الدولة السعودية وأزمة الهوية الملكية
    السبت 1 ديسمبر / كانون الأول 2018 - 14:54
    حكمت البخاتي
    مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث
    ذكر المؤرخ الطبري فيما نقله عن ملوك الأكاسرة أن رجال دينهم كانوا ينصحونهم بقتل من عصى الملوك وخالفهم ونكث عهدهم... وأنهم لا يستحقون أن يرحموا … ونقل عن كسرى - أبروزيه أن وزرائهم يذكرونهم باستيجاب قتل من استوجب القتل منهم ويقولون عاجلوهم بالقتل قبل أن يحتالوا لأنفسهم حيلا يقتلونكم بها – تاريخ الطبري ج1 ص 623 منشورات مكتبة أرومية-
     وهكذا دأب الملوك في الأمم القديمة على قتل خصومهم والطامحين الى الملك من أسرهم وذويهم حتى يأمنوا على الملك، وصارت تلك سياسة الحماية للملك وأشخاص الملوك في نظمهم وقوانينهم، حتى اذا دأب أولئك الملوك على القتل واستمروا عليه تبددت رهبة القتل في نفوسهم واعتادوا على رؤية الدماء، وكان دم هابيل المسفوك مستساغا في عيون قابيل مفتتح طريق المُلك الى القتل، لكن اعتياد المشاهدة لمنظر الدم أورث الملوك عصابا ومزاجا يستهوي مشاهدة الدماء، وصار القتل سنة في أثرهم السياسي ومزاجا في تركيبة النفس لديهم حتى استقر في الذاكرة الشعبية لدى شعوب المنطقة أن الملوك يطببون أمراضهم بأكل أدمغة الشباب والاطفال وفق الاسطورة الكردية لتهدأ ثائرة الدم والرغبة المعتمة فيه، والتي ترمز اليها الثعابين التي تخرج من كتف الملك الضحاك وتطلب المزيد من دماء الاطفال والشباب، وذلك شكل أسطورة كاوة الحداد التي تحتفل بها شعوب الشرق كافة في مواسم الربيع، وكأن هذه الشعوب تشترك في عمق تلك الذاكرة وتشترك في الايمان بمضمون هذه الاسطورة بإحالة الظلم والقتل الذي يمارسه الملوك الى ذلك النوع من العصاب الذي يستعصي على الشفاء، وتلك دلالتها التي ظلت تسيطر على ثقافة الشعوب في المنطقة في النظر الى الملوك، وأورثت تلك الاسطورة في اللاوعي الجمعي لهذه الشعوب كل ذلك الخوف والرهبة من الملوك وتعززت نتائجها في الوعي الجمعي لهذه الشعوب بظلم الملوك واستهوائهم دماء الشعوب.
    وتنخرط سياسة الملوك تلك في النظرية السياسية القديمة التي تنبني على اساس ان الملك اختيار الهي وليس اختيار بشري، ويظهر الملك حمورابي وهو يتسلم مقاليد الحكم والشريعة من الاله شمش في مسلته الشهيرة في تعبير عن هذا الاختيار الالهي، ويتأسس على تلك النظرية الدينية – الوثنية القديمة فكرة أو عقيدة الحكم المطلق الذي كان يمارسه الملوك في كل أصقاع العالم القديم، وتمضي تلك العقيدة في تمرير فكرتها وتأسيس القبول بها في عقيدة أخرى لصيقة بها أو متولدة عنها وهي عقيدة الجبرية – القدرية التي ترسخ الايمان بتسيير الانسان بالجبر القدري المختوم بالقضاء قبل مولده وما عليه سوى الاذعان الى قدره المرسوم مسبقا، وتأسست الطاعة في المدرسة الجبرية الاسلامية في ايام الدولة الأموية على هذا القدر السياسي الذي تحول الى القدر الديني في هذه المدرسة الملزم لطاعة ولي الأمر.
     وكان يتأسس على نظرية الحكم المطلق منذ ابتكارها القديم في الممالك الأكثر قدما و يتفرع عنه فكرة الاستمرار بهذا الحكم حتى بعد موت الملك، فابتكرت تلك النظرية حق ولاية العهد للأبناء من الأمراء، وقد صادرت تلك الطريقة في الحكم سواء في الحكم المطلق أو في ولاية العهد حق الشعوب القديمة في إدارة شؤونها من خلال المجالس الديمقراطية في حياة هذه الشعوب البدائية (عن هذه المجالس الديمقراطية راجع العقلية البدائية، ليفي براول، ترجمة محمد القصاص ) قبل تكوين الدول والممالك في العالم القديم، وصادرت في الدولة الاسلامية مفهوم البيعة الشرعي وطريقة الشورى في الادارة والحكم، وقد ظلت تلك الدول والممالك ذات الأنظمة المطلقة والمبنيّة على نظرية الحكم المطلق سائدة وباقية في الشرق حتى الحرب العالمية الأولى، لكن هذه الممالك تقوضت وانهارت دولها في هذه الحرب التي نقلت العالم الى نظام سياسي حديث وحلت الجمهوريات في الشرق محل تلك الممالك الكبرى ذات الانظمة المطلقة لكنها استمرت على منوالها السياسي في الحكم المطلق والنظم الشمولية والقمعية في الكثير منها، وأما الأنظمة الملكية الدستورية فإنها نجت من تلك العواقب في السقوط والانهيار وكان نموذجها في هذا الاستثناء التاريخي هو الملكية الانجليزية. 
    الملكية الدستورية: تجذر الهوية وديمومة الأسر الملكية
     استمر النظام الملكي الإنجليزي في وجوده السياسي والاجتماعي منذ تحوله الى الملكية الدستورية في القرن السابع عشر الميلادي، وكان بقاء الملكية الدستورية واستمرارها سبب بقاء واستمرار بريطانيا الكبرى في وجودها التاريخي الوسيط والحديث، وتعود تحولات هذه الملكية الى الدستورية منذ القرن الثالث عشر الميلادي عندما انتزع النبلاء والبارونات اعترافا بحقوقهم وتقويض بعض صلاحيات الملك فيما عرف لديهم بالعهد الأعظم واهم بنوده ( أن الرجل الحر لا يقبض عليه ولا يسجن ولا يجرد من ممتلكاته ولا يهدر دمه ولا ينفى ولا ينال بأي ضرب من ضروب الأذى إلا بناء على حكم صادر على مقتضى قوانين البلد )، واعترف الملك في هذا العهد بحق النبلاء والبارونات في التضييق والحجز على الملك ومصادرة قصوره وأملاكه وسائر ممتلكاته اذا وقعت منه مخالفة ولا تعود حقوقه اليه إلا بعد تصحيح مخالفاته ورضى النبلاء عنه، وقد أشار ذلك العهد الى تساوي طبقة النبلاء وعامة الناس في هذه الحقوق مع الملك – تاريخ أروبا العصور الوسطى، هـ. أ. ل. فيشر، ترجمة محمد مصطفى زيادة والسيد الباز العريني، ج2 ص 295 - 297، ص دار المعارف / مصر - وهو ما عرف تاريخيا بـ " الماغنا كارتا أو "الميثاق العظيم للحريات في إنجلترا".
    ورغم أن هذا العهد ضَمَن حقوق الطبقة الاقطاعية بالدرجة الأولى إلا أنه أسس لكل ذلك الاصلاح البرلماني الذي إكتملت قواعده في القرن السابع عشر الميلادي بعد تطور المفهوم والسلوك البرلماني في الحياة السياسية الانجليزية، ومنها إجبار الملك هنري الثالث على يد المعارضة في البرلمان في العام 1258 م على قبوله أن تكون الحكومة بيد حزب البارونات واشترطت عليه القبول بذلك النوع من الحكم فيما عرف بشروط أكسفورد في التاريخ الدستوري الانجليزي – راجع المصدر نفسه ج 2 ص 299-
     لكن حدث أن قام الملك جيمس الذي توج ملكا على إنكلترا في العام 1603 م بالانقلاب على الروح الانجليزي الذي تأصلت فيه النزعة الدستورية ويفسر هذا التحول بعض الباحثين أنه نتيجة انتماء الملك جيمس الى أصول غير انجليزية فهو من أسرة آل ستيوارت الغرباء عن البلاد الانجليزية، فاصدر أمرا ملكيا بحقه في سن القوانين دون استشارة البرلمان وأنه سيد جميع رعاياه وله الحق بقتل أي من رعاياه ولاحق لأحد في محاسبته إلا الله وعلى الشعب أن يخضع له خضوعهم الى الله – تاريخ الحضارة الأوربية الحديثة، علي حيدر سلمان، ص 117 – 118، دار واسط للنشر والتوزيع – 
    وبذلك أعاد الملكية المطلقة وتطبيقات نظرية الحكم المطلق وشرعية السلطة فيها وفق عقيدة الاختيار الإلهي للملك الحاكم، لكن في العام 1689 م وبعد خلو عرش إنكلترا من الملك على أثر هروب الملك جيمس الثاني الى فرنسا قدم البرلمان الانجليزي العرش الى وليم الثالث أمير اورنج وصهر الملك الهارب، واستغل البرلمان هذا السلوك السياسي قانونيا ليثبت للملك الجديد أن الملك لا يحكم البلاد بحق مقدس أو امتياز موروث بل بإرادة الشعب. 
    ولتأكيد سيادة الشعب ومنع تكرار حوادث نفوذ الملوك الى الملكية المطلقة وإعادة العمل بنظرية الحكم المطلق قدم هذا البرلمان العتيد والعريق في النظرية الدستورية في العام 1689 م قائمة الحقوق التي نصت على سيادة القانون على الملك وانتزاع كل قوة ممكنة للملك تجعله قادرا على إيقاف أحكام القانون – م ن، ص 124 - واستطاعت قائمة الملكية الدستورية الانجليزية ان تلغي نظرية الحكم المطلق و تقوض الملكية المطلقة في إنكلترا وتفتتح طريقا عقلانيا للملكية الدستورية للاستمرار في العالم الحديث وديمومة الأسر الملكية متربعة على عروشها وبرضا شعوبها وانسجامها مع التحولات التاريخية التي شهدها العالم الحديث واستجابتها لهذه التحولات كرموز تذكر الإنسان الحديث بأوليات التاريخ الاجتماعي والسياسي البشري وتأكيدات انتماءات الهوية كمحددات لانتماءات إنسانية وتاريخية أخذت سياقاتها القانونية والسياسية في العلاقة بالدولة الحديثة في نظمها الملكية الدستورية، وهو ما تستحضره الدولة الملكية البريطانية في النشيد الوطني الذي يبدأ بالدعاء بالحفظ للملكة والقسم الذي يؤدى باسمها وجواز السفر وقيادة السيارات الذي يكون موقعا باسمها أيضا، وهو يشكل نوعا من التواصل المستمر للتاريخ البريطاني في ماضيه وحاضره مما يؤدي الى تجذر الهوية بشكل أعمق في الضمير الوطني البريطاني الذي كان مسؤولا الى حد كبير عن كل انجازات بريطانيا وقوتها في التاريخ الحديث.
    المفارقة التاريخية والملكية المطلقة: الملكية السعودية
     ان المفارقة التاريخية في التحول السياسي الذي أعقب الحرب العالمية الأولى هو ظهور مملكة أو دولة ملكية في الجزيرة العربية بعد الحرب العالمية الأولى وفي الفترة التاريخية التي أعقبت سقوط الملكيات المطلقة - التقليدية والقديمة، وقد أعادت تلك الملكية المطلقة الجديدة نظام الحكم المطلق من جديد وبالطريقة التقليدية في العالم القديم، وقد التحقت بها الجمهوريات العربية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية أيضا بسياساتها الداخلية وأزماتها البنيوية لأنها تنزع عن ذات البنية السياسية والاجتماعية التي تشكل الملكيات المطلقة، وكانت المملكة العربية السعودية هي تلك المملكة المطلقة الجديدة التي استندت الى ذات الطريقة القديمة في ولاية الأمر في الطاعة السياسية المتأسسة على الطاعة الدينية في المدرسة الجبرية – الأموية، واعتمدت النظام الأفقي في ولاية العهد بانتقال حق الملك الى الأخ ولي العهد ثم انحرفت في مسار ولاية العهد الى النظام العمودي بانتقال حق الملك الى الابن.
     وكان ظهورها أول إشكاليات الصدام بين عالم قديم وعالم حديث بالنسبة لعالمنا العربي والاسلامي وأول إخفاقات عالمنا نحو الدخول في العالم الحديث وحمل كوامن التناقض بالنسبة لوجودنا الاجتماعي والسياسي في العالم الحديث الذي لم يعد يقبل أو يسمح بذلك النمط من النظام السياسي الذي يصطدم بقوة التحولات الدراماتيكية المتلاحقة في المفاهيم والأفكار المتعلقة بالإنسان السياسي وضماناته الدستورية في هذا العصر. 
    فالإنسان في هذا العصر وبامتياز انسان سياسي في أقصر تعريف له ويكفل له الدستور ذاك الامتياز ويعتمد فكرة الحرية المكفولة دستوريا في وجوده وفي كل المجالات التي تتعلق بوجوده سواء الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى الدينية وفق صياغة العالم الحديث لمفهوم الانسان الحديث وشمولية الطابع السياسي والقانوني للإنسان الحديث في هذا العصر، لأنه ارتبط عضويا بمفهوم الدولة – قانون الجنسية - وارتبط وجوده بطبيعة النظام السياسي في الدولة أو اعتمد على طبيعة هذا النظام السياسي – المواطنة – والوجود السياسي والقانوني للإنسان في هذا العصر ينظمه القانون الأساس للبلاد وهو الدستور. 
     ولم تعد الدولة التي لا تتأسس وفق مفهوم الدستور قابلة للانضمام الى العالم الحديث، وينتج عنه ذلك الخلل في الحياة السياسية في تلك الدول ذات الأنظمة غير الدستورية أو الشمولية، وأول ضحايا هذا الخلل الاجتماعي والسياسي هو مبدأ المواطنة وهو ما أدى الى تأخر تلك الدول ذات الأنظمة الشمولية والمستندة الى نظرية الحكم المطلق نتيجة هذا الخلل الاداري - القانوني والسياسي عن اللحاق بالعالم الحديث وتطوراته على صعيد الاقتصاد والسياسة، وكانت في مقدمتها الدولة التي تحكمها الملكية المطلقة وغير الدستورية وهي المملكة العربية السعودية والتي تكون المواطنة وأطرها القانونية والسياسية في الحرية النقيض الأول والمباشر لها وتشكل أكبر أزماتها الاجتماعية والسياسية في العصر الحديث وهو ما يفسر ذلك التغييب المتعمد للوثيقة الدستورية في الدولة السعودية.
     هذه الدولة التي مر على تأسيسها أكثر من ثمانية عقود من الزمن ولم تمتلك أو تضع قانونا أساسيا للحكم والإدارة للبلاد، وقد بدت الحاجة ملحة في ستينات القرن العشرين من اجل تنظيم شؤون المملكة الداخلية ونظام الوراثة في الحكم فاقترحت حركة الأحرار بقيادة الأمير طلال بن عبد العزيز مشروع دستور في العام 1958 م وتبنى مقترح ومسودة الدستور الملك سعود بن عبد العزيز في العام 1960 م إلا ان الخلافات بين الملك سعود بن عبد العزيز وأخيه ولي العهد حالت دون اكتمال مشروع الدستور فألغي قبل تشريعه وكان يتألف من 200 مادة، ومراجعة بعض مواده تكشف عن إمكانية وضع المملكة العربية السعودية على طريق الملكية الدستورية جزئيا.
     وقد أشارت ديباجته الى قضية الشورى والحكم العادل والمساواة والفرص المتكافئة بين المواطنين، ونص الباب الأول منه في الدولة ونظام الحكم على أن الدولة السعودية نظامها ملكي وحكومتها شوروية وان الاسلام دين الدولة وتستمد الشرعية منه دون الإشارة الى استمداد التشريع أو السلطة من القرآن الكريم والسنة، ونص في الباب الثاني من المادة أولا على العدل والحرية والمساواة وعلى كفالتها للتعليم في المادة عشرة، وعلى كفالة الدولة للحرية في المادة أربعة عشر، والمُلكية الخاصة مصونة في المادة ستة عشر، وفي المادة ثامن عشر حظر المصادرة للأموال والأملاك إلا بحكم قضائي، وفي المادة خمس وعشرين إنشاء النقابات حق مكفول، وفي الباب الثالث من الحقوق والواجبات نشهد تطورا واضحا في الفهم الدستوري لمبدأ حقوق الانسان.
     وشرعت مسودة الدستور في الباب الرابع صلاحيات الملك وهي صلاحيات واسعة لكن المهم فيها أنه تمت صياغتها بشكل دستوري، وحددت المادة ثلاث وخمسين من هذا الباب أن جميع صلاحيات الملك يتولاها بواسطة مجلس الوزراء وجميع المراسيم الملكية تحمل توقيع الملك الى جانب توقيع مجلس الوزراء، ونظمت مسودة الدستور صلاحيات وعمل السلطة التنظيمية في الباب الخامس، ونصت المادة اربعة وستين من هذا الباب على إناطة السلطة التنظيمية بالملك وبالمشاركة مع مجلس الوزراء، وفي الباب السادس نظمت السلطة التنفيذية في المادة مائة وتسعة فأناطت بمجلس الوزراء رسم السياسات العامة للحكومة، واستمرت مسودة الدستور بتنظيم العلاقة الإدارية والقانونية والسياسية بين الملك والدولة وكل مؤسساتها – ويكبيديا الموسوعة الحرة، حول الاصلاح الدستوري ومطالبات الدستورية الملكية ودور طلال بن عبد العزيز. فيها راجع تاريخ العربية السعودية من القرن الثامن عشر وحتى نهاية القرن العشرين، ألكسي فاسيليف ص 482 ومابعدها، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر –
     إلا أن الخلافات بين الملك سعود بن عبد العزيز والمؤسسة الدينية الوهابية وانحياز هذه المؤسسة الى ولي العهد فيصل في نزاعه مع الملك أدت الى إزاحة الملك سعود وعزله عن الحكم، وبذلك تمت حركة القضاء على محاولة يتيمة في تاريخ الدولة السعودية نحو ملكية دستورية أو شبه دستورية كان بإمكانها ان ترسم مسارا سياسيا وقانونيا ناجحا وصحيحا للدولة السعودية، إلا أن البنية الدينية والقبلية للنظام الملكي السعودي غير قابلة للإصلاح الدستوري والسياسي لأنها بنية تقليدية تنتمي الى ثقافة العصر الوسيط بينما يشكل الاصلاح الدستوري أحد أهم ركائز ومقومات العصر الحديث الذي لم تلجه الدولة السعودية والبنية الثقافية فيها.
     وفي ظل هذا الغياب الدستوري الواضح بأي شكل من أشكاله ظلت الدولة السعودية تحتمي خلف مقولة القرآن الكريم والسنة هما دستورا البلاد التي جاءت في المادة أولا من الباب الأول من المبادئ العامة في وثيقة النظام الاساسي للحكم التي تُسيّر بشكل مؤقت ومبتسر شؤون الحكم في الدولة السعودية، وهي مقولة غائمة وغامضة وتؤدي وظيفة التبرير الديني – السياسي للنظام السياسي الملكي في الدولة السعودية، ولا تمتلك الدولة السعودية وثيقة مدونة في توثيق القرآن الكريم والسنة مصادر للتشريع في البلاد رغم ادعاءاتها الدينية والإسلامية إضافة الى أنها لا تمتلك أساسا أي وثيقة أو مدونة دستورية وتفتقد الوثيقة الوحيدة التي أصدرتها الدولة السعودية أو بالأحرى التي أصدرها الملك فهد في العام 1992 م.الإشارة الى مصدرية القرآن والسنة في التشريعات السعودية – راجع النظام الأساسي للحكم للدولة السعودية، ويكيبديا الموسعة الحرة –
     وقد جاءت تلك الوثيقة لسد الفراغ القانوني والشرعي الناجم عن التغييب المتعمد للدستور، بل ما تؤكده وتشرعه تلك الوثيقة أن الحكم في الدولة السعودية يستمد سلطته من كتاب الله تعالى وسنة الرسول كما جاء في المادة السابعة من الباب الثاني في النظام الأساسي للحكم، وهو الاسم الذي أطلق على هذه الوثيقة والموقعة باسم الملك فهد ملك المملكة العربية السعودية وتبدأ بعبارة "أمرنا بما هو آت" مما يمنح الملك السعودي حق الحكم المطلق بمعزل عن الشعب وهي أول قواعد الملكية المطلقة ثم تؤكد مطلقية الشرعية لها في استمداد السلطة من القرآن الكريم دون المصدرية في التشريع له مما يؤدي الى ترسيخ الملكية المطلقة في الضمير الديني السعودي تحت مبدأ طاعة ولي الأمر الموظفة بشكل غير منسجم في الأحكام السلطانية والولايات الدينية على مر التاريخ السياسي في الاسلام وهي ما تمنح الملكية المطلقة شرعية وقبولا ثقافيا في المجتمعات الإسلامية. 
    وتعكس تلك الوثيقة "النظام الأساسي للحكم" التي لا يمكن إطلاق اسم الدستور عليها نوعا من السياسات الحمائية للملكية في الدولة السعودية لا سيما وانها تم تعديلها ببيان صدر عن الديوان الملكي في العام 2006 م تحت مسمى التعديل الدستوري والذي اقتصرت مواده والبالغة أربعة وعشرين مادة على تعديل نظام هيئة البيعة وآليات وطرق انتقال السلطة واختيار الملك وولي العهد - ويكيبيديا الموسوعة الحرة – 
    لكن الى أي مدى تضمن تلك السياسات الحمائية والإجراءات التشريعية – الإدارية المؤقتة استمرارية وديمومة العرش السعودي في ظل التحولات الديمقراطية والثقافية المتسارعة في العالم الحديث الذي كانت الملكية الدستورية طوق نجاة بالنسبة الى الملكيات القديمة والعتيدة وضمانة استمرار الأسر المالكة في الحفاظ على عروشها والحفاظ على انتقال الامتيازات والسلطات الرمزية في أجيالها. 
    ولعل واقعة خاشقجي الأخيرة تكشف عن حجم الأزمة في الهوية الملكية التي يواجهها النظام السعودي وفي إشكالية انتمائه الى العالم الحديث في ظل نظام الملكية المطلقة التي استعادت طرقها وبشاعتها في عملية القتل التي دأب الملوك القدامى والوزراء الماضين على التواصي به، ولعل القتل والتقريض بالمنشار هو من بقايا السياسات الحمائية وطرائق القتل في النظم الملكية المطلقة القديمة.
    * باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2018Ⓒ
    http://shrsc.com
    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit