الاستفتاء.. حلم الاستقلال الوهم وسط الدكتاتورية
    الأربعاء 27 سبتمبر / أيلول 2017 - 07:03
    [[article_title_text]]
    الدكتورة شومان هاردي
    الدكتورة شومان هاردي/عن موقع منظمة {مدل إيست آي} * - اجتذب الاستفتاء الكردي دعماً كبيراً من داخل المجتمع الكردي، خصوصاً حين توحدت القوى الاقليمية والدولية في موقف رافض لهذه الحركة. فمعظم الكرد يعتقدون ان الفرصة قد حانت اخيراً لانهاء مرحلة دمجهم ضمن العراق في اعقاب الحرب العالمية الاولى، بيد ان الدولة الكردية، إذا ما شاءت الاقدار ان تكون هناك فعلاً مثل هذه الدولة، لا يمكن لها ان يكون لها معنى إلا اذا جاءت مختلفة عن حكومة اقليم كردستان الحالية بعد نبذ عيوبها وفشلها في ما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الانسان والمساواة بين الجنسين.
    هناك من يعتقد ان الاستفتاء لن تكون له فائدة تحت الظروف الراهنة سوى حرف الانتباه عن فشل حكومة الاقليم في معالجة الفساد واقرار الامن الاقتصادي للشعب الكردي وبناء نظام ديمقراطي.
    اما مسعود بارزاني، رئيس اقليم كردستان الذي يثور بشأنه الخلاف والجدل، فقد هدد اكثر من مرة في الماضي باجراء استفتاء على الاستقلال متذرعاً بتداعي العلاقة بين حكومة الاقليم والحكومة المركزية في بغداد. 
    ولكن في هذا الوقت بالذات، اذ تخوض قوات البيشمركة والجيش العراقي معركة مشتركة ضد جماعة "داعش” الارهابية ووجود اكثر من مليون لاجئ ونازح يقيمون في اقليم كردستان، بات بوسع بارزاني ان يصور قرار بغداد بحجب 17 بالمئة من الميزانية الفدرالية عن الاقليم (وهو اجراء جاء اصلاً كرد على قيام الاقليم بتصدير النفط لحسابه) بأنه محاولة لايقاع منطقة كردستان في ضائقة اقتصادية شديدة، وبالتالي رأى ان اللحظة سانحة لاجراء التصويت.
    انتخب بارزاني رئيساً لكردستان في العام 2005. وبعد ان ادى دورتين رئاسيتين اعيد تمديد الفترة له لسنتين اضافيتين في العام 2013 مع شرط عدم ترشيح نفسه للرئاسة بعدها. ولكن بارزاني رفض التخلي عن المنصب عندما انتهت فترة التمديد تلك في 20 آب 2015.
    تصدت جماعة المعارضة الرئيسة المسماة غوران (اي حركة التغيير) لقيادة المسعى الداعي الى اصلاح قانون الرئاسة، الذي يمنح الرئيس صلاحيات مطلقة، بالاضافة الى وضع نهاية لرئاسة بارزاني المخالفة للقانون. كانت نتيجة ذلك ان عاقب حزب بارزاني، المسمى الحزب الديمقراطي الكردستاني، حركة غوران وعطل عمل البرلمان واستبدل وزراء الحركة.
    ضمن اطار هذه المعاني والمفاهيم يبدو اصرار بارزاني على اجراء الاستفتاء، وهو الذي قوض دعائم العملية الديمقراطية ثم انطلق يوسع خطواته باتجاه الدكتاتورية، تحركاً مريباً.
    يحتج مؤيدو الاستقلال بأن الديمقراطية "تتطلب وقتاً”، اذ لا يمكن ان نتوقع تحققها ما بين عشية وضحاها. ثم يمضي هؤلاء المؤيدون مجادلين بأن العمل في بناء النظام الديمقراطي سوف يمكن استئنافه بمجرد تحقق الدولة. ولكن الواقع يقول ان خطوات واسعة كان بالوسع انجازها في بناء الدولة لو كان بارزاني قد تخلى عن المنصب في حينه وسمح للبرلمان بمواصلة عمله.
    كذلك ينبئنا التاريخ أن بناء الدولة في ارض تنسف فيها المبادئ الديمقراطية بكل هذه السهولة يعني ان ذلك البناء سوف ينتهي الى الدكتاتورية، وانظمة مثل هذه لا يمكن تغييرها إلا بإراقة الدم. 
    يصبح الموقف اعقد حين ننظر الى المتطلبات الحيوية لإقامة الدولة. يطرح المعنيون حججاً تقول انك كي تبني دولة لا بد من ان تفي البناء متطلباته الاساسية، فدعنا ننظر الى حكومة اقليم كردستان. لقد تأسست تلك الحكومة في العام 1992، وها ان 25 سنة قد مرت من دون ان تتمكن هذه الحكومة من معالجة مشاكل اساسية مثل نقص الماء والكهرباء.
    عجزت هذه الحكومة ايضاً عن توفير الامن الاقتصادي الاساسي لمواطنيها، وهي غارقة في ديون تبلغ 20 مليار دولار، ناهيك عن فشلها في التصدي للفساد الذي يستنزف موارد الاقليم. اخيراً هناك عجزها عن توحيد قوات البيشمركة التي لا يزال كل فصيل منها يوالي حزباً سياسياً مختلفاً.
    لقد كان بالامكان قطع اشواط شاسعة صوب بناء الدولة لو ان بارزاني تنحى عن السلطة وسمح للبرلمان بالعمل. لو فعل ذلك لذكر حقاً بأنه الزعيم الذي وحد شعبه لا الزعيم الذي سبب تفرقه.
    كل ذلك كان بوسعه واكثر ولكنه اختار العكس، وبتغاضي الاطراف السياسية الاخرى عنه قد يودي بارزاني بشعبه الى اسوأ العواقب.
    اصرار بارزاني على اتخاذ الخطوات من جانب واحد نحو الاستقلال يضع الشعب الكردي في موقف صعب. فاولئك الذين صوتوا بـ "لا”، او الذين رفضوا التصويت، سيبدون بمظهر الخونة للقضية الكردية، اما من صوتوا بـ "نعم” فسوف يتحملون مسؤولية ما سيقع.
    في مقابلة اجرتها معه مؤسسة "فورن رليشنز” في شهر حزيران الماضي، قال بارزاني رداً على سؤال بخصوص الخطة التي اعدتها حكومة اقليم كردستان لمواجهة العزلة التي قد تتعرض لها كما تعرضت قطر: "نحن نفضل الموت جوعاً على ان نحيا تحت ظل احتلال الاخرين وقمعهم لنا. وإذا ما جاء هذا القرار عبر الاستفتاء وكان رد الفعل عليه هو عزلتنا فليمت شعبنا اذن.”
    يقول المراقبون ان الزعامة في كردستان لن تكون من يواجه الجوع والحرب، لذا يسهل على بارزاني قول ما قاله.
    غياب المقومات الضرورية للدولة، مثل البنى التحتية للاقتصاد ووجود مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية مستقلة تتمتع بالاستقرار وقوات امن وبيشمركة موحدة، مضافاً الى ذلك انعدام الدعم الاقليمي والدولي للدولة الكردية، يدفع بعض الكرد الى الشك بنوايا بارزاني.
    يبدو ان الهدف الحقيقي لبارزاني هو الحفاظ على وجوده السياسي وليس الاستقلال الكردي. اما الاستفتاء فهو وسيلة استعان بها لتنحية مشكلة الشرعية التي تجثم على رئاسته جانباً، لأن هذه المشكلة يمكن ان تكلفه خسارة المال السياسي وتطفئ تطلعاته المستقبلية لأخذ دور قيادي مستقبلي في السياسة الكردية. لهذا السبب تصلح كردستان المستقلة، مهما بلغت من مبالغ البؤس والفشل، بداية جديدة بالنسبة له ومنطلقاً. وإذا ما شاء بارزاني بعد ذلك كله، ورغم كل الظروف الداخلية والخارجية، ان يعلن عن الاستقلال فسوف يخاطر بأمن الشعب الكردي سياسياً واقتصادياً.
    لا شك ان معظم الكرد يطمحون الى الاستقلال، ولكن السؤال هو: اي نوع من الاستقلال؟ انا شخصياً اعتقد ان بناء الدولة وبناء الديمقراطية يجب ألا ينظر اليهما بمعزل عن بعضهما. كما لا اعتقد ان الدكتاتورية الكردية ستكون ارحم من دكتاتورية الغرباء، بل ان الظلم الذي يقع عليك من بني جلدتك يكون اقسى. 
    اكرر قولي: ان الدولة الكردية، إذا ما شاءت الاقدار ان تكون هناك فعلاً مثل هذه الدولة، لا يمكن ان يكون لها معنى إلا اذا جاءت مختلفة عن حكومة اقليم كردستان الحالية بعد نبذ عيوبها وفشلها في ما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الانسان والمساواة بين الجنسين. عدا هذا فإنه الصراع قد بدأ.


    الدكتورة شومان هاردي: ولدت في كردستان ثم طلبت اللجوء الى بريطانيا في العام 1993.تلقت تحصيلها العلمي في جامعات اوكسفورد ولندن وكنت، ولها دراسات واعمال عديدة تتناول القضية الكردية.
    *ترجمة - أنيس الصفار
    © 2005 - 2017 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit