شيء من اللغة.. التيمم بالماء و(الانطلوجيا) اللغوية
    الثلاثاء 4 ديسمبر / كانون الأول 2018 - 20:58
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    في الصنعة النحوية تتخلى الكلمة عن معناها لصالح موقعها. فالنحوي بعرب الجملة من غير اهتمام بصدقها وكذبها. ولذلك يقول لك في مثل: غرّد البعير فوق الشجرة، إن غرّد فعل والبعير فاعل. وإذا عرضت هذه الجملة اليوم على المنهزمين أمام المصطلحات الأجنبية التي بها يتعالمون ويتعالون على الناس، مثل (الانطلوجيا اللغوية) و(الهرمنيوطيقا الاجتماعية) وما أشبههما، فيفسرونها على أنها تمثل (الديكوبوزية المضادة للراتسيوناليسو في تحليل الكونتكست) كما كتب أحدهم في تحليل نص مشابه في كليلة ودمنة.
    وقد تسأل عن الذي قادني لكتابة هذه السطور. فعلي الاعتراف أنّ سبب كتابة هذه السطور يعود إلى وصول سؤال طريف من السيد/ أو السيدة (جميلة من المغرب) في البريد الخاص في صفحة التواجه: أيهما (هكذا بصيغة المثنى) أصح: تيممت بالماءِ أو بالماءَ أو بالماءُ، بالكسر والفتح والضم، ولماذا؟ وهي من الجمل التي يتمازح بها رواد مواقع الشبكة العنكبوتية، لأن التيمم بالتراب لا بالماء.
    أول ما قرأت هذا السؤال تبادرت إلى ذهني الطرفة الاسكتلندية التي تقول إن معلما سأل تلامذته: كيف نرمي البيضة على الصخرة ولا تنكسر؟ فقال له تلميذ: ارمها كيف شئت فإن الصخرة لا تنكسر بالبيضة.
    وترحمت على روح الفقيه عامر بن شراحيل الهمداني الشعبي، المشهور بالإمام الشعبي (توفي سنة 100 للهجرة( الذي كان موصوفا بأنه ذو دعابة. ومن ذلك أن رجلا سأله عن أكل لحم الشيطان؟ فقال: نحن نرضى منه بالكفاف.
    فقال له: وماذا تقول في الذباب؟
    قال: إذا اشتهيتَه فكُلْهُ.
    فأقول لمن أرسل السؤال سواء كان جميلا من المغرب أم جميلة، أم لا هذا ولا ذاك: إذا اشتهيت التيمم بالماء وبالماءَ وبالماءُ (بالكسر والفتح والضم) فلك ذلك هنيئا مريئا.
    ومن جهة أخرى فإنّ هذا السؤال أوحى لي بحديث موجز عن الفعل (تيمّم) وهل يجوز لغة أن يكون مع لفظ الماء أم لا؟ وإنما وصفت الحديث بأنه موجز لأن (تيمّم) يدفعنا للتساؤل عن جذره، ومعناه الرئيس ودلالاته الفرعية، مما يطيل الموضوع، وتلك الإطالة لها مكانها في كتاب لا في مقال محدود الحجم، لذا سأبدأ بالمعنى الشائع.
    التيمّم هو القصد، تقول تيممت الكعبة أي قصدتها أو توجهت نحوها. ومنه كلمة (اليمامة) لأنها أرض كان الناس يقصدونها في أيام الجدب وندرة الأمطار، ومنه قول الشاعر:
    إذا خفّ ماءُ المزن عنها تيمّمتْ
    يمامَتَها أيّ العدادِ ترومُ
    وأصل التيمم المعروف من هذا. وحدد التنزيل العزيز معناه وحدوده وشروطه: (......  فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا). ومن ذلك الحين كثر حتى صار علما للتيمم بالتراب بدل الوضوء بالماء. فتقول: تيممت للصلاة بدون ذكر التراب، لأنه صار معروفا مشهورا. ولكن الأصل هو القصد. فلك أن تقول: تيممت الماء: إذا قصدته.
    ويمّمته برمحي تَيْمٍيْمًا: إذا توخّيته وقصدته فطعنته به، قال الشاعر عامر بن مالك، المعروف بمُلاعب الأسنّة، وهي أطراف الرماح، ووصف بذلك لشجاعته:
    يمّمته الرمحَ صدرا ثم قلت له
    هذي المروءة لا لعب الزحاليقِ
    والزحاليق ما زالت مستعملة إلى اليوم وهي ما يتزحلق عليه الصبيان من أعلى إلى أسفل. وتزحلق فلان أي تدحرج. واستعمله الراجز رؤبة في الفتنة فقال:
    لَمّا رأيت الشّرّ قد تألّقا
    وفتنة ترمي بمن تصعّقا
    من سار في ظلْمائها تزحلقا
    وما زالت الزحاليق عنوان هذه الأيام المتزحلقة، يا ملاعب الأسنّة ويا رؤبة بن العجّاج. فقد صار مِن الناس مَن يستطيب التزحلق من أعلى إلى أسفل، أي من القمة إلى الحضيض، فإن شاء الارتقاء والتطور على طريقة (الهرمنيوطيقا) تزحلق على طريقة أبي نواس الذي شده الشوق إلى طوق، فتزحلق من أسفل إلى فوق.
    وقانا الله وإياكم من التزحلق في الفتن انخداعا بشعارات فضفاضة خاوية، ومصطلحات محرّفة عن أصولها.
    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit