معرض فني كبير للفنان الاميركي آندي وارهول في روما "اعمال ساذجة خالية من اي عاطفة انسانية"
    الأربعاء 10 أكتوبر / تشرين الأول 2018 - 19:37
    موسى الخميسي
    كان من الطبيعي في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية ان يرفض الفن العديد من القيم التقليدية التي كانت سائدة، كي يعيد بناء عوالمه الخاصة، منطلقا من صلته المباشرة بالاحداث. وجاءت عبارة " البوب آرت" اي الفن الشعبي في منتصف الخمسينات من القرن الماضي لتعلن وقوف العديد من الفنانين الشباب ضد ما كان يسمى بالفن اللاشكلي للتعبير والعودة من جديد للاستجابة لحوار الاساليب الشكلية في العمل الفني، وذلك لانهم رأوا في الحداثة التي جاءت بها التجريدية ما يشكل انفصالا في الموقف حيال الواقع الاجتماعي. وبفعل المتغيرات الجذرية التي شهدتها اوربا الغربية والولايات المتحدة الاميركية ،تحول فن الحداثة التشكيلي إلى طقوس وشعائر، ودعاية واعلانات، وأصبح المهم هو عمل الفنان، وحركته، ومشاركة الجمهور، وبالتالي تحول إلى منشط ثقافي في الوسط الذي يحيا فيه، لأن المهم بالنسبة إليهم، هو (فكرة العمل الفني) وليس العمل الفني بحد ذاته. وهكذا  يتم الخلط بين عدة أنظمة فنية في العمل الواحد… (نحت- عمارة- رسم- مسرح- موسيقى.. تصوير فوتوغرافي- حفر- طباعة- رقص- نشاط- سياسة)، مما حول العمل الفني إلى استعراض سمعي- بصري- حركي.

    وقد ظهرت حركة " البوب آرت"× مرتبطة في بداية الامر بوسائل الاعلام واساليب الدعاية التي كانت سائدة في الولايات المتحدة الاميركية. وقد احتاجت هذه التجارب الفنية الى وقت طويل كي تستطيع ان تبني لنفسها موقفا متماسكا يقف بالضد من حركة التجريد الكاسحة التي شاعت في عموم العالم.

    الا ان حركة" البوب آرت" لم تكن نفسها في دول اوربا كما هو الحال في الولايات المتحدة الاميركية، اذ كان الفنانون الاوربيون الغربيون يبحثون من خلالها عن اشكال مماثلة، الا انها تتسم بدلالة تمثيلية انتقادية اكثر وضوحا للواقع الاجتماعي ومظاهره الاستهلاكية التي اصبحت اسيرة لطبيعة النظام الرأسمالي.

    و" البوب آرت" ارتبط اسمها باستخدام كل الوسائل المتداولة في الحياة اليومية وفي طريقة التعامل المتغيرة مع المواد والالوان كعناصر فاعلة، ومغايرة لكل ما تقتضيه المفاهيم الفنية التقليدية.  كل ذلك لتتيح لنفسها التحرر والانفلات من قيود المراقبة وقوانينها التقليدية، ولم تنفصل عن تأثيرات الدادائية وخاصة اختبارات الفنان الفرنسي " مارسيل دي شامب" والفنان " مان راي" وتحركات الفنان " غابو" وغيرهم، فجاءت العودة لاستخدام الصورة الفوتوغرافية وقصاصات الصحف والمجلات المصورة، وركزت فيما بعد على تكبير الصور الفوتوغرافية بواسطة الفانوس السحري لتضيف لها الالوان.

    ويجيء المعرض الكبير ، في صالات قصر " الفتوريانو" الكبير في قلب العاصمة الايطالية روما، للفنان الاميركي" آندي وارهول 1928- 1987" بمناسبة الذكرى الـ90 لميلاده، والذي يضم 140 عملا فنيا من اعماله اضافة الى مجاميع من العلب المعدنية للحساء الجاهز، التي كان يرسم اعلاناتها التجارية. ويعتبر هذا الفنان ملك" البوب آرت " الاميركي، اذ يؤكد هذا المعرض الذي تحولت  جدران صالاته الى تشكيلات ملونة متحركة لعدد كبير من اعماله الفنية ، بان الاتجاه الاميركي المرتبط بالتصوير الساذج في رؤية العالم، من خلال العمل الفني الخالي من اي تأثر او عاطفة، بل ان هذه الرؤية شكلت في البداية احد ثوابت اتجاهات" البوب آرت" الاميركي، اذ ان بدايات هذا الفنان التي ارتبطت بالعمل الدعائي الاعلاني الذي مارسه كرسام ازياء ورسام بطاقات الاعياد والتهنئة ومناسبات الزواج والوفاة ، والملصقات الجدارية التجارية، لم تتغير اساليبه في عملية انتقاله من الفن التجاري الى ممارسة العمل الفني البحت، بل ظل يعتمد على استخدام الصورة الفوتوغرافية التي تعتمد على التكرار مع اضافة بعض التعديلات البسيطة وخاصة ما يتعلق باللون. واستعان في عمله بطرح إعادة التقييم البصري الذي تحمله الصورة الفوتغرافية، بدون خلق التباين والتناقض في الحالة التي يسخرها او يستخدمها في خدمة عمله الفني .

    ان صلة الفنان" وارهول" كنموذج لغيره من الفنانين الاميركيين بمظاهر الحياة الواقعية، وخاصة الصناعية منها، وما يحمله عالم الآلة، كان يعكس حيادية، اقل ما يمكن ان يقال عنها بانها باردة وتلقائية وفطرية في تحديد الحركة والفعل.

    كما ان الموضوعات استخدمت لذاتها لتكون اكثر واقعية في تصوير الواقع، وبصورة وثائقية لاتحمل التنوع او التباين، الا في بعض التفاصيل الصغيرة. وفي النهاية إن ما تعكسه هذه اللوحات هي حالة راهنة لاتحتمل دخول عالم الرمز إليها، لانها كما ذكرنا تعتبر توثيقية مع الواقع.

    وجاءت شهرة " وارهول" الكبيرة من خلال ارتباطه بالعمل التجاري في البداية، ومن خلال حاجة المجتمع الاميركي الى وسائل جديدة للتعبير عن الواقع الجمالي في حياة اتسمت باللامبالاة والبرودة، وقد جعلت منه الدعاية الاميركية حتى هذه اللحظة اكبر فنان في العصر الحديث، بل ن بعض النقاد الاميركان اطلق عليه تسمية " روفائيل" عصرنا الراهن .

    الشهرة أتت لـ" وارهول" في البداية باعتماده على إعادة رسم الصور الفوتوغرافية باحجام كبيرة متكررة تتعارض فيها المناطق الملونة بخلائط لونية شديدة التباين، وعالج سطوح اعماله مشدودا إلى الامتداد والاستمرارية اكثر من اعتماده على البؤرة داخل سطح العمل الفني، وكان بهذا يطلب من المشاهد الاستجابة الحسية غير المنفعلة والتي لا تتطلب التركيز والانفعال، فصور شخصيات نجوم السينما البارزين أمثال" مارلين مونرو" كما صور شخصيات سياسية امثال " ماوتسي تونغ". وأشتهرت اعماله داخل اميركا مثل المسلسل الكارتوني" ديك تراسي" و" كاركراش" و" نقاط القوة" و" كوكا كولا" و" بيبسي كولا" و" جاكلين كنيدي" و "الموناليزا" و" الفيس بريسلي" وأشتهر عمل له" علب الشوربة" واخر عمل انجزه" العشاء الاخير".

    وهو بكل هذه الاعمال أراد ان يحقق مسالة انتقال ميكانيكية الدعاية التجارية السهلة الى سطوح العمل الفني من دون محاولة محاكمة الموضوع . وقال احدى المرات " ان الدافع الاساسي في عملي الفني هو ان يجعلني أشبه بالآلة "، إلا ان بعض أعماله تتجه إلى تعرية الهالة الصنمية التي تتمتع بها الشخصيات التي كان يرسمها، من خلال اخضاعها لمسيرة الدعاية التجارية العادية جدا، وهو بهذا التوجه حاول ان يبرز طبيعة الواقع الاجتماعي في تمثيل الأشياء الحقيقية الموجودة فعلا في هذا الواقع كشواهد للظاهرة الحياتية التي جلبتها الآلة والتكنولوجيا، وجعلتها تسير داخل دائرة لاتخلو من سخرية تدعو في جانبها الخفي إلى التساؤل، وهذا ما تظهره أعمال "وارهول" السيريغرافية التي أطلق عليها اسم" الكوارث"، فمجموعة هذه الأعمال تصوّر حوادث السير، والكرسي الكهربائي للاعدام، والاضطرابات العنصرية. فمع ميكانيكية ما كان يطمح لتحقيقه، فان فنه لايخلو على الاطلاق من تنشيط في مدارات الجدل حول التلقائية الالية الفطرية.

    لقد تميزت مجموعته " السيريغرافية" باستخدام الالوان الحارة الصافية والمتناقضة على سطح صوره الفوتوغرافية المتكررة بغرض تمويه بعض الأجزاء، ولتقتل ميكانيكية التكرار، فركز على استخدام اللون الأحمر البرتقالي والوردي والاسود الفاحم والأصفر الفاقع، وهي نفس الوان الملصق الدعائي. كما ان اعماله لاتتسم بالتقنية الدقيقة، وهو بخلاف زميله الفنان الاميركي " ويسيلمان" الذي سخر فنه لنقد الواقع الاجتماعي الاميركي، كما ان " وارهول" يختلف عن الفنانين " جاسبر ، جونسن، وروبيرت راوشنبرغ" اللذين شكلت أعمالهما اقترابا لعالم الدادائية في تعبيراته واختزالاته وجنونه.

    × - وفن البوب ارت  هو كلمة مختصرة لكلمة ” popular art ” و هي تشير الى" الفن الشعبي "  هو نوع من انواع الفنون الجميلة التي تعتمد على السخرية من الواقع و يتمثل في مجموعة من الصورالفونوغرافية التي تمثل مجموعة من الناس والاشياء والتقاليد او الثقافات الشعبية واحيانا تمثل هذه الصور الفوتوغرافية والإعلانات و الأخبار وغيرها من مجريات احداث تدور حول ملتقط الصورة.

     روما: موسى الخميسي
    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit