الثقة بالوثيقة والرؤوس العتيقة!!
    الثلاثاء 9 أكتوبر / تشرين الأول 2018 - 08:08
    د. صادق السامرائي
    تهيمن على الواقع الإعلامي والتواصلي حملة شرسة تتكلم بلغة الوثائق الدامغة كما تدّعي في هجومها على العرب والإسلام والمسلمين , ولها رموزها ومفرداتها وآلياتها التعبيرية التي تبدو مقنعة وصحيحة ونزيهة وحيادية , ولا هدف لها إلا تقديم الحقائق والبراهين والحجج التي تفند إدّعاءات العرب والمسلمين من أولها إلى آخرها , ويقوم بذلك عرب أولاد عرب , يتكلمون اللغة العربية وقد تم ترويضهم وتأهيلهم ليكونوا من أشد أعداء العرب والدين.
    ويعتمدون في طروحاتهم , التي تبدأ بأسئلة , على وثائق وكتب متنوعة , ويجتزؤون من التراث العربي ما يحلو لهم لإسناد طروحاتهم.
    ويقولون لك أن هذه الوثيقة التي كُتبت في السنة الفلانية تذكر كذا وكذا ولا تذكر كذا وكذا , فهذا يعني أن كذا وكذا موجود وكذا وكذا غير موجود , وإنها إختلاقات وأوهام وتصورت قد كتبها القوي المنتصر لكي يتمكن من الهيمنة على مصير الناس , أي أنها وسائل إستعبادية لا غير.
    ويمكنهم أن يمرروا ما يدّعونه على عامة الناس من الذين تصادرت عقولهم أو تعطلت , بسبب التجهيل العارم الذي يوفره للناس أصحاب العمائم المتاجرة بالدين.
    وهؤلاء يستغلون الوسوسة العربية بالتأريخ , وكيف أن العرب والمسلمين لا هم لهم إلا التفاعل مع ما مضى وما إنقضى من مسيرتهم السابقة , والتي لا يرونها إلا حاضرة وتتقدمهم.
    وكلما تابعتهم وقرأت لهم وإستمعت , أجد الكثير من الخطل فيما يطرحونه , والعديد من الأساليب الخداعية والتضليلية المبنية على قوانين ونظريات نفسية مجربة في تطهير الرؤوس مما فيها , وحشوها بما يريد مُستهدفيها.
    ووثائقهم في زمن الفوتوشوب وقدرات التصوير والنسخ والتحوير والتصنيع الفائق لا يمكن الإعتماد عليها , فأين كانت على مر العصور والأزمان وإذا بها بغتة تظهر علينا اليوم؟!!
    فالواقع المعاصر الذي نعيشه لا يمكن فيه الوصول إلى إستنتاج رصين إعتمادا على ورقة عتيقة كما تبدو , ذلك أن الصينيين يمكنهم أن يأتوا إليك بما تريد من العتيق والجديد , ولا يمكنك أن تميزه , حتى لو إستعملت تقنيات العمر الكاربوني , فأنهم سيحتالون عليها.
    قالت الوثيقة الفلانية التي كتبها فلان قبل الإسلام , وقالت الأخرى التي وجدناها وهي مخطوطة في السنة كذا وكذا , وهذا كله محض هراء قد ينطلي على الناس لكنه لا يصمد أمام آليات التفكير العلمي , ولا يمكنه أن يتوافق مع المنطق السليم , وحتى وإن قدّموه بثوب منطقي جميل مبهرج بتقنيات العصر التي يمكن فيه أن نزيف حتى الجينات البشرية.
    فلا ثقة بالوثيقة , وعلينا أن لا نضع في رؤوسنا عقولا عتيقة , ومن الواجب المصيري والمسؤولية الحضارية أن نتخذ منهج التفكير العلمي سبيلا للحياة , ونبتعد عن هذه الطرهات!!

    د-صادق السامرائي
    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit