الواقع والمواقع!!
    الجمعة 30 نوفمبر / تشرين الثاني 2018 - 05:58
    د. صادق السامرائي
    ما يدور في الواقع لا يتفق وما تثيره المواقع الإعلامية والتواصلية المتنوعة , فالواقع يتكلم بلغة ذات أبجديات قاهرة والمواقع تصدح بلغات ذات أبجديات ساخرة , وكأن المجتمع صار عمله ومسؤوليته أن يكتب في المواقع وحسب.

    الواقع يعج بالكوارث والتداعيات والفساد والإضطرابات السلوكية المضرة بالبلاد والعباد , والناس همها التدوين في المواقع , وما أثرت المواقع في الواقع , بل زادته تدهورا وتعقيدا وتدميرا وتقهقرا , فالمهم أن المواطن يكتب في المواقع , وليكن الواقع مادته الدسمة المحفزة على السخرية  منه والإستهزاء به.

    وفي هذا السلوك يبخس الناس أنفسهم ويستلطفون إمتهانهم والإستهانة بهم , ومصادرة حقوقهم وسرقة ثرواتهم والمتاجرة بدمائهم وأرواحهم , ذلك أن المواقع  يمكنها أن تكون قوة فعالة ومؤثرة في الواقع , وهذا يتأتى من وجود نظام حكم وطني غيور على الشعب والوطن , ويؤكد مصالحهما معا , وبغياب الحكومات الوطنية الغيورة تتحول المواقع إلى منابر للضحك على الذات والموضوع.

    ففي المجتمعات القويمة التي أوجدت حكومات وطنية يكون للكلمة في المواقع وقعها ودويها وتأثيرها الكبير , إذ قد تُسقط حكومات وتزيح مسؤولين من مناصبهم لإخلالهم بشرف المسؤولية , وعندنا التصريحات بالفساد والرشاوى وسرقة الأموال على قدم وساق , ولا شيئ سوى الإستنكار المزعوم , والمحاباة تدوم , والفاسد يزداد فسادا , والراشي يجد نفسه في زحمة المرتشين المتلهفين للأخذ الحرام.

    فما يدور في المواقع لا يؤثر في الواقع , وإنما يزيده إصرارا على الإنحراف والإمتهان والإستئثار والإستحواذ , والإمعان بقهر المواطنين بالحاجات وحرمانهم من أسباب العيش البسيطة التي يحظى بها الحيوان.

    والعلة تتأكد في فقدان الكلمة لقيمتها ودورها في حياة الناس , وإنتشار الكذب والغش والرياء والمحسوبية , والإيمان الكبير بالفساد كمذهب ودين , وأنه من مقومات سلوك العيش السمين.

    وقد لعبت العمائم واللحى دورها في تعزيز السلوكيات الخالية من العمل الإيجابي , وذلك بأسر الناس بالمشاعر البغضاوية والفئوية والطائفية والعنصرية , لكي تربح تجارتهم ويكون البشر بضاعتهم التي يبيعونها ويقبضون أثمانها.

    كما أن أصحاب الكراسي الممنوحة بالوكالة والمحمية والمؤكدة لمصالح الآخرين , لهم دورهم الفتاك في تجريد الحياة من قيمة الكلمة وأهميتها , وصار ديدنهم القوة فهي الناطق الرسمي بالفعل والتفاعل وما عداها هذربة وهراء.

    فالقوة بمصادرها ومقوماتها هي المذهب والدين والحزب والعقيدة والرب والكتاب المبين!!

    والمواقع قواقع والواقع صاعق وسائق!!


    د-صادق السامرائي
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit