في النقائض !
    الثلاثاء 12 سبتمبر / أيلول 2017 - 06:14
    هاني الحطاب
    إذا جارينا  فلاسفة عصرنا الذين قالوا بنهاية التناقضات بفترتنا ، فأننا نستطيع أن نقول أن كل العصور السابقة كانت كلها عصور تناقض وصراع . ولكن السؤال  هل حقاً أن عهدنا هو نهاية التناقضات والصراع، بل هل يمكن حقاً نهاية الصراع والتناقض ؟ أن ما قيل عن نهاية التناقضات هو ، في رأي البعض ، ينبع من ، تفكير ايدولوجيا وليس حقيقة علمية ! ففترتنا التي تدعي أنها ألغت النقيض  ، بأن هذا ليس سوى حلم  راود الكل منذ فجر التاريخ في أن تعيش البشرية  في عالم منسجم ومتألف يخلو من التناقضات . فتناقض كما يخبرنا الفلاسفة هو عَصّب هذه الكون ولا يقتصر على الحياة الأجتماعية ، بل يعده البعض شيء يسري  في كل نسيج الكون . ومقالتنا هذه تحاول تبع هذه الفكرة منذ بدأ التفكير البشري . وعلينا أن نشرح أولاً ما الذي نعنيه في التناقض ،  والاصح  ، القول النقائض . فنحن هنا لا نقصد ما كان يقصد هيجل وماركس في التناقض ، فكرة التناقض لدى هيجل  الذي أخذه منه ماركس  هذه الفكرة ،  هي كل شيء في الوجود يسير ، ويتحرك على أيقاع التناقض  . فكل أطروحة أو فكرة تولد نقيضيها ،  ففكرة ، الوجود تولد العدم ،  والعدم   يولد الصيرورة التي  هي التركيب لكل من فكرة الوجود والعدم ، والصيرورة هي بدورها تصبح أطروحة لفكرة جديدة والذي ينتج عنهما تركيب جديد ، لتولد منه فكرة آخرى ،  وتستمر تلك العملية حتى بلوغ الفكرة المطلق . ونحن لم نقصد في  التناقضات تلك الطريقة الديالكتيكية .  وأنما قصدنا وجود أشياء متضادة لا يمكن لأحداهما أن يوجد بدون الأخر ، كالظلام والنور ، والعدل والظلم ، والحب والكراهية ، والحار والبارد ، تلك الأزواج التي  تخطر في بالنا كلما ذكر أحداهما ، الذكر والانثئ ، القوي والضعيف ، الحرب والسلام وما إلى ذلك . فهل يمكن لنا ، من بعد ،  أن نتصور وجد أحد هذين بدون الآخر ، كما طمع الفلاسفة ، مثل الحب بدون الكراهية ، والخير بدون الشر ؟  فالبعض استخدم هذه الطريقة  ليقول ، أن من طبيعة الحياة أن نوجد على تلك الصورة ولا يمكن تخيلها بخلاف ذلك . لهذا من العبث تغير الأشياء ، ويجب أن يترك العالم على حاله ، وأن الفلاسفة لم يخطأوا ،  كما زعم ماركس ، بأن أنشغلوا في تفسير العالم بدلاً من تغيره ، لأن سيكون كارثه على العالم ، حسب رأي المؤمنين في النقائض . فهؤلا القوم ، بعد أن أخفقت كل النظريات في تغير العالم ، وجدوها فرصة سانحة بتذكر بوجود النقائض والتي لا يمكن تبديلها ، لأنها من طبعية الحياة .   لهذا سوف نتفحص الفكرة عند الكثير من الفلاسفة والأديان والعلماء . لأن وجود تلك النقائض لا يعني عدم محاول تغير العالم ليكون أكثر أنسجام مع سعادة البشر .

    وبادئ ذي بدء ، فنحن كلما حاولنا فهم أنفسنا والعالم من حولنا نجد هناك تفاصيل كثيرة نتيه بها . فالعالم يبدو معقد وحافل بالفوضى . وأضاف لهذه نجد هناك وجهات نظر كثيرة ،  والنَّاس مختلفين جداً في النظر إلى الأشياء . بيد أن مع ذلك ، لحسن الحظ أن الناس بعد تفكير طويل  في ما حولهم ، وجود طريقةً لحل الكثير من تلك الأشكالات . والشيء الأساسي هي أنهم خلصوا إلى قاعدة صحيحة في حل المشاكل تتلخص في طرح أسئلة صحيحه حول المشاكل .

    والسؤال الذي يجب أن يطرح في هذا الخصوص ماهي الطريقة التي يجب أن نظر بها إلى العالم ، فهل هناك عنصر عام يشترك كل العالم به  ؟ عن هذا السؤال قدمت أجابات مختلفة من قبل الحضارات التي مارسة التفكير والتأمل في العالم . فالأغريق عن طريق  فلاسفتها قدموا أجابة بصياغات مختلفة . فالاسكنمندر ، هو فيلسوف طبيعي قبل سقراط ، قال في كتابه  عن الطبيعة ،  أن العالم مؤلف من العديد  من المتناقضات  ، الداخل بصراع متواصل . وأن كانت مع ذلك ، تحت سيطرت مبدأ موحد . أما أمبلوكليدس ، فقد أكد بأن هناك قوتين كبيرتين في العالم ، هما الحب والكراهية ، في صراع دائم . أما أفلاطون فقد قدم  ثنائية  صراع الشكل والمادة ، وعلى هذا أيضاً أكد أرسطو مع بعض التعديلات .

    فكرة أن العالم  مؤلف بشكل أساسي من القوى المتعارضة ، أو المبادئ  ، كانت منتشر في أمكان كثيرة من العالم وفِي عصور مختلفة  . فالكتاب الصيني ، المشهور ، الذي يسمى ، التغير ، والذي وجد قبل كنوفشيوس بفترة طويلة ، قام على مبدأ قطبي السلب والأيجاب. فهذا الكتب يشرح بوضوح بأن كل الكون وعالم الإنسان يتخلله مبدأ التناقض . فالو تسي يسميه نظرية الناقض ، ويسميها " ين " و " يتم"  والتي تعني حرفياً الظلام والنور ، وتعني أيضاً الرجل والمرأة . وكثير من الفلاسفة الصينيون أكدو على هذه والذي يسموه أحيان السماء والأرض .

    والدين الفارسي القديم لزرادشت  قائم على  كذلك مبدأ التعارض بين الخير ( أهرمزاد ) والشر ( أهرمان ) . والديانةالهندوسية جسدت هذا التعارض بصراع بين إله الخلق وآلهة التدمير . وذلك التناقض نجد حتى في معتقدات الشعراء والكتاب ، فالشاعر الأنكليزي وليم بليك في قصيدته زواج السماء والجحيم يقول ، " بأن لولا التعارض لما كان هناك تقدم . فالجذب والطرد ، والعقل والخلق ، والحب والكراهية ضرورية لوجود البشر . والفيلسوف الألماني الكبير كانط وضع النقائض " antimonies "  في صلب كتاب العظيم نقد العقل المجرد . وأكد نيتشه أيضاً على التناقض في ما سماهما دينوسوس وأبولو . وعالم النفس يونج اعتبر زوج التعارض مهمين إلى كلا من الفلسفة وعلم النفس .

    أما المسيحية وبقيت الأديان مثل اليهودية ، والإسلام فهم أكدوا على ثنائية الخير والشر وصراعهما ، ففي نظرهم أن هذا الكون مسرح لهذا الصراع وليس للأحداهما أن يمحو الأخر كلياً، فمثل هذا الشي يحدث في العالم الآخر وليس في هذه الدينا ، التي يكافئ البشر على انحيازهم للخير ويعاقبون على ضوء فعلهم الشر . ومن هنا الأعتقاد بأزلية وثبوت هذين القطبين فالكون سوف يختل ويفقد توازنه إذا رفع أحد هذين الطرفين . فلا وجود للضوء وحده بل لا بد أن  يوجد الظلام لكي يعرف الضوء ، ولا وجود للحب وحده فلا بد من وجود الكراهية لكي يعرف الحب ويقدر , والفقر ، والغنى . وهذا الثنائيات الكثير هي المبادئ أو القواعد التي يسير عليها الكون. فبخلاف النظرة الديالكتيكية ، التي لا تتوقف عند هذين وصراعهما الدائم ، والأبدي ، بل ترى أن ذلك ينتهي إلى نتيجة جديدة ، وأبعد منهما ، حتى أنه في أستمرار عملية الصراع  والتغلب عليه سوف يفضي في الأمد البعيدة إلى نهاية هذه الصراع ودخول البشرية في المرحلة العليا من التطور البشري ، والتي سمت المرحلة الشيوعية ، أو مجتمع الرفاهية . وهذا النظرة ، عني نظرة النقائض ، التي قد تعد من وجهة فلسفية مقبولة ، وحقيقة ملموسة نشاهد في مناحية من الوجود والحياة ، فنحن نرى هذه الأزواج أو النقائض في كل مناحي الحياة والوجود ، فالحب والكراهية والنوروالظلام ، والغنى والفقر شواهد ساطعة في دنيانا . ولكنها مع ذلك في نظر البعض من المفكرين السياسين ، تعد من وجهة نظر سياسية ، وخصوصاً في جانبها الأجتماعي ، رجعية ،  وتخدم فلسفة  مصالح خاصة في تنظيم المجتمع . فالقول في للغاء الظلم ، أو الفقر ، بأننا في هذا العمل نقوم  بعمل يخل  بنظام الكون المبني على تلك الثنائيات ، يعد من قبل المفكرين السياسين دفاع  عن الظلم والشر  والأبقاء عليهما . فالظلم والفقر  في الحياة آلأجتماعية ليس من طبيعة نظام الكون وأنما هو أخطأ بشرية ونتاج لنوع من النظام . فالأسغلال والظلم في النظام هو ليس من بنية الكون بل نتاج هذا النظام . ولذلك يدعي الراسماليون يجب أن تدع الأمور تسير في مجراها خوفا من أحداث تغير بتركيب ذلك النظام التي هي  جزء من طبيعة الكون . ولا أحد يستطيع ينكر بأن وجود الكثير من تلك الثنائية بالكون وحياة الإنسان ، ولكن هذا لا ينعي أن البشر لا يملكون حيالهم شيء  ،  فالكثير منهم يمكن  أن يغير من نسبة وجودهم . فمن وجهة نظر سياسية لهذه النقائض ، بعضها من طبيعة الكون ، ولكن البعض ، ليس كذلك ، ولكن  نظر لها من وجهة سياسية ، فالغنى والفقر ، والظلم والعدل ، مثلاً  ليس نقائض طبيعية ، وأنما هما نتيجة للأعيش بالمجتمع ، فهمًا ليس ظواهر طبيعية  مثل الظلام والنور والموت والحياة ، فجرى تسيسهم وحسبا على أنهم أيضاً ظواهر كونية . فترويج لنظرية النقائض جاء بعد أفلاس النظريات الثورية في التغير ، وأصبح من السهل قبول التفسير القديم على أنه مطابق لحقيقة العالم الذي نعيش فيه ، ويجب ترك الأمور تجري كما هي  . فنظرية النقائض ، التي فات أوانها ،  في تفسير العالم ، وتسويقها من جديد  ، تعد مثل  صب الخمرة القديمة في أواني جديدة ولكن لا يكسبها طعم جديدة . فنظرية النقائض هذه ، لا تفسر ولا يمكن أن تغدو  أداة لتفسير الوضع الراهن الذي يعيش فيه عالمنا .

     .                      هاني الحطاب
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit