كيف تحجرت قلوبهم؟
    الخميس 8 نوفمبر / تشرين الثاني 2018 - 08:55
    عادل نعمان
    كاتب وإعلامي مصري
    يتساءل القوم كيف يقتلون؟ وكيف تطاوعهم أيديهم وقلوبهم على سفك دم طفل برىء؟ أو أسرفوا فى قتل أم أو أب أو شيخ عجوز؟ وقد قالوا لنا يوما «إن امرأة دخلت النار فى هرة، حبستها ولم تطعمها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض» فماذا لو قتلتها أو سفكت دمها، كما سفكوا دماء كل قتلانا؟ كيف أوتى القاتل قسوة القلب، وصلابة وهدوءا فى إزهاق الأرواح، وشدة وبأسا فى هلاك الأنفس البريئة، وقوة واحتمالا عند النظر إلى عيون خائفة، وشفاه مرتعشة، ودماء تسيل، ولا يتراجع ولا يحن ولا يضعف؟ ونحن نبكى ولا ننام الليل إذا أصيب طفل أو شيخ، او تأوه من جرح طفيف.

    نبدأ وعليه القصد والسبيل: الدواعش لما كانوا يدربون أشبالهم الصغار على القسوة والإثخان، ويروضونهم على الخروج خطوة وراء الأخرى من كل المشاعر الإنسانية، وخلع رداء الرحمة على مهل وتريث، والتجرد من فطرته وضعفه برفق وترو، ويحل محلها القسوة والشدة والغلظة والشراسة بإثارة وتحريض وإغراء، حتى يصبح مجاهدا فظا غليظ القلب، قاسيا شديد البأس، ميت الإحساس، لا يستجيب لضعف أو لبكاء طفل، أو توسل أم، أو يحن إلى حضن أب أو أم، حتى لو كانا فى صفوف القتلى. يبدأون بالخطوة الأولى فى التدريب بخنقهم الكلاب والقطط الصغيرة، ثم سلخها وهى حية، فإذا ما اشتد عوده، انتقل للخطوة الثانية، أن يقف الشبل فى طابور الإعدامات، دون سلاح ليعتاد صوت الرصاص وأنين القتلى، والثالثة: أن يقف هذا الشبل فى طابور الإعدامات بسلاحه، ويصوبه على رأس الضحية ليقتله من الخلف، ثم الأخيرة أن ينفذ حكم الإعدام بمفرده على الضحية ليصبح شبلا داعشيا متميزا، قد خرجت من ثناياه كل مشاعر الرحمة والإنسانية والرأفة والعطف والحنان والشفقة، كخروج الروح من الجسد إلى غير رجعة، هذا مع الصبية الصغار. أما مع الكبار فيؤخذون من الدار إلى النار، وليثبت كل منهم تجرده من عواطفه ووداعته دفعة واحدة، حتى يصبح مجاهدا على حق، وتكون بداية الاختبار أن يتقدم كل من له صلة قربى بالضحية ليقوم بتنفيذ الحد، كحد السرقة وقطع اليد أو حد الرجم، فى قريبه بيديه، وكلما كانت صلة القربى أقرب إلى الضحية، كانت أقرب للطاعات، فيتقدم الأخ لقطع يد أخيه أو قريبه، أو رجم الزانية من أهله، وإذا امتنعت القرابة وبعدت الصلة، جاز الاستعانة بالغريب، هل تصدقون أن رجلا يتقدم الصفوف لتنفيذ حد الرجم فى ابنته، ويكون أول حجر هشم رأسها، يكون من يديه الحانيتين، كيف يحمل الصخر بيديه ويرجم ابنته ويهلل ويكبر، إلا إذا كانت الأبوة قد ماتت على يديه، وتحولت خلاياه إلى خلايا حجرية كالتى يحملها، ثم لا يقبل منها أسفا أو ندما أو توبة، هذا هو أقسى أنواع القتل، أن يقتل الإنسان إنسانيته وآدميته بيديه.

    يحكى التاريخ أن خوارج الإمام على بن أبى طالب قرروا قتل الإمامين معا ومعهم عمرو بن العاص للتخلص من الفتنة، يذهبون إلى البيت الحرام فى مكة، يعتمرون، ويعتكفون فى المسجد الحرام خمسة عشر يوما، ثم يفترقون لقتل الثلاثة، يموت بن أبى طالب على يد أحدهم، ويفلت من الموت معاوية وعمرو، فلم يذهبا لصلاة الفجر هذه الليلة، قصص القتل والتعذيب على أبواب المساجد وعند الصلاة، زاخر بها تاريخنا وتراثنا، ولم تغفر لهم صلاتهم، بل مات من صلى وزاغ من الموت من زاغ من الصلاة.. نخلص إلى إجابة السؤال: أن المسألة العقدية (من العقيدة) تتفوق وتهزم كل مسائل المحبة والإنسانية والمودة وصلة الرحم والقربى والليونة والرحمة، وكلما تفانى الواحد منهم فى طردها جميعا من داخله، وتكلف وشق على نفسه فى إبعادها إذا اقتربت، كان أقرب إلى الطاعات، فهو يظن أنه إذا خرج إلى قتال كمن خرج إلى الصلاة، ومن اجتهد وأسرف فى القتل وبالغ فى الإثخان كمن اجتهد فى النوافل. كذبوا؟.


    adelnoman52@yahoo.com
    "المصري اليوم" القاهرية
    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit