفاخر الذى لا يلبث أن يصير تعصباً مقيتاً، الاستعلاء بالمذهب الدينى على غير المعتقدين به.

    العلة إذن، والبلاء، ليس فى الأديان وإنما فى التعصب المذهبى داخل الدين الواحد، ولهذا نجد العنف المذهبى أشد ضراوة من العنف الواقع بين ديانتين.. فالديانة الإبراهيمية بمجموعها اليهودى/ المسيحى/ الإسلامى، لم يشن أصحابها حروباً عقائدية على الديانات غير الرسالية، فلم نعرف أنهم أضرموا نيران حرب مقدسة على أتباع عبادة آمون المصرية، أو على البوذية، باسم الرب. لكننا عرفنا تاريخياً عنف أهل المسيحية ضد اليهود، والمذابح التى قاموا بها ضدهم والتى كان من أبشعها تلك المقتلة الهائلة التى امتدت عدة سنين عقب طرد الإمبراطور المسيحى «هرقل» للفرس من مصر والشام، وإعادته قطعة الخشب المسماة «صليب الصلبوت» إلى مدينة إيليا التى كانت تعرف سابقاً وسوف تعرف لاحقاً باسم «بيت المقدس»، وكان ذلك سنة 628 ميلادية، وقد تزامن مع غزوة النبى لبنى قريظة، حيث ذبح المسلمون من اليهود ما بين ستمائة وثمانمائة شخص فى يوم واحد وحفرة واحدة، بشهادة مؤرخى الإسلام وإقرار علمائه. أما مقتلة اليهود آنذاك على يد المسيحيين، فقد راح ضحيتها ما لا حصر لهم من الناس.. يقول القس العلامة «د. ألفريد بتلر» فى كتابه القيم «فتح العرب لمصر» صفحة 100 وما بعدها، ما نصه:

    جاء ذكر العداوة الفظيعة التى يحملها اليهود للمسيحيين فى كتاب «قيدرينوس» وهو يروى أن فى السنة الأخيرة من حكم فوكاس «الإمبراطور الذى خلعه هرقل وجلس على عرشه» أوقع اليهود بالمسيحيين فى أنطاكية، فأرسل إليهم فوكاس قائده «بونوسوس» فأنزل بهم انتقاماً وبيلاً تحدوه قسوة تقشعر من وصفها الأبدان.. وهناك براهين أخرى على أن كراهة اليهود للمسيحيين لا هوادة فيها. وما هى إلا شهور قليلة بعد ذلك، حتى وثب المسيحيون على الفرس فقتلوا قادتهم وملكوا الأمر وأغلقوا أبواب المدينة «بيت هميقداش، إيليا، بيت المقدس» فجاء الفرس وساعدهم اليهود على هدم الأسوار، وأعقب ذلك مشاهد مروعة من التقتيل والنهب والتدمير، فكان عدد القتلى سبعة وخمسين ألفاً «وقيل تسعين ألف شخص» من بينهم آلاف الرهبان والقديسين والراهبات.. واشترى اليهود كثيراً من الأسرى المسيحيين ليمتعوا أنفسهم بتقتيلهم!.

    ويقول فى صفحة 170 وما بعدها: استجاب هرقل إلى رغبة المسيحيين فى الانتقام من اليهود، فوقعت فى اليهود مقتلة تشبه أن تكون عامة «فى جميع أنحاء الأرض» حتى لم يبق منهم أحد فى دولة الروم ومصر والشام، إلا من هرب واختفى.

    .. ومن المعروف تاريخياً، أنه بعد مقتلة اليهود على يد عموم المسيحيين «أبناء الرب الداعى للمحبة» جرت مقتلة عظيمة فى مصر بسبب تعصب الأرثوذكس المصريين لمذهبهم، وعدم موافقتهم على المذهب الجديد الذى جاء به «قيرس» المعروف بالعربية باسم «المقوقس» وهو واحد من أحقر الشخصيات فى التاريخ، أيضاً، إذ قتل من المسيحيين المصريين باسم المسيحية ثمانية عشر ألف شخص فى الإسكندرية وحدها، حسبما ذكرت المصادر التاريخية المسيحية.. ناهيك عن قتلاه فى عموم النواحى المصرية، وهى المأساة التى لم يتخلص منها «الأقباط» إلا بمجىء عمرو بن العاص، اللاعب السياسى البديع.

    وما بين المسلمين بعامة وعموم المسيحيين، جرت الحروب المعروفة لدى العوام والخواص باسم الحروب الصليبية «مع أن (الصليب) مظلوم فيها)» وقد امتدت عدة قرون، حتى استطاع المملوك الحاكم «العاقل» المنصور قلاوون وأبناؤه تحرير البلاد من حكم ملوك أوروبا واسترداد بيت المقدس.. وخلال تلك الحرب الطويلة، كان الصليبيون ينظرون إلى «الأقباط» باعتبارهم أعداء الصليب! وكان بعض الشيعة يتحالف مع الصليبيين ضد المسلمين.. بسبب اختلاف المذهب.

    وبسبب اختلاف المذاهب والتعصب لها، قتل المسيحيون الكاثوليك مئات الآلاف من المسيحيين البروتستانت. وقتل المسلمون السنة من المسلمين الشيعة الملايين! نعم، مات الملايين من المسلمين فى الحروب الإسلامية/ الإسلامية التى ابتدأت منذ فجر الإسلام فى موقعة «صفين» بين الإمام على بن أبى طالب، ومعاوية، الذى يقول أهل السنة: رضى الله عنه! باعتباره مؤسس دولة الإسلام السنى، وهى التى أطاحت بها دولة الإسلام السنى «العباسية»، وأسرفت فى قتل الأمويين والشيعة معاً.

    وما لبث شعار «نصرة مذهب السنة» أن صار راية يرفعها حقراء الحكام الطامحين إلى توسيع رقعة ملكهم، وهو ما فعله محمود بن سبكتكين الغزنوى الذى يعده بعضنا بطلاً وأراه واحداً من أحقر الشخصيات فى التاريخ، إذ قتل فى سبيل عرشه عشرات الآلاف من المسلمين، ومئات الآلاف من الهندوس، وأعدم الشيعة والمعتزلة بلا هوادة، وكاد يقتل العلامة نادر المثال: أبوالريحان البيرونى «أحد أعظم الشخصيات فى التاريخ» ثم اكتفى باعتقاله بقلعة «غزنين» بعد وساطة «أبى نصر مشكان» ثم أطلقه واستعمله وأخذه معه فى حروبه التخريبية ببلاد الهند، حيث قتل فى يوم واحد خمسين ألف شخص هندوسى، ذبحاً، لأنهم حاولوا الحيلولة بين الغزنوى الذى كان يفتخر بأنه حامل لواء السنة ومحطم الأصنام! وبين هدمه لأكبر نصب مقدس فى الهند «سونمات».. ذبحهم الحقير وهدم المعبد الهندوسى وحطم صنم سونمات. والآن، يستغرب المعاصرون من كراهية الهندوس للمسلمين. والآن، ينتطع بعض الذين يظنون أنفسهم باحثين ومؤرخين ومفكرين، فيقولون إن فظائع الغزنوى ومذابحه كانت بسبب طبيعة العصر الذى عاش فيه.. ويتجاهلون أن هذا العصر، ذاته، هو الذى أهدى للإنسانية جمعاء: عمر الخيام «عبقرى الرياضيات» والبيرونى «عبقرى الطبيعيات» وابن سينا «عبقرى الطب والفلسفة» وكان ثلاثتهم متعاصرين ومعاصرين لمحمود الغزنوى.

    وفى عصر تالٍ، بعد قرابة قرن ونصف من الزمان، وفى الجهة الأخرى من العالم الإسلامى، سوف يسير صلاح الدين الأيوبى على درب محمود الغزنوى، فيرفع راية «نصرة مذهب السنة» مع أنه كان انكشارياً شركسياً سكيراً، ويعطى لنفسه لأول مرة فى التاريخ لقب «خادم الحرمين الشريفين» مع أنه لم يحج قط! فيقتل ويذبح وينهب ويفتك بالشيعة وبالسنة وبالأكراد «المسلمين السنة» ولا يرتدع إلا من تهديد الإسماعيلية الذين ارتعب من قائدهم «شيخ الجبل» فهرب من وجهه.. ولن أتوقف بأكثر من ذلك عند هذا الرجل، لأن وجهة نظرى فيه معروفة.

    وفى عصر تالٍ، فى القرنين الثامن والتاسع الهجريين، بالشام، تندلع نيران التعصب المذهبى بين السنة «الأحناف» والسنة «الشافعية» فتقع بين القرى وقائع القتال، ويحرم الزواج بين الشافعية والأحناف. مع أن كليهما مسلمون، والزواج فى الإسلام مباح بين المسلم والمسيحية واليهودية التى تعجبه «العكس غير مسموح به»..

    وفى عصرنا الحالى، وبسبب الصراع على السلطة والسيادة فى المنطقة بين إيران والسعودية، تنشب حرب اليمن تحت زعم نصرة مذهب السنة «تانى» فينتشر الخراب وتتفشى الكوليرا فى ربوع اليمن التعيس «السعيد» لأن مذهب السنة، فيما يزعمون، يحتاج من ينصره! ولن أطيل أيضاً فى هذه النقطة الواضحة الفاضحة، تحاشياً لإحراج الذين يجب عليهم الحرج.. وسوف أكتفى هنا بإشارة ختامية. أسوقها على جهة الإلماح لا التفصيل: عندما كنا على طريق التقدم والنهضة الحضارية، ظهر فى بلادنا التسامح المذهبى ونشطت محاولات الجمع والتقريب بين السنة والشيعة.. واليوم اختفت هذه المحاولات، بل صارت تلاحقها الاتهامات!.

    وهكذا كانت «الحرب» التى هى قرين الدمار والتخريب والقتل، تقع تحت هذا الزعم العريض السلطوى فى جوهره، العقائدى فى شعاراته: نصرة السنة.. فتكون المهالك والمذابح ليس باسم الإنسانية، ولا باسم الدين، وإنما باسم المذهب الذى يؤدى التعصب له والاحتقان بحجته، إلى قطع الطريق على التقدم والتحضر والإبداع. فالحرب كما قال الشاعر البديع «زهير» لا تأتى أبداً بخير، فمتى تبعثوها تبعثوها ذميمة، وتضرم، فتولد لكم أطفال أشأم كلهم.

    اللهم ارحمنا برحمتك من المتاجرين بالدين، ومن الحقراء المتقاتلين تحت حجة: رفع راية المذهب العقائدى.

    "المصري اليوم"
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit