اغراءات السلطة وسحرها الدائم
    الأربعاء 10 أكتوبر / تشرين الأول 2018 - 07:17
    د. حامد السهيل
    ان القيادات العربية التى وصلت الى السلطة, بأى شكل او طريقة وصلوا اليها يشتركون بصفة رئيسية مهمة, كل واحد منهم يحتكرها لنفسة الى ان يموت او يطاح به بانقلاب ويقضى علية او يتم اغتياله. ان الاستمرار فى السلطة, هذه الحالة نشأة منذ وفاة الرسول الكريم وبداية اسلوب حكم  يمتد الى يومنا هذا. تم اختيار ابو بكر الصديق, رفيق الرسول وصاحبه خليفة للمسلمين, بالشورى ومن ثم البيعة وتولى الخلافة التى استمرت 2 سنه وثلاثة اشهر وثمانية ايام فى عام 13 للهجرة الى ان فارق الحياة لاصابتة بمرض لم يستطيع التغلب عليه. لم يعترض احدا على استمراره بالسلطة, (الخلافة ) من احد. وتولى عمر ابن الخطاب من بعده الخلافة سنة 13 – 23 هجرية واغتيل على يد ابى لؤلؤه, ومن ثم جاء عثمان ابن عفان خليفة للمسلمين سنة 23- 35 هجرية وكانت اطول مدة خلافة ,12 عاما, وحصلت فى فترة حكمة فتنه تركت اثارها على مستقبل الخلافة, ذلك لرعايته الخاصة لاهل قومه خلافا لتعاليم الاسلام, وتم محاصرته  فى بيته  ولقى حتفه محاصرا, وجاءت خلافة الامام على من سنة 35-40 هجرية واستمرت الخلافات والصراعات بين    كبار الصحابة وتم اغتياله من قبل (بن ملجم). بمقتل الامام على  انتهت مرحلة حكم الخلفاء الراشدين الذين قامت شرعيتهم على اساسى قربهم من الرسول الكريم وحرصهم على استمرار وانتشار الدين الحنيف والاخذ بمبدأ الشورى "فيما بينهم".  
    جاءت مرحلة الدولة الاموية التى استمرت 90 سنه والتى كانت فى الاساس سلطة العشيرة والقبيلة وكانت مبنية على اساس الملك الذى يتوارث من قبل العائلة, كما كانت الصيغة المعروفة " تلاقفوها فيما بينكم" كنظرية سياسية فى الحكم ما زالت مؤثرة فى الانظمة العربية. لقد رافق عملية التوارث الترف والبذخ والتمتع بكل اشكال مباهج الحياة وتشييد القصور واحيانا ايضا بناء الجوامع التى سوف تحمل اسمهم , وكان الحاكم "الخليفةا" الامر الناهى والمستبد بالسلطة والحكم. 
    نجح العباسيون فى الاطاحة بالدولة الاموية ليقيموا دولتهم "ألدولة العباسية" التى فى حقيقة الامر لم تختلف كثيرا فى بنيتها الهيكلية عن سابقتها فى صيغة ممارسة السلطة واحتكارها وتوارث الحكم والتصرف بالمال العام والتمتع بمباهج الحياة بترفها وبذخها وما اتاحة به الفرص من جديد وتنوع. 
    ان الانظمة العربية, خاصة تلك التى تكونت عن طريق الانقلابات العسكرية استمرت فى السلطة سنين طويلة وحاولت جاهدة توريثها الى ابنائهم, صدام حسين حكم العراق من 1968- 2003 وانتهى واولاده ايضا بالاحتلال الامريكى قبل ان يجد الصيغة لتقاسمها بين اولاده, و حسنى مبارك 1981- 2011 وكان جاهدا توريثها لابنه جمال , ومعمر القذافى استمر فى السلطه 42 سنه وحاول توريثها لاحد ابنائه ايضا, الاسد فى سوريا, الرئيس حافظ الاسد 1970-2000 وتولى الرئاسة ابنه بشار الاسد 2000-  2018 ومازال رئيسا, عمر البشيرفى السودان استمر حكمه 1993- 2018 وما زال فى السلطة. كما يبدو فان احتكار السلطة والاستمرار بها ومحاولة توريثها كانت الصيغة التى قامت عليها اكثرية الانظمة العربية.                  ,  
    ان حزمة من الاسئلة تفرض نفسها  حول هذا التمسك المستميت بالسلطة, هل هى الامتيازات بمختلف انواعها, مستوياتها وبنيتها الهيكلية, وماهى الدوافع لتوريثا الى الابناء او العائلة؟؟  انها اسئلة كثيرة  وتفسيرات وتاويلات متعددة قام بها عدد كبير من علماء النفس والاجتماع وقدموا شروح  كثيرة حول هذه الظاهرة وكلها تحمل تأملات صحيحة وعقلانية.  فى هذا الاطار اورد ما جاءت به السيدة " كارلا برونى-Carla Bruni " زوجة الرئيس الفرنسى الاسبق" نيكولا ساركوسى". ان الايطالية " كارلا برونى " من جميلات جيلها, عارضة ازياء معروفة, ومغنية ومؤلفة موسيقى, هذا بالاضافة الى انها من عائلة غنية ارستوقراطية معاصرة التى تملك نسبة كبيرة من اسهم " شركة بيريللى" لصناعة الاطارات وممتلكات اخرى هنا وهناك, بالاضافة الى الـقصر الفخم الذى نشاة به. كانت كارلا برونى مدللة منذ نعومة اضفارها, وكما يقالا, (خلقت وفى فمها ملعقة من ذهب), كما انها فى ترحالها بين عواصم العالم كعارضة ازياء او مغنية كان تحجز او يحجز لها (سويت, جناح ) فى احد فنادق الخمس نجوم الفاخرة, كما كان من اصدقائها والمعجبون بها شلة كبيرة من نجوم الغناء والممثلين ومصممى الازياء العالميين ورجال الصحافحة والاعلام, انها كانت ضمن شريحة النخبة والمشاهير من مجتمع الـ (Jet Set ), هذا يعنى انها لم تكن بحاجة لاستجداء الاعتراف والاعجاب  المستمر كل يوم وفى (الرايحة والجاية) او ان تثبت وجودها مجددا, فقد كان هذا واقعا ماثلا لها واحتفظت الى حدما فى نوع من التسامى والبساطة. تقول الحسناء كارلا برونى : انه شىء اخر كزوجة لرئيس الجمهورية, فى مركز السلطة والدولة, موظفون وموظفات جاهزون دائما لخدمتك, انه شىء اخر عن حياة ترف الاغنياء, ليس المال والثروه وانما السلطة المنتخبة التى تشرع وتنظم لك كل هذة  الخدمات والامتيازات, اينما تحل تجد اشخاص مدربون جاهزون لك ولخدمتك, انهم يقرؤ رغباتك وسعيدون بتنفذها دون كلل او ملل, وما يوفره جهاز الدولة من خدمات وامتيازات للرئاسة يفوق التصورات الاعتيادية, لاتوجد حدود للخدمات, انه جهاز مؤتمن محترف متكامل ومتخصص فى مختلف الواجبات يسهر على راحتك ورضاك, اننى لم أئلف مثل هذه الامتيازات ابدا. هذه الحالة تنعكس  عليك وتؤثر بك وتدخل اليك سلسة تبعث شعورا جميلا جديدا باهميتك ومكانتك, انه شعور بالنشوة والفرح والاطمئنان كالذى يحصل فى الرحلات الفضائية التى يقوم بها بين الحين والحين العديد من الفنانين والموسيقيين!!  تذكر السيدة كارلا برونى انهم قرروا السفر الى الشاطىء لقضاء ساعات ممتعة على البحر فى القصر المخصص للرئاسة, تحركت الهاليكوبتر وبعد نصف ساعة افتقد الرئيس لباس سباحته المفضل, وامر بالرجوع الى باريس لاخذ لباس سباحتة المفضل, ولكن الرئيس رفض  اقتراحى شراء لباس سباحة جديد فى منطقة الساحل حيث تتوفر موديلات متنوعه, واصر على جلب لباسه المفضل. 
    كان رئيس الجمهوريه السابق بستدعى حلاقه الخاص يوميا لقص و لتنظيم تسريحة الشعر, كاانت هذه المهمه تكلف الدولة 500 يورو, انه ترف ما بعدة ترف ودلال لا يحضى به الا من وصل هرم السلطة.
    اذا كانت  الحسناء المرفهة القوية ( كارلا برونى) ينتابها شعورا ساحرا فى السلطة وما توفره من امتيازات, فما عسى حكامنا العرب الذين اقتحموا السلطة واغتصبوها ان تكون مشاعرهم واوضاعهم النفسية وانعكاسها على  سلوكياتهم وتطلعاتهم المستقبلية فيما يخص السلطة والسلوك العام , خاصة فيما يتعلق بالسكان ومستقبلهم ,, وكما هو معروف ان غالبيتهم ينحدر من اصول اجتماعية اقتصادية متواضعة ولم يحضى باعتراف ومكانة مهمة قبل وصلهم للسلطة. ان مواقعهم فى السلطة يؤمن لهم الامتيازات الخيالية والشعور الفريد بالاهمية والقوة وفرض انفسهم والتحكم  بالاخرين.  ما هى الدوافع التى دفعت الرئيس صدام حسين بناء اكثر من خمسون قصرا فى مختلف المدن العراقية دون ان يتمتع بها وتكاد ما قدمته له من خدمه فى واقع الامر لا يزيد على ملاجىء  للهروب والتضليل. الم يكن ارتباط وتواصل بين قرية العوجة والبيت الريفى التعيس الذى لا يحمى من برد الشتاء ولا من حرارة الصيف والقصور الفخمة التى كانت من روائع الفن المعمارى بكل ما توفره الحداثة من جماليات وتناغم مع الطبيعة وحتى خلق طبيعة جديدة. هذه القصور كانت مجهزة بطاقم متكامل مستعد دائما وفى اى وقت لخدمة الرئيس والسهر على راحته , كما كانت الخزينة وثروات العراق تحت تصرفه متى يشاء وكيفما يشاء. لماذا يفكر بالتنازل, او تحديد زمنى لنهاية الاحتكار خاصة وممارسة السلطة وفرضها على الاخرين تحمل سحرا فريدا رائعا ومستمرا., بعد كل السنين التى عاشها كامبراطورفى القرن العشرين, هل يجرأ امام نفسه فى التنازل عن السلطة, بالتأكيد هذا غير ممكن, وبذلك فيجب الاستمرار والبقاء.
    ان التفكير بالنخبة الحاكمة منذ 2003 , المقارنه بين معيشتها ووضعها الاجتماعى فى بلدان اللجوء وما هى عليه اليوم فى الوطن الذى يدعون العمل لانقاذه وبنائه تجسد صوره قبيحة بشعة لمستوى الاخلاق والتهافت وسرقة المال العام والاصرارعلى تحطيم القيم والاعراف والقوانين والنظام المجتمعى. السيد المالكى الذى قضى 25 سنه فى السيدة زينب /سوريه لم يمارس عملا منظما والمعروف انه كان يترزق من بيع بعض الحاجيات البسيطة ولم يتمكن, مع كل المحاولات التى بذلها, من فتح دكان, مطعم صغير لبيع السندويشات لابنه. لقد اصبح لدورتين رئيس وزراء ويعيش فى احد قصور صدام الفخمة, يرافقة دائما اسطول من الحماية العسكرية وتقدر ثروته, وفقا لبيانات بنكية بالمليارات, بالاضافة الى العمارات والاستثمارات خارج العراق.  القرية البائسة فى (قضاء طوريج ) اصبحت فى عداد الماضى البعيد, بقايا من الماضى الغابر, ولكنه المتحضر حديثا يقيم حفلة عيد ميلاد لاحد بناته تتجاوز تكاليفها مليون دولار, حيث تم استيراد الكعكة والهدايا من اوربا"طبعا", وهذا ابنه يتبختبر بسيارته المفضلة ( الرومبرجينى) الايطالية فى العواصم الاوربية. مازال المالكى نائب رئيس الجمهورية ورئيس حزب الدعوة بالرغم من فشله الذريع وتجاوزه على القوانين, كان يجب ان يكون مصيره فى اى نظام يحترم نفسة السجن وتسحب منه رئاسة حزب الدعوة, الا ان النظام يحميه وهو يحمى ايضا استمرار النظام,  كما يعيش المالكى حاليا لم يخطر بباله حتى فى احلام اليقظه. الم يؤكد "سوف لا ننطيها",انه يعلم جيدا لماذا "لاينطيها " لايتنازل عنها لانه لا يريد الرجوع الى ايامه    البائسة فى السيدة زينب ثانية.
        واخرون كانوا فى احسن الاحوال مستخدمين او موظفين بسطاء فى اجهزة الدولة, والعديد منهم امييين بدون حرفة ومهنه كانوا بائسون اجتماعيا وفى بلدان اللجؤ مارسوا بعض الاعمال, بدون رخصة اصولية, بسطات لبيع الخضروات او بطاقات التليفون النقال,  اصبحوا مع الاحتلال وحزب الدعوة وزراء, مدراء عامون, وكلاء وزارات  ومستشارين ......الخ يتمتعون بالمكانة والامتيازات والحماية العسكرية والسكن المجانى والابهة والفخامة والايفادات المستمرة وارصدة ثقيلة فى البنوك العالمية. ان هؤلاء جميعا يجسدون النظام المتهالك والذى فقد اى مقومات الشرعية, اصبحو ذو مكانة وسلطة وقوة واخذوا يكتبون لهم تاريخا جديدا. انها اشكالية خطيرة معقدة ومتفرعة الطريقة التى تمت بها معالجة الخلفية الاجتماعية والاقتصادية المتواضعة وفى الكثير من الحالات التى توصف بالبائسة, بالاسلوب المعهود: الازاحة والتناسى, هذا يعنى انهم تنكروا لماضيهم وكانما خلقوا اليوم من جديد, فى هذه المناصب ومعها كل الامتيازات المغرية التى تفعل كالسحر فى تغييب الوقائع والتاريخ, وتدغدغ  الذات وتسمو بالذات الى عوالم اخرى, ان هذه النخبة الفاسدة حريصون جدا على احتكار السلطة واستمرارها ويدافعوا عنها باستماته كبيرة وبكل الوسائل المتاحة, ليس بالقوات المسلحة النظامية وانما ايضا بتنشيط عصابات الجريمة المحترفة بالاضافة الى الافساد المبرمج للنظام الاجتماعى ونشر الخرافات والوعى المنحرف وبعث اليأس والتخاذل فى نفوس الشباب. كما انتهت الانظمة السابقة , سوف ينتهون هم ايضا فى مزابل التاريخ.     
                        
      د. حامد السهيل فى 9. 10. 2018           
    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit