تداعيات النص 40 من سورة التوبة
    الأحد 7 أكتوبر / تشرين الأول 2018 - 21:21
    آية الله الشيخ إياد الركابي
    قوله  تعالى  :  -  (( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا  ،   ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ  ،   إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ   ، إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ  ،  فأنزل الله سكينته عليه  ، وأيده  بجنود  لم تروها  ... -  التوبة 40  -    
     :
    يكثُر الكلام  في كل سنة عن  -  هجرة النبي  -  من مكة إلى المدينة    ، وتُحاك  من  حولها  الكثير  من القصص والكثير من  الحكايا والطرائف  التي ما أنزل  الله بها   ،  وتأتينا دائماً   بصيغة  أهروجه للتقول والتندر والمماحكة   ، وقد  حاول  البعض  جعلها  جزءاً  من أدبيات  الكتاب المجيد ونصوصه   ،  مستندين في ذلك على النص  رقم  40  من سورة التوبة   ،  ومن أجل تصحيح   ذلك  يلزمنا  ضبط حركة النبي والرسول   داخل نصوص الكتاب   لتكون  موافقةً  ودالةً   على المعنى المقصود  ، وفي ذلك  يجب التنويه  إلى إن عامة الأخبار والروايات التاريخية والتراثية  في هذا المجال   ،  لا يعتد بها  ولا يعتمد عليها  كدليل في إثبات ذلك  والتدليل عليه  ،   والربط  المزعوم  بين  هجرة النبي والنص رقم 40  من سورة التوبة   ربط غريب  لا تدل عليه لغة الكتاب  ولا معناها   ،  وأصل الغرابة  هو في المغايرة  التي نقرئها  بين  هذا النص  والحكاية التاريخية  في هذا المجال   ،  وبحدود  علمنا  إن  الكتاب  المجيد  لم  يبين لنا  على نحو واضح  وجلي  شكل الهجرة ولا طبيعتها ولا كيفيتها    ،  ولم يكن الكلام  فيه  إلاَّ  على نحو عام  في معنى الهجرة والمهاجرين [  وهذه غير تلك بكل تأكيد ]    .
      وفي هذا  نقول  : -  لا  دلالة  في الكتاب المجيد   على   ان  -  هجرة النبي  -   هي نفسها  التي نقرئها في كتب التاريخ والأخبار  -    ،  إذ  : - [   إن  -   هجرة النبي -  بلسان الأخبار والروايات  ما هي إلاَّ  وهم  و خيال  صاغه  وضاعون  أمتهنوا  حرفة التلفيق  والكذب   ]   -   ،    كما  إن  النص  رقم 40  لم يتعرض  إلى  الهجرة   لا  في سياق التعريف بها  و لا  في سياق  الإشارة إليها   ،   بل  ولم نجد   في  الكتاب المجيد  نص أخر  يتحدث  عن كيفية الهجرة وعن طبيعتها   ،  وما بين أيدينا  من شروحات  في هذا الشأن   ،   إنما   جاءت  وفقاً  للحكاية  التاريخية   التي  جعلوا  منها  الدليل الدال على  هذا النص  وشأنية  نزوله  ،   ذلك أن    :  -  [   نصوص الكتاب  لم تنزل  بسبب  ما  أو لسبب  ما   ]  - ،  وشأنية النزول  المُدعاة  إنما جيء بها للتغطية  عن مفاهيم  مبتكرة  و مصاديق  معينة بذاتها      .
    لكن كيف تم  الخلط   بين المادة التاريخية   والنص الديني    ؟   ،    وفي الجواب نقول  :  عادةً ما  يتحكم  بالنص الديني  وفي تطويعه  وفي عمله  -  أهل   السياسة  -  التي بيدهم   تُصاغ  المادة  التاريخية وهي التي تجعل منها   نصاً دينياً    ،   ولنتذكر هنا قول الإمام الحسين  :  -   [   الدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ‏ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ   ]  وهذه حقيقة  تثبت تطويع  الدين لخدمة  مصالح  أهل السياسة ومن بيدهم السلطة  ،  و تاريخ الإسلام  القديم والجديد  حافل بذلك  والشواهد  أكثر مما تُعد   ،  ولهذا تتم  كتابة  النصوص   الدينية   وفقاً  لرغبة   السلطان ومن بيده الحكم  ،  ثم تكون هذه النصوص  هي نفسها المادة  التاريخية  بعدما  يضعون  لها  الأسانيد  المتصلة  إلى النبي    ،  وهذا النوع من الخلط  يؤدي إلى  التحريف والتزييف   ،  مما  يفقد  الحس الجمعي  قدرته  على الرد والمناورة   ، وبالتالي  تصبح  المادة والفكر  الذي يُشاع ويسود  هو ذلك الذي يريده  السلطان  ،   حسب مقاساته  ومسوغاته ومايؤمن به ويرتضيه  .
    ويعني هذا إن النصوص  الدينية   قد  تعرضت  إلى سرقة  معرفية   ،  وإلى تدليس سرى أثره  في  الفكر وفي الثقافة  وحتى في المُخيلة  العامة   وذهنية الإيمان  ،  مما  ولد لديناً  مُركباً  هجيناً  لا نعرفه  في  لغة  الكتاب  ولا في القواعد  العقلية    ،   ومع  إن الوهم والخرافة  لا يشكلان  جُل  الحقيقة الدينية لكنهما  يتحكمان بها وفقاً   لرغبة أهل السياسة وأرادتهم   ،     ولعلكم  سمعتم  عن    -  جماعة الوضاعين  -   الذين يمتهنون  وضع الأخبار وتلفيق القصص   ،   وهذه الجماعة  نمت وكبرت  في ظل  نهايات  الدولة الأموية والعباسية   - ولقد أفرد الشيخ الأميني رحمه الله  في كتابه الغدير للوضاعين وأحاديثهم  كتاباً   بالأسماء والصفات  -      ،   وهؤلاء  هم  أنفسهم  الذين سخروا هذا النص من سورة التوبة لمهمة  ومعنى  -  هجرة النبي -   ،    وجميعنا  يعلم  إن تلكم الأخبار  فاقدة للشرعية  من جهة الدلالة والمعنى وجهة السند    .
    ولكن ما الربط  بين  النص 40  من سورة  التوبة   وهجرة النبي  ؟    ،   من حيث المبدأ  لا ربط بينهما في الأصل  ،  ذلك   إن مادة النص  شيء  والهجرة  شيء أخر  ،   ولغة  النص ومادته  تتحدثان  بطريقة الإستدراك  والإحالة  إلى الماضي  وإلى  أمر ما  قد حدث  ،   ودلالة  النص هنا   في بيان صحة النبوة  وصدقها   ،  وتسلسل  النص وتراتبيته     ،   ليس فيه  مايدل  من جهة  اللفظ أو المعنى على ما نُشر  في كتب الأخبار والروايات    ،   وبحسب  منطوق  النص   و الشرح الأبتدائي عليه ،  إنما  هو تعريف  :  (    بحكاية  النصر  الإلهي  الذي حصل للنبي  حين داهمه  الكفار وأخرجوه من الغار    )   ،   ويُفهم  من  تحليل  النص  إن لغته  تتضمن معنى التقريع والتوبيخ  ،  هكذا  هو   خطاب  النص   المطلق  عن الزمان والمكان  الذي تحقق بهما  النصر      .
    ولنتأمل  ذلك  في قوله تعالى     : - (   إلاَّ  تنصروه  فقد نصره  الله   )   -  ،   حرف    -  إلاَّ  -   على رأي   أبن هشام في المُغني وأبن مالك في الألفيه   وأبن منظورفي اللسان    ،   إنما   :  - [   هو   حرف   مركب  من  جزئين ، هما  (  إن الشرطية  )  و (  لا الناهية  )  أو  (  لم  النافية   )   ]   ،  ومعناها -  إن لم  -    أو  - إن لا  -   وجملة   [ إلاَّ  تنصروه   فقد نصره الله  ]  هي جملة مركبة    من الشرط  وجوابه   ،  و بيان ذلك في الأين   -   المكانية -   ،   حين  قال  :  -   إذ أخرجه  الذين كفروا  ثاني  أثنين   إذ  هما   في الغار -  ،  وحرف -  إذ -  المكرر الذي يفيد  التوكيد   في لغة العرب يأتي بمعنى (  لما  أو  حين   )   ،  ومعنى  ذلك    : - إن الله نصره  -  لما  -  أخرجه الذين كفروا من الغار  -  ،  وليس كما توهم  عامة المفسرين   بقولهم  :   -   [  إن الله  نصره حين فر هارباً من مكة يريد المدينة ]    ،  مع إن  الكلام  في النص واضح  ودلالته  على المحل الذي نصر الله به نبيه كذلك واضح    ،   قال : -  إذ  هما في الغار -  ،    وطبعاً  لم يكن  وجود  النبي  في الغار بسبب  خروجه مهاجراً  إلى المدينة كما  توهم  البعض   ،  إنما الكلام في النص  كان  عن الكيفية التي  نصر الله بها النبي من بطش الكفار حينما أخرجوه عنوة من الغار  ،  [  والذي كان فيه مصادفة  وليس  للعبادة  ولا للهجرة  ]    ،  بدليل وجود  هذا   -  الصاحب  -  المجهول الهوية والحال  .
      وتعريف  صاحب  من الصحبة  وهي الرفقة  المجردة   ،   والتي  تحصل  في السوق وفي العمل  وفي وسائل النقل وفي الشارع وفي السجن وفي غيرها من الأماكن    ،  ولا دليل يفيد  بإن يتبع  الصاحب صاحبه في الفكر وفي الإعتقاد  ،  والنص مورد البحث  إنما يتحدث عن هذا  بصيغة  مطلقة مجردة  ،  و بحسب منطوق النص  إنها جاءت  مُصادفة  وليست عن ترتيب مسبق  ،  و ذلك واضح  و لم يُشر النص على خلافه     ،  بل  تركه  مجرداً   في  معناه الذهني واللغوي    ،  وفي الحالة  هذه   لا يمكننا تلبيس المعنى أكثر مما يحتمل   هذا من جهة  ،  ومن جهة أخرى لا يصح الإدعاء أو القول  :  (  إن الصاحب هنا هو فلان من الناس  )   ،  وإلى ذلك دلت إستخدامات  لغة العرب  في : -    إن  معنى  الصاحب  لا يدل على الصديق أو الأخ أو الحميم   -   ،  إنما هو ذلك الشخص الذي يكون  بمعية  أخر في سفر أو في غيره   ،  وجاء  لفظ -  الصاحب  -   مفرداً  وجمعاً  منكراً ومعرفاً   في الكتاب المجيد  نحو خمساً  وعشرين نصاً  ذُكر فيها  اللفظ     ،  كما في  قوله تعالى :  [  يا صاحبي  السجن أَأَرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ]  39  يوسف  ،  ولفظ  صاحبي هنا  دال على مجرد  التواجد  في ذلك المكان  ،  جاء   وصفاً  لحالهم  وتواجدهم  مع يوسف النبي في السجن  ،  وفي الكتاب  المجيد  هناك  نوعين من المعاني    :    : 
    [  أولهما      :   ورد بمعنى    -  المالك  -  الدال   التملك  والملكيَّة  ،  كما في قوله  -  أصحاب النار ، واًصحاب الجنة  وهكذا  -  ،   وأصل الدلالة هنا   هو  الملازمة   [  بين اللفظ ومعناه  ]  ،    وعلى ما يصح معه إطلاق  معنى  الملكية -  .
    وثانيهما     :  ورد  بمعنى  عام   دال   على  -  مطلق   العلاقة   بين الناس -   ،  كما  هو ظاهر في  قوله  تعالى من سورة يوسف 39  المتقدمة     ، وهذا النوع  من الإستعمال  للفظ  يأتي  في صيغة  وصف  حال   ، وفي  الكتاب المجيد    أمثلة  على ذلك  متنوعة   ،    تُبين  أو  تذكر  مجرد  العلاقة  بين  طرفين أو أكثر   ولا يربطهم  رابط  ديني أو فكري   ،  ولا ملازمة عقلية  في هذا النوع  توجب أو تدل على  أن يكون  الصاحب   على  فكر صاحبه  أو على إيمانه    ،  إنما  الشرط  في  صحة إطلاق  اللفظ  على معناه  المجرد     .
     . وأما قولهم  :  بأن  المُراد  من معنى  -  الصاحب  -   في النص رقم 40 من سورة التوبة  هو  الخليفة  أبي بكر   ،    فهذا  قول  مردود   ولا دليل عليه سوى الظن   ،  وتغليب الفعل السياسي اللاحق على المعنى الديني   ، ولم يكن   الغار المُشار إليه  في هذا النص هو  نفسه  غار حراء في جبل ثور    ،  كما  لم يكن معنى  الإخراج  في النص  هنا  دليل على  هجرة النبي  من مكة إلى المدينة  ،   والقول في مجمله قول عام  لا يحتمل أكثر من ذلك  ،  كما  إن النص ليس في معرض الكلام عن  مزايا حسنة   لمن صاحب النبي  في الغار  ، ولهذا  لا يمكن الأستفادة  منه في  مجال الأحقية السياسية  في الزعامة والخلافة  ،  ذلك إن شأنية الخلافة  وإستحقاقاتها  شيء  أخر مختلف  عن  معنى الصحبة  المجردة   ،  الخلافة كما نفهمها تقوم على أساس  الشورى والإختيار  العام      .
      من أجل هذا   ندعوا  لإسقاط الجملة   التراثية الرائجة  والتي تقول   -  أصحابي كالنجوم  بمن أقتديم أهتديم -  التي يترنم  بها غير واحد  من المُتبارين  في سوق الأحقيات السياسية   المزيفة    ،  كما يجب  إسقاط  فرضية   (  عدالة الصحابة )  من البين  لأنها  وظفت في سياقات  من التناكف والتنطاح الفرقي السيء    ،   وإعتبارها  مجرد أخبار كاذبة توظف  من أجل   تحقيق أهداف ومصالح  سياسية    ،   وهذا  فعل ممنوع  و باطل شرعاً     ،  بل إنه  نوع من  أنواع   الدجل  والتدليس  المخالف  لنصوص الكتاب ومعناه   ،   والتي قالت  وتبنت   معنى : -  (  إنما المؤمنون أخوة )   ،   ولم يصدر عنها   القول  : -  (   إنما المؤمنون أصحاب  )   -   ،  والكتاب  حين  أستخدم لفظ  -  الأخوة -   أستخدمة  في معناه  الحقيقي   الدال  على  العلاقة الصالحة والصادقة  بين  المؤمنين    ،  ولم يتبن الكتاب  لفظ الصحابة  كدليل على ذلك ..
    ونعود  لنقول : -  أن  لا دلالة   في النص 40  على كون  معنى  الإخراج  المقصود  هو  من مكة إلى المدينة  ولا  من بيته   إلى المدينة  -   ،  بل ظاهر اللفظ وعمومه  يعني  الإخراج   من الغار    :   (  الذي كانوا فيه   هو وصاحبه  )   ، وعملية الإخراج من الغار   إنما  تمت بواسطة  الفرق الجوالة  التي داهمت الغار وأخرجت النبي ومن معه  ، و هذا  بحسب منطوق النص -  [ أي إستخدام العنف والتهديد بالسلاح   في ذلك   ]    ،   من أجل هذا الوضع إنتابت  صاحب النبي   حالة من الخوف والحزن   ،    وهي حالة مبررة  إن نظرنا إليها في سياقها  الموضوعي الطبيعي  ،    من  رجل عادي  وضعه القدر  في لحظة  بصحبة النبي  حين تمت مداهمة  الغار      .
    وهذا البيان يدعونا    : -   لرد فكرة المُعجزة  المادية والحسيَّة  المُدعاة في هذا الشأن    -   ،  ونفي فكرة المعجزة الحسية على كل نحو  مع بعثة النبي محمد  -  بالقرآن  -  ،  والنفي أساسه  وجود المانع وفقدان المقتضي  ، ومعنى ذلك  إن بعثة النبي  مانعة لحدوث معجزات حسية ومادية  ،  بدليل  وجود  -  القرآن  -  الذي أعتمد على العقل في التعاطي مع الأشياء في الحياة والكون ،   ونمت  معه  ما نطلق عليه  -  بالمعجزة التجريدية  -  ،   والتي تعتمد العقل والعلم  والبرهان أساساً لها    ،  أي إنه  ومع   نزول القرآن  أنتفت الحاجة للمعجزات الحسية ، وبدأ  دور العقل  والعلم  في تبيان الأشياء وتوضيحها  ،  كما في كل المسائل ذات الصلة بالحياة والكون من  حق وباطل أو من خير و شر  .
     نعم حين تحدثت نصوص الكتاب المجيد عن الماضي وعن الأنبياء الذين سبقوا نبينا محمد  ،  ذُكرت بعض المعجزات المادية التي حصلت  كوسيلة إيضاح في الإيمان وفي المحاججة  لغرض ما ولعلة  معينة ما   كانت في وقتها   ، ولكن هذا  النوع من المعجزات  أنتهى أوآنه  بعدما  أكتمل  تطور العقل  مع نبوة محمد ، ومعها سيكون   الدور للعقل  والعلم   في  موضوعة  التحليل والشرح والتدبر والإكتشاف والإختراع ، و فسح المجال لهما  في  تفسير الظواهر الكونية  والحياتية  ، والفكرة  هذه صحيحة  تماماً  فجميع  الإبداعات والقفزات العلمية  تمت  حين تجرد العقل من ضواغط الحسابات الميكانيكية .
    أقول هذا  :  ولازال  الكثير  من  مفسري الكتاب المجيد  يعتمدون  على ماهو مادي وحسي  من قبيل فرضية شأن النزول  والناسخ والمنسوخ  وغيرهما   ،   ولازال البعض غير مبال  بما يحدث من طفرات علمية  هائلة   ،  ولازال البعض  يحاول تعطيل حركة العقل والعلم  ،  متكأين  على الوهم  والخرافة  ووسائل الإيضاح البدائية  ، ولازالت حمامة أبوجهل  وعنكبوت أمية بن صفوان  هي التي تشكل  وعيهم ومفهومهم  عن  الهجرة وتداعياتها ، مع  العلم  :  إن  العقل الطبيعي يقول بإستحالة أن تعيش حمامة في الصحراء   ،  لكن هذه الصيغة  من أخبار  ساسة قريش وظفت في الفكر والثقافة  والروايات والتاريخ وأعتمدها عامة المفسرين  كدليل  على نصر الله وحمايته للنبي  ، مع إنها مجرد  قصة خيالية وكذبة أتى بها قصاص محترف   ،  وأظنه  كان يعلم  إنه  في ذلك  يخالف   قوله تعالى :  (  فأنزل الله سكينته عليه ، وأيده بجنود لم تروا )     ،   ومعنى  -  أنزل  -  أي   جعل  السكينة   على النبي في مواجهة خطر المداهمين    ،   ولكن كيف كان ذلك   ؟    قال إنما السكينة كانت  من خلال  تلك  الجنود  التي أيدت النبي ودعمته وساندته  ،   -   وأيده بجنود لم تروها  -   ،   وهي نفسها  التي  حققت  للنبي النصرة  والعون   ،  إذن  النصر والعون والدعم من الله كان بهذه الجنود  التي لم يرها  أحد  ، وليس بالحمامة أو العنكبوت  وهذه الأخبار المزيفة  ..
    وخلاصة القول :  إن هذا النص لا علاقة له بهجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة ، كما إن المُراد بصاحبه في الغار ليس أبي بكر على نحو التعيين واليقين ، إنما هو مجرد صاحب  كان  في لحظة معينة وفي مكان معين ، ومعنى أخرجه الذين كفروا ليس من مكة بل من الغار ، ولولا تأييد الله بجنوده  له  لما كان يمكنه  الخلاص والنصر الذي تحدث عنه النص ، وفي المجمل لم يكن النص إلاَّ تذكير لمن حول النبي وغيرهم بأنه سينتصر حتماً  بتأييد الله ولو لم ينصروه ، تلك هي سنة الله وثقة النبي وإيمانه  ...

    آية الله الشيخ إياد الركابي
    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit