كيف أنقذ الزعيم عبد الكريم قاسم اخي حامد من الاعدام واروي لكم الحكاية التي كانت اشبه بقصة خرافية
    الثلاثاء 13 فبراير / شباط 2018 - 05:47
    د. أياد حلمي الجصاني
    عضو جمعية الاكاديميين العراقيين ونادي الاكاديمية الدبلوماسية فيينا - النمسا
    كان الغليان يموج ويعم الشار العراقي بعد ثورة 14 تموز 1958 بتحريض علني من الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي اراد ان يتزعم قيادة الدول العربية لوحده غفر الله له ذنوبه عندما اذل العرب في حربه مع اسرائيل وخرج منها مدحورا ذليلا باكيا عام 1967 . وبالتعاون مع دول الخليج وعلى رأسها الكويت التي كان يهرب عن طريقها السلاح والاموال الى البصرة عن طريق المطلاع نقطة الحدود الكويتية القديمة مع العراق التي كانت تبعد فقط 20 كيلو مترا عن مركز مدينة الكويت التي دخلتها بدون فيزا آنذاك  لزيارة اقرباء لي  فيها والختم موجود على جوازسفري القديم احتفظ به حتى اليوم قبل زحف الحدود الى ما يقارب ال 60 كيلو مترا قبل صفوان الى البصرة والذي حصل بعد ان باع الانقلابيون البعثيون الاراضي العراقية واستلموا  مبلغ 30 مليون دينار كويتي  بالاضافة الى شك مفتوح بقيمة 2 مليون دينار نقله ناظم جواد المفاوض الى العصابة البعثية زميل الدراسة في دار المعلمين العالية 1954-1958 الذي اصبح سفيرا للعراق بعد الانقلاب الدموي الاسود ثمنا له بعد مشاركة الكويتيين في ذلك الانقلاب الذي انهى حكم الزعيم قاسم في 8 شبط 1963 . وللتاريخ اقول اني التقيت بناظم جواد بالصدفة  عام 1966 عندما عدت من النمسا لزيارة والدتي في بغداد وكان نادما اشد الندم على اغتيال الزعيم قاسم وحدثني عن كل شي بالتفصيل كيف استلم الشك شخصيا واختلف مع عبد السلام عارف حول اين ذهب الشك مما اجبر عبد السلام على تفي ناظم مع طالب شبيب في طائرة جارتر الى القاهرة . وهكذا قضى الكويتيون على الثورة ومبادئها والجمهورية التي قامت بعدها بل واستمروا بالتآمر ضد العراق منذ ان كان العراق ولاية عثمانية  والكويت قائمقامية تابعة للبصرة عندما كان شيخ الكويت الاول مبارك يتبرع بالاموال رواتب للقوات البريطانية الهندية في الحرب العالمية الاولى التي دخلت العراق من البصرة  حسب مخطط بريطانيا فرق تسد لفصل الكويت عن العراق واقامة دولة مستقلة  للاستحواذ على ثروات النفط فيها  . ولا ننسى ما حصل لملك العراق غازي من نهاية مأساوية عندما اعلن عائدية الكويت للعراق. وكذلك ما حصل في مؤامرة الاعلان المفاجئ بالغاء بريطانيا فجأة اتفاقية الحماية مع الكويت عام 1899 واعتبار الكويت دولة مستقلة عام 1961 لكن الزعيم قاسم اعلن بان الكويت جزء من الاراضي العراقية . ومن ثم  دعم الكويت والسعودية محاولات تخريب العراق بعد ان ضحكوا على صدام حسين وزجوه لثمان سنوات في حرب طاحنة مع ايران دفاعا عنهم وعن بقية دول الخليج ومن بعدها شن الهجوم على صدام في حرب الخليج بعد احتلال صدام للكويت وطرده منها بالقوة واخيرا ولربما ليس آخرا الغزو الامريكي لاحتلال العراق وتدميره عن طريق الكويت المدعوم منها . وها هي الكويت اليوم مع احترامنا للكثير من اهلها الطيبين بعد ان تآمرت وابتزت واستنفذت غاياتها جوعت العراقيين بعد الحصول على اكثر من ثلاثين مليار دولار من العراق في  حكاية التعويضات المبفركة المدعومة من امريكا. اليوم نعم اليوم يعقد في الكويت مؤتمر المانحين او اعادة اعمار العراق . حقا انه لامر يثير الضحك والسخرية . ولا ندري ما هو الثمن الجديد الذي سيتلقاه عصبة المتحالفين مع امريكا الحكام الديموقراطيون في العراق بعد المؤتمر كهدية لهم للسكوت على كل فضائح الكويت ومؤامراتها ضد العراق . علما ان السعودية وضعت العصي مسبقا في عجلة المؤتمر بالاعلان عن عدم الدعم في المؤتمر بحجة  علاقات العراق بايران.(ارجو مراجعة مقالتي عن زيارة السيد حيدر العبادي الى منتدى دافوس المنشورة نهاية يناير في هذه الصحيفة الكريمة  ) .

    كان الرئيس جمال عبد الناصر عفى الله عنه شامخا  بطغيان لا مثيل له ويعد العدة للانقلاب على الزعيم قاسم  بعد ان نال حب واعجاب العراقيين والعرب ايضا . ولكن عبد الناصر الذي اعلن نفسه الزعيم الاوحد للامة العربية  راح  ممثلوه ومؤيدوه البعثيون والقوميون الاشتراكيون من العراقيين يتبنون شعار الوحدة بالتاشير ورفع اصابعهم في شوارع مدن العراق شعارا للحلم المخادع الذي كان يدور برؤوس الشباب دون علم ودراية لما كان يجري من مخططات هدفها تدمير العراق واحتلاله مجددا والقضاء على الثورة والجمهورية وفتح الطريق امام عودة شركات النفط من اجل استنزاف وسرقة ثروة العراقيين والقضاء على حلمهم في بناء دولة جديدة قوية لا فقراء فيها ولا فوارق طبقية ولا استعمار يسودها القانون وحقوق الانسان . نعم اثناء ذلك الغليان لم اعرف ان اخي الوحيد حامد المدرس في مدينة كربلاء المقدسة كان يعمل سرا من ضمن هؤلاء المغرورين  ضد حكم الزعيم قاسم .

    كنت اثناء عملي مدرسا للغة الانجليزية في ثانوية الاعظمية 1958-1961 قبل ان انتقل الى ثانوية الكاظمية 1961-1962  للاسباب التي رويتها في مقالتي  المنشورة في الاسبوع الماضي قبل ان اترك العراق اسكن الوزيرية في بيت صغير مع امي . ويوم من الايام سمعنا انه القي القبض على اخي حامد وهو يوزع مناشير في شوارع كربلاء مع رفاق له في عربة وبكميات كبيرة مطالبين بالثورة ضد الزعيم قاسم وتدعو الى الانقلاب على حكمه . ولم يحسب اخي الحساب ان عيون المخابرات والشرطة الوطنية كانت له بالمرصاد حيث تم القاء القبض عليه وغاب في السجون دون اي علم لنا عنه . راحت امي تلف وتدور على كبار الشخصيات العسكرية من الناصرية  في بغداد تزور بيوتهم وتطلعهم على مأساة ابنها بعد ان تقدم نفسها انها بنت المنتفك ومن العائلة الفلانية عسى من معين لها ولكن لم يجبها احد على الاطلاق عن مصير حامد . انتهت اشهر طويلة من العام 1961 وبلغ  بامي  اليأس حتى مرضت واصبحت تهذي كما لو اصابها الجنون .

    كان موقفي في غاية الحرج فانا لا استطيع عمل شي  ولا معارف لي من القادة الكبار في الدولة العراقية وبقيت محتارا العن عبد الناصر والبعثيين وغيرهم الذين غرروا باخي وبالكثير من الشباب العراقيين وساروا بهم نحو المجهول وانا الحائر بامري امام اعتداءات البعثيين واهمها اغتيال مدير مدرستي المرحوم ممدوح الالوسي  . علما  اني كنت لا ارغب ان يعرف الزعيم ان اخا لحامد مثل مدرس الانجليزية اياد الجصاني الذي وقف في خدمته  مترجما ومرافقا  لاحد الوفود الزائرة له اثناء احتفالات ثورة 14 تموز . واليك ايها القارئ الكريم الحكاية التي استطيع ان اقول انها اشبة بالخرافة ولكنها حقيقة تكاد لا تصدق . وقد يبادر لذهن القارئ ويرتفع صوت لومه واسفه على الزعيم قاسم بعد ان اطلق سراح من قام بمحاولة اغتياله في شارع الرشيد عام 1959 والذين كان من بينهم صدام حسين نفسه الذي تم تهريبه الى مصر ناصر في وقته ومن هناك التقطته المخابرات الامريكية وتم انخراطه فيها عميلا مدربا بحماية عبد الناصر ومن ثم تم دخوله عضوا في الماسونية العالمية ايضا . ولقد ذكرت في احدى مقالاتي كيف كان يجتمع صدام حسين والرئيس بوش الاب الذي كان مديرا للمخابرات الامريكية في زيارة مع عبد الناصر في مكتبه مثلما ذكر ذلك حسنين هيكل في كتابه عن حرب الخليج .وهناك قصص عدة تحكي كيف بني تاريخ صدام في هذا الاتجاه ( راجع تصريح عميل المخابرات الامريكية جون بيركنز في مقالتي السابقة ) . ولولا ذلك لما عاد الى العراق بعد اغتيال الزعيم قاسم وتدرج في سلم الصعود في عصابة منظمة تعتمد على الدم لاغتصاب السلطة . لست هنا في صدد الحديث عن ذلك ولكني اروي للقارئ ما حدث لاخي الغائب في السجون المظلمة وينتظر بالتاكيد تنفيذ حكم الاعدام فيه .

    لم تخرج امي كثيرا من الدار وتبقى متاخرة ولا حتى الى الساعة السادسة مساء دون علمي . وفي يوم من الايام خرجت امي عصرا دون علمي الى اين ولم تعد الا بعد الثامنة مساء وكان الوقت شتاء على ما اتذكر . وصلت وهي اشبه بمجنونة منهكة تماما تصرخ باعلى صوتها " اعمل لي جاي واتركني " . سكت وعملت لها الشاي وجئت اليها بهدوء لاعرف سبب توترها فهل اصابها مكروه في الشارع مثلا ؟ لم تتفوه امي الا بكلمة واحد وبالنص قالت " اياد اخوك حامد سيكون عندنا الساعة 12 ليلا اليوم ". ضحكت وقلت لها انك تهذين يا امي ما الذي اصابك وشنو القصة ؟ قالت اقول لك انه سيكون هنا في هذه الليلة  وهذا ما وعدني به الزعيم قاسم . قلت لها  ما هذا الهراء يا امي كيف يطلق الزعيم سراح حامد وهو في غياهب السجون دون محاكمة والامر لو حصل فهو يحتاج الى ايام طويلة على ما اعتقد.  ضحكت امي وقالت قاسم وعدني ان ابني سيكون معي هذا المساء ! ضحكت  وقلت في نفسي ان امي حتما اصابها الجنون وهي تهذي وما كان علي الا ان اتركها تشرب الجاي لتهدأ . مرت الساعة التاسعة والعاشرة وثم الحادية عشرة ولم تنم امي ولم استطيع النوم في غرفتي ايضا . ولكني اضطررت الدخول الى الفراش الساعة 11 والنصف لان كان من واجبي ان اصل صباحا الى مدرستي قبل الثامنة صباحا . وما انا في الفراش اتقلب واذا بالتلفون في غرفتي يرن تمام الساعة  11 و 45 دقيقة بالضبط . قفزت من الفراش لالتقط سماعة التلفون واذا بصراخ اخي حامد يقول  "خوية اياد ... دادة اياد ... اطلقوا سراحي وقالوا لي يجب ان اسافر الى بغداد الان واكون عند امي قبل الساعة 12 الليلة . اجبته الحمد الله على سلامتك ومبروك اقضي الليلة في كربلاء وتعال غدا الى بغداد . سمعت امي بالمكالمة وجاءت لتقول لي .. ها اياد الم اقول لك ان قاسم وعدني باطلاق سراح حامد ويامر بان يصل الى بغداد الليلة ؟ قبلُت امي واجلستها الى جانبي لتقص علي ما جرى وكيف توصلت الى كل ذلك . وبعد منتصف الليل وبعد ان اطمأنت الام على سلامة ولدها راحت تبكي وتقول هل هناك حاكم  عادل ووفي مثل قاسم ؟ انا والله خايفة على هذ الرجل . اجبتها نعم نعم قصي علي الحكاية كيف توصلت الى ذلك !.

    قالت " خرجت عصرا لاذهب الى كاتب عرائض ليكتب لي عن قصة ابني حامد السجين الذي غرر به وانها الام ولا بد انك يا زعيم تعرف قلب الام وانا اريد هدية منك ان تطلق سراح ابني وانت اهل للملمات وانا ربما امون عليك لان اهلي في الناصرية احبوك وخاصة ابي التاجر الحاج علي الثامر من عشائر السعدون وانت تعرفهم جيدا فانا مثل اختك جئت اليك واريد مقابلتك لاتوسل امامك ان تمنحني السعادة بالعفو عن ابني وانت خير من كان يعفو ويسامح بعد الله سبحانه ..... "  وتسترسل امي في الحديث انها وقفت من الرابعة عصرا وحتى السابعة  مساء امام باب وزارة الدفاع وبيدها العريضة لانها سألت عن موعد عودة الزعيم الى الوزارة . وتقول بقت واقفة  قريبا من الباب والجنود يروها بعد ان اخبرتهم ان لديها عريض تريد ان تقدمها للزعيم . تركوها واقفة وما ان وصلت سيارة الزعيم  لتدخل الوزارة واذا بامي كما تقول هجمت تهرول الى  السيارة تصرخ عريضة من ام يا زعيم !ّ!!! وقفت سيارة الزعيم وامر الجند باخذ العريضة من هذه المرأة الشجاعة وطلب ان تنتظر في باب الوزارة . وتضيف امي بعد نصف ساعة جاء جندي ينادي " علية الثامر ... علية الثامر .. فقالت له امي نعم نعم انا هنا . يالله تعالي الزعيم يريد يشوفج " . تقول امي اني سرت بخطى قاسية خلف الجندي حتى اخذني الى مكتب الزعيم الذي دخلته وبعد القاء التحية والسلام عليه وهو جالس خلف مكتبه وما ان رآني حتى قال تفضلي بنت المنتفك اهلا بيج  شنو قصة ابنج ومن هو ؟ " وباختصار قصت امي على قاسم قصة حامد وكيف غاب في السجون وصرخت باكية انت عندك العفو وانت الاب وانا بنت الحاج على الثامر وانت خير من يعرف اهلي في الناصرية الذين ضيفوك عندما كنت قائدا للفرقة العسكرية هناك وانا اريد حقي منك وعفوك وكرمك لام باتت مجنونة يا سيادة الزعيم. وتضيف امي  تقول " وانا ابكي ضرب الزعيم بقبضة يده بقوة على الطاولة امامه وقال لي " الله واكبر.. مع الاسف..  هيجي ابن من هيجي عائلة كان لازم يشتغل لي ومعي وليس ضدي " . وتقسم بالله امي انها رات الدمعة في عينيه وهي تبكي امامه .  وبسرعة قال الزعيم لها " ما يصير خاطرج بنت الحجي الا طيب وسيكون ابنج عندج ببغداد الساعة 12 الليلة واهلا وسهلا ببنت الناصرية " . تقول امي شكرته وودعته بالدعاء له و خرجت من مكتبه باكية وهي تزداد جنونا ولم تصدق على الاطلاق قرار الزعيم المفاجئ الذي لم تتوقعه . وما ان خرجت امي من الوزارة الى باب المعظم حتى اخذت تكسي لتصل بعد الثامنة  ليلا ولتقص علي هذه القصة الخرافية بعد اطلاق سراح حامد . وانا بدوري اشهد على صحتها وانها ليست خرافية  والمدللة على عظمة هذا الزعيم الذي كان كرمه وتواضعه وعطفه وتسامحه امام من اعتدى عليه سببا في تصفيته وازاحته عن الحكم .  وكما اثبتت احداث التاريخ ان العراق لا يستطيع ان يحكمه حاكم عادل ورحيم ونزيه منذ حكم الخليفة الرابع الامام علي ابن ابي طالب (ع) وحتى حكم الزعيم عبد الكريم قاسم رحمهما الله . كان عفو الزعيم  كبيرا فكيف لا نصدق قصة العفو عن حامد ونصدق عفو الزعيم عن صدام واصحابه ؟ ولكن الزعيم الذي كان  من ناحية يعفو عن مجرمين امثال صدام وحامد وحتى رفيق السلاح والثورة عبد السلام عارف الذي شاهدنا مسرحية محاولته اغتيال الزعيم بمسدسه في مكتبه وغيرهم الا انه للاسف وقع في اخطاء مثل الحكم باعدام  كبارالرفاق العسكريين ويشن حربا على الاكراد ويسقط في هوة الفوضى بين الاحزاب تلك الاحداث التي اخلًت في توازن الزعيم وغيرها التي استغلها اعداؤه بالعمل والتآمر ضده حتى اعدامه بعد الانقلاب  الدموي المؤسف يوم 8 شباط 1963. رحم الله الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم والشهداء الذين سقطوا معه وانا لله وانا اليه راجعون .
    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit