ألعشائر العراقية ...بين فخر الانتساب...والسير وراء خطى الفوضى والارهاب!!
    الخميس 8 فبراير / شباط 2018 - 18:08
    أ. د. حسين حامد حسين
    كاتب ومحلل سياسي/ مؤلف روايات أمريكية
    لست متأكدا بالضبط ان كانت لا تزال عشائرنا العراقية تحتفي باصالة دواوينها "المضايف" التي كانت ابوابها مشرعة دائما بتراثنا الشعبي القروي القديم وبتلك الرجولة التي كان الرجل العشائري لا يبالي بالموت من اجل القضايا الوطنية ، وثورة العشرين لاتزال تعيش في الضمائر ، واهازيجها "الطوب أحسن لو مكواري" وغيرها من اهازيج ، كانت تبعث ذكراها في اجسادنا الصغيرة رعدة طفيفة عن تلك الشجاعة القاسية في رد الاعتبار للوطن عندما كان أهلنا يتحدثون عنها في مناسباتهم وبفخر. ولكم هو محزن ما نسمعه اليوم من تدهور لتلك الروح العشائرية الى الحضيض في اثارتها المشاكل بين بعضها البعض وبوجه عراقنا، بعد ان كانت العشائر تعد مدارس الرجال في دواوينها ، حيث القهوة "المهيلة" تعبق روائحها من بعيد ، وحيث الاحتشام والاخلاق. 

    فاليوم نسمع ان بعضا من شيوخ العشائر اكثر فسادا حتى من وزراء الحكومة والسياسيين و"الاعيان" الجدد من الموبقين. فقد امست العشائر العراقية اليوم مجرد عناوينا للتحريض على النزاعات والاعتداء على الاخرين والدفاع عن المجرمين و الهاربين عن وجه العدالة . واصبح وجود العشائر العراقية من اجل فرض الاتاوات على المواطنين واختلاق مواقف جبانة للبعض ممن يرمي نفسه امام سيارة في الشارع ، ليصطاد بها "غنيمة" من اجل ان تسارع عشيرته في تهويل الحادث لينالوا التعويض الحرام واللاقانوني. فلقد قرأنا الكثير من تلك الوضاعات لرجال كنا نعتقدهم اباة للضيم ، لكنهم لا يبالون اليوم من اقتراف تلك الافعال الذميمة ومن ثم نجد الكثيرين منهم على استعداد للتحول الى بؤر للارهاب من اجل حفنة من الدولارات، ولا يبالون بخسارة شرف انتماءاتهم لعشيرتهم ولوطنهم. 

    يقول السيد المسيح "ع" : "ما قيمة الانسان الذي يربح العالم ويخسر نفسه"؟.  

    ففي عراقنا اليوم الكثير جدا من الظواهر المحزنة ، ومن بين هذه الظواهر فقدان العشائر بشكل عام الكثير من سماتها الاصيلة والتي كانت مثلا اعلى وامتدادا وثيقا بالاصالة العراقية . فلكم كنا نسمع من اهلنا ونحن صغار عن وصف الانسان العشائري والذي يحمل سمات شخصية الرجل الذي يمكن الاعتماد عليه في جميع الظروف والاحوال من ناحية الوفاء ، أن يوصف كونه "تربية الدواوين". والديوان "المضيف" هو بمثابة البيت الثاني لرجل العشيرة ، وهو العائلة الكبيرة الاخرى له والتي يتعلم في داخلها ومنذ الطفولة ومن خلال مرافقته لوالده او اخوانه او اقاربه ، يتعلم هناك اسسا راسخة في التهذيب والاداب والوفاء لعشيرته ولوطنه واكتساب الاخلاق العالية من خلال الانصات لكبار السن وتعلم طريقة الحوار وكيفية طرح السؤال أوالرد على الاخرين ، كذلك احترام النفس ورئيس العشيرة والاخرين . 

    في الامس القريب كان رئيس العشيرة و"مضيفه "عنوانا للنخوة ، حيث يتم انتخائه حينما يتعرض الانسان الى الظلم بكافة انواعه ، فيذهب الرجل الى رئيس تلك العشيرة ويجلس في الديوان ، ويطرح قضيته ، طالبا من رئيس العشيرة رد الظلم عنه . وفي تراثنا الكثير من الفخر في قصائد كثيرة من هذا النوع من ثقة الناس بشيوخ العشائر العراقية، وانتخائهم عند الشدائد. حتى ان المطربة المرحومة "صديقة الملاية" انتخت في رمزية غنائية ، في اغنية "للناصرية" ، انتخت بالشيخ الاصيل المرحوم "خيون العبيد" رئيس عشائر "العبودة" في قضاء الشطرة ، طالبة منه ان يعيد لها "حبيبها" الذي هجرها : (وأتعنه لبو عبيد وابجي بمضيفه ...إيرد لي ساهي العين ويحسبها ضيفة)...نعم، هكذا كانت الدواوين ، وهكذا كان الانسان العراقي...وهذا كانت الحياة ، فما اشبه الليلة بالبارحة؟؟!!!  

    هذه الفوضى العشائرية السائدة في ميسان والبصرة ونواحي كثيرة من الجنوب العراقي ، هي نتائج لتهاون وتراخي الحكومة العراقية. فالقوة وحدها هي كل ما يمكن ان تردعنا عن غينا نحن العراقيين لكي نستقيم؟ والعراقيون في داخل العراق هم نفس عراقيي الخارج؟ فلو اخذنا مثلا بسيطا، نجد ان العراقي في الخارج يعيش هناك بشكل مثالي من ناحية التحضر والتكييف وطاعة القوانين هناك ، على عكسه نجد معظم العراقيين في الداخل منغمسين في هذه الفوضى والجرائم اليومية . ولكن ، لو أن عراقيي الداخل ، حتى اولئك ممن يمارسون تلك الجرائم الوضيعة الان، قد حصلوا على فرصة السفر الى الخارج، سنجدهم الاكثر طاعة والتزاما بقوانين تلك البلدان، لماذا؟؟؟!! ، انه الخوف من قوة القانون . فهذه وللاسف ازدواجية الشخصية العراقية ، لا تردعها سوى القوة. وياليت من سيعطينا مثلا عن ندم الارهابيين او المجرمين ومجيئهم الى السلطات العراقية نادمين يطلبون العفو على افعالهم تلك!! هذه الازدواجية ناتجة في الحقيقة ، ان عراقيي الخارج يخضعون الى قوانين تلك الدولة الصارمة التي لا تهاب أحدا مهما علا شأنه . فالقانون يطبق على الجميع بلا استثناء، فلماذا لا نمتلك نحن مثل تلك القوانين الصارمة في العراق ، ونتخلى عن ضعفنا وهواننا ؟ ألم نجد لصوصا كبارا اختلسوا ملايين الدولارات من المال العام ، وتم حكمهم بثلاث او اربع سنين ؟ وكان من المفترض ان يبقوا في سجونهم حتى الشيخوخة؟؟!!

     فاليوم ، وبكل أسى ، نقرأ عن عشائرنا الكثير من الهوان والخروج عن جادة التراث العراقي الاخلاقي ، فحينما يؤكد رئيس العشيرة على النزعة القبلية ، وجعل الانتماء للعشيرة اولا قبل الانتماء للوطن ، فذلك يعني ان رئيس العشيرة  نفسه مجرم بحق المجتمع العراقي ، حيث اصبح التثقيف السائد اليوم في المجتمع ، ان الانتماء إلى العشيرة كفيل بحماية المجرم من تبعات القوانين.

    فمن خلال بغداد (الصباح الجديد) - طالب رئيس محكمة استئناف ميسان الاتحادية، القاضي رحيم نومان هاشم،امس الثلاثاء، الحكومة بعمل جاد لفرض القانون وهيبة الدولة ونزع السلاح في محافظة ميسان فيما كشف عن منع تنفيذ اكثر من 1800 أمر إلقاء قبض بحق مطلوبين للقضاء في المحافظة، بسبب الانتماء القبلي، وضعف الأجهزة الامنية، مبيناً أن معظم جرائم هؤلاء المطلوبين تتعلق بالنزاعات العشائرية وبالمخدرات، فيما اكد امتلاك بعض العشائر أسلحة يفوق عددها ما هو موجود لدى القوى الأمنية في المحافظة..

    واضاف هاشم أن ” النزعة القبلية تؤدي بشكل من الأشكال إلى ضعف الأجهزة الامنية في المحافظة فهنالك نقطة جوهرية في هذا المجتمع وهو الانتماء إلى العشيرة على حساب القوانين، وهذا لا يشمل فقط بعض المواطنين بل يتعداه حتى للموظفين ومنهم أفراد الأجهزة الأمنية”.

    وعن سبب عدم ملاحقة المجرمين ومرتكبي حوادث القتل أفاد بأن "الكثير من أفراد الأجهزة التنفيذية وعلى رأسها الأمنية هم عشائريو الانتماء أكثر من أي انتماء آخر، والسبب الثاني يكمن في عدم قدرة هذه الأجهزة على أداء عملها مقارنة بقدرة بعض العشائر والبيوتات”....(انتهى).

    لا تزال هناك بقايا لبعض من الاصالة في الذات العراقية ، ولكن أيضا هناك احداث متكررة توحي بانحراف العشائر العراقية عن جادة الصواب في ميسان وغيرها من المحافظات بحيث راحت تنال من سمعة هذه التركيبة الاجتماعية الكريمة والى درجة انها تشكل جبهة جديدة ضد الوطن العراقي وتصبح مدعاة الى رفض شعبي ورسمي يفقد العشائر ما نعرفه عنها من قيم وانتماءات حقيقية معروفة لهذا الوطن العزيز. لقد كثرت شكاوى شعبية ورسمية كثيرة جدا عن العشائر العراقية بحيث أصبحت مصدرا للفوضى وعدم الانضباط والاستهتار بشكل عام ، والتي يفترض بها انها قوى شعبية مدافعة عن رفعة وسمو عراقنا ، الامر الذي اصبح من الواجب استخدام الردع الحكومي الذي لا بديلا عنه في مثل هذه الحالات .   
    نحن لا نتمنى لعشائرنا ان تفقد هيبتها هكذا ، ولكن الامر يبدوا ان استخدام الردع الحكومي والقوة هي  الوسيلة الاولى والاخيرة في تصفية الحسابات لكل من لا يضع نصب عينيه احترام القوانين العراقية ويمعن بالاسائة لها. هذه الاساءات قد تكررت كثيرا بسبب ممارسات استعداء العشائرالعراقية بعضها لبعض نتيجة للثأر والتقاطعات الاجتماعية او ربما من اجل الهيمنة وابراز العضلات، ففي ذلك اساءة من شأنها أن توسع حالات الاقتتال وتسييد الفوضى . كفانا خمسة عشر سنة لما مرعلى عراقنا من فوضى عارمة ومن جحود تجاه وطننا العراقي الطيب ومن مواقف سلوكية لاانسانية في التسابق وراء الفساد وافساد الذمم والتشجيع على الغدر وعدم احترام القوانين ، والأهم من كل ذلك نسيان طاعة الخالق العظيم في قتل الابرياء وهتك الحرمات. 

    حماك الله يا عراقنا السامق...

    2/8/2018
    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit