حول تبعات سوء التخطيط والتقصير في ادارة ملف عقود الخدمة النفطية على مستقبل تطوير الصناعة النفطية في العراق - مشروع حقن مياه البحر نموذجاً**
    الثلاثاء 13 مارس / أذار 2018 - 06:23
    د. بارق شُبّر
    مستشار إقتصادي دولي
    المحتويات:
    1.الحيثيات
    2.الاهمية الاستراتيجية لمشروع حقن مياه البحر
    3.تداعيات سوء التخطيط وضعف إدارة عقود الخدمة على مشروع حقن مياه البحر
    4.البديل المُكلِف: عقد تصميم وادارة المشروع
    5.تعثر المشروع
    6.مأزق وزارة النفط الاتحادية
    7.افكار أولية حول الحلول البديلة
    8.جدول رقم (1) الانتاج والتصدير وعائدات النفط للعراق خلال الفترة 2009 – 2016
    9.شكل توضيحي رقم (1) يبين عملية الحقن لتوليد الضغط المكمني
    10.شكل توضيحي رقم (2) يبين جانب من المشروع  محطة معالجة وتحلية مياه البحر ومحطة توليد الطاقة
    11.شكل توضيحي رقم (3)  يبين الحقول النفطية في جنوب العراق وشبكة انابيب نقل النفط
    12.ملحق رقم (1): رسالة من مبادرة شبكة الاقتصاديين العراقيين الى وزير النفط الاسبق د. حسين الشهرستاني
    13.ملحق رقم (2): جواب الاستاذ عبد المهدي العميدي، المدير العام لدائرة العقود والتراخيص البترولية في وزارة النفط
    14.المصادر


    اولاً: الحيثيات
    لأسباب عديدة عجزت وزارة النفط العراقية بقيادتها المتتالية من احداث تطوير حقيقي في الصناعة النفطية خلال الفترة 2004-2010، حيث لم تتمكن من تحقيق زيادة ملحوظة في الإنتاج النفطي، الا النزر اليسير والذي لم يتناسب مع المتطلبات المالية المتزايدة لتحقيق اعادة بناء وتطوير البنى التحتية المتهالكة ولتوفير الخدمات من تعليم ورعاية صحية وكهرباء وماء للمواطنين، فضلاً عن عدم تناسب مستوى الانتاج العراقي مع احتياطياتها الهائلة مما ادى الى تدني موقعه في سوق النفط الدولية.  لقد تم تحقيق زيادة طفيفة خلال فترة 6 سنوات، وبواقع 350 ألف برميل في اليوم فقط، وبالتحديد من 2 م ب/يوم في عام 2004 الى 2,35 في عام 2010 وفق بيانات صندوق النقد الدولي (فرانك جونتر، 2013، صفحة 33).  والحق يقال ان عمليات التخريب الارهابية الممنهجة للمنشآت النفطية خلال الفترة 2003-2010 في عموم العراق ومن بعدها في شماله مثلت العائق الرئيسي لتطوير الصناعة النفطية، بيد ان هذا العامل لا يعفي قيادات الوزارة المتتالية من تحمل مسؤولية انتشار الفساد في مفاصلها وسوء التخطيط والادارة  
    ولتجاوز هذا الفشل الصارخ وكنتيجة للضغوط الناجمة عن ضعف موارد الدولة المالية لجأت الوزارة خلال الفترة 2010-2012 الى اعتماد استراتيجية طموحة لتطوير الصناعة النفطية من خلال جولات التراخيص وابرام عقود الخدمة النفطية المعروفة للجميع والتي استهدفت تطوير الانتاج بمساعدة شركات نفطية دولية ليصل الى 12 مليون ب م/يوم بحلول عام 2017 حسب عقود الخدمة الاصلية.  وكان من المتوقع ان تحقق هذه الاستراتيجية في ظل اسعار النفط المرتفعة آنذاك موارد مالية هائلة تفوق حاجات العراق المالية لتحقيق تنمية مستدامة تحفظ حقوق الاجيال القادمة بحسب رأي فريق من الخبراء الاقتصاديين (كان الدكتور فاضل عباس مهدي من أبرز ممثلي هذا التيار)، في حين كان فريق ثان يرفض بشكل مبدئي العقود مع الشركات الاجنبية ويعتبرها عودة الهيمنة الاجنبية على موارد العراق.  في حين كان فريق ثالث يدعم التوجه الاستراتيجي الطموح ويقترح انشاء صندوق سيادي لإدارة الفوائض المالية في حالة حدوثها بهدف الاستفادة منها في فترات انخفاض اسعار النفط.  وكنت انا من المحسوبين على الفريق الثالث بالرغم من اعتراضاتي المتكررة على تركيز الجدل على الجانب الكمي من الموضوع وهو مستوى انتاج الهضبة الذي تطمح وزارة النفط نحو تحقيقه، حيث كان هناك من يؤيد هدف انتاج 12 م/ب/ي وثاني 9 م/ب/ي وثالث 6 م/ب/ي.  وكنت اعيد واكرر في النقاش الحامي الوطيس الذي دار بين عدد كبير من الخبراء الاقتصاديين والنفطيين العراقيين المنتشرين في العالم في المنتدى الحواري لشبكة الاقتصاديين العراقيين خلال الفترة 2009- 2011 بأن العبرة يجب ان تكون في تعظيم العائدات النفطية من خلال تنسيق السياسة النفطية الوطنية مع بقية الدول المنتجة الاعضاء في منظمة اوبك ومع بعض الدول المهمة من خارج المنظمة مثل روسيا، وليس في تعظيم الانتاج، بمعني ضرورة التحسب لتطور مستويات اسعار النفط في المستقبل والتي تمثل المتغير الرئيسي المحدد لدخل العراق من تصدير النفط الخام وليس مستوى الانتاج لوحده، اذ يمكن نظرياً وعملياً تحقيق العائد الأمثل بأقل كلفة مباشرة حاليا (مصروفات التطوير والتشغيل) ومستقبلاً من خلال تقليل معدلات استنزاف هذا المورد الطبيعي والذي احتاجت الطبيعة الى تكوينه ملايين السنين وفي سبيل الحفاظ على حقوق الاجيال القادمة وفق مبادئ التنمية المستدامة. 
    وبالرغم من دعمي المبدئي لتوجه الوزارة آنذاك باللجوء الى الخبرات الاجنبية لتطوير الصناعة النفطية العراقية، كانت لدي بعض التحفظات على العقود وغياب شفافيتها.  لذا وجهت رسالة مفتوحة بتاريخ 29 كانون ثاني 2010 وبأسم مبادرة شبكة الاقتصاديين العراقيين الى السيد وزير النفط آنذاك الدكتور حسين الشهرستاني تضمنت استفسارات حول بعض الجوانب الغامضة من العقود وكالآتي: 
    1.من الذي سوف يتحكم بمستوى الانتاج للحقول التي منح تطويرها للشركات الاجنبية؟
    2.كيف يتم احتساب رسم الخدمة او هامش الربح للشريك الاجنبي؟ على اساس الطاقة الانتاجية الاضافية او على اساس الانتاج الفعلي الاضافي؟
    3.كيف يتم التعامل مع الطاقة الانتاجية الفائضة في الحقول المتعاقد عليها وكم هي تكلفة ادامة هذه الطاقة الانتاجية للبرميل الواحد ومن يتحمل هذه التكلفة؟ الجانب العراقي لوحده او الشريك الأجنبي، او الاثنين معاً؟ 
    4.ماهي الآليات المعتمدة في العقود لمراقبة تكاليف الانتاج والحيلولة دون التلاعب بها من قبل الشركات الاجنبية؟
    5.هل وزارتكم مستعدة لاطلاعنا على نص العقود (الرسمية الموقعة) مع الشركات الأجنبية ليتسنى لنا دراستها وتقيمها على نحو موضوعي وعلمي؟
    وللاطلاع على نص الرسالة الكامل انظر الملحق رقم (1)
    وفي 25 شباط 2010 جاءني رد غير كاف من المدير العام لإدارة العقود السيد عبد المهدي العميدي (انظر الملحق رقم 2). 
    واقع الحال في عام 2016 يشير الى صحة تحفظاتي وهواجسي قبل 6 سنوات، فمن جانب سجل انتاج النفط العراقي مستوى قياسياً بواقع 4.7 ملايين برميل يومياً في نيسان من هذا العام حسب تصريحات وكيل وزير النفط الاقدم فياض نعمة لجريدة الصباح (موقع شبكة الاعلام العراقي 24/5/2016)، ومن جانب اخر سجلت عائدات تصدير النفط في عام 2015 بواقع 49 مليار دولار ادنى مستوى لها منذ عام 2010، أي قبل الشروع بعقود الخدمة عندما كان الانتاج في حدود 2.35 م.ب.ي. وقيمة العائدات في حينها بحدود 52 مليار دولار (انظر الجدول رقم 1).  وهذا يعني ان العراق في عام 2015 خسر من مخزونه الاحتياطي للنفط ما مقداره 2.42 مليون برميل يومياً من دون تحقيق زيادة في عائداته من بيع هذه السلعة الناضبة وانما على العكس من ذلك. وبمعنى اخر يمكن القول ان السياسة النفطية العراقية اصبحت بعيدة كل البعد عن التنمية المستدامة وتنفذ على حساب الاجيال القادمة.
    [[article_title_text]]
    جدول رقم (1) الانتاج والتصدير وعائدات النفط للعراق خلال الفترة 2009 – 2016

    كما تبين صحة هواجسي بصدد مراقبة تكاليف الانتاج التي تتحملها الشركات المتعاقدة كمصروفات استثمارية لتطوير الحقول ويتم استردادها من وزارة النفط الاتحادية.  وبلغت قيمة هذه المدفوعات خلال الفترة 2010-2015 حوالي 47 مليار دولار (انظر الجدول في ورقة السيد عبد المهدي العميدي المنشورة على موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين بتاريخ 11/4/2016 كملحق لبحث الدكتور احسان العطار، صفحة 17).  يعتقد الكثير من الخبراء النفطيين بأن هذه الكلف الاستثمارية تم تضخيمها من قبل الشركات النفطية بسبب غياب الرقابة المحاسبية الفاعلة.  ويشير الخبير النفطي د. احسان العطار الى هذا الجانب من سوء الادارة للعقود كالآتي: 
    "واقع الحال يشير الى ان الوزارة لا تمتلك لحد الان العدد الكافي من المدققين.  ولذلك فان عمليات التدقيق مازالت متأخرة وان حسابات السنين 2015 و 2014 و 2013 و 2012 مازالت تنتظر التدقيق والسبب هو قلة الكادر العراقي المتخصص لدى دوائر الرقابة في الوزارة وفي شركاتها الاستخراجية." (د. احسان ابراهيم العطار، 11/4/2016، صفحة 5) 
    ويضيف الخبير النفطي المخضرم كامل المهيدي على هذا التشخيص بأن الوزارة لا تمتلك ايضاً النوعية الكافية من المدققين لعمليات مراقبة وضبط الحسابات (مراسلات شخصية مع الباحث)، مما يدفعني الى الاستنتاج بأن المعنين بإبرام العقود لم يتحسبوا لكل المعطيات والعوامل المؤثرة على نجاح أو فشل الاهداف المخطط لها.

    ثانياً: الاهمية الاستراتيجية لمشروع حقن مياه البحر
    يتفق كل الخبراء النفطيين من مهندسين واقتصاديين على أن أحد شروط النجاح بجانب الشرط الاقتصادي هو الشرط الفني الاساسي والمطلوب لتحقيق هدف الانتاج المنشود مع المحافظة على سلامة المكامن النفطية، وبالتحديد ضمان ضخ كميات ضخمة من المياه في الابار النفطية من أجل تكوين ضغط اصطناعي من أسفل المكمن لرفع النفط الى الاعلى وبذلك تسهل عملية استخراجه من دون احداث اضرار مكمنية وبذلك تتم ادامة الضغط المكمني والمحافظة على كفاءة الانتاج.  ويقدر الخبراء كميات المياه المطلوبة للضخ بحوالي 18 مليون برميل ماء في اليوم (م. ب.ي.) لإدامة انتاج 12م.ب.ي. من النفط الخام أو 14 مليون م.ب.ي. ماء في اليوم لإدامة الانتاج المعدل والبالغ على ما يزيد عن 9 م.ب.ي من النفط الخام (المصدر السابق).  اما الخبير النفطي جبار اللعيبي فيقدر الكمية المطلوبة لتحقيق هدف الانتاج المنشود آنذاك والذي كان بحدود 12 م/ب/ي بحوالي 14 م.ب.ي.(جبار اللعيبي، شبكة الاقتصاديين العراقيين، 9 آذار 2016، صفحة 10).  ومن الواضح ان هذه الكميات الضخمة من المياه لا يمكن توفيرها من المصادر النهرية الحالية وعليه تم الاتفاق على استخدام ماء البحر من خور الزبير في البصرة، مما يتطلب إنشاء محطة لمعالجة مياه البحر ومد شبكة واسعة من الانابيب والمضخات لتغطية جميع الحقول النفطية المشمولة بعقود الخدمة مع الشركات النفطية الدولية.  ويقدر حجم الاستثمار الكلي المطلوب لتحقيق هذا المشروع العملاق بحوالي 6-7 مليار دولار.
    في عنوان هذا البحث وصفت المشروع مجازاً بالقشة التي يمكن ان تقسم ظهر البعير، ولكن في الحقيقة يمكن اعتبار هذا المشروع كالجبل لضخامته، حيث تنبع أهميته الحيوية من كونه مكملاً لعقود جولات التراخيص ولا يمكن عدّه في مصاف مشاريع البنية التحتية القابلة لإعادة التخطيط والبرمجة والتي تتحمل التأخير وانما هو حلقة مكملة ومهمة من حلقات انتاج النفط من المكامن النفطية وبغيابها سوف لن تكتمل متطلبات ومستلزمات الانتاج وبالتالي عدم تحقيق معدلات الانتاج المستهدفة، بل تراجعها بشكل مطرد وخطير يهدد مستقبل الصناعة النفطية العراقية. (حمزة الجواهري، شبكة الاقتصاديين العراقيين، 3/1/2016)
     
    [[article_title_text]]
    شكل توضيحي رقم (1) يبين عملية الحقن لتوليد الضغط المكمني
    كما تكمن أهمية هذا المشروع الاستراتيجي الحيوي ليس في ديمومة انتاج النفط من المكامن النفطية وحسب، وانما والأهم من ذلك في الحفاظ على سلامة تلك المكامن، فكما هو معلوم بين خبراء هندسة المكامن النفطية ان كل مكمن له مواصفاته الخاصة ولكن المكامن تشترك بالمجمل بخاصية واحدة وهي الوصول خلال فترة معينة من عمرها الى ضرورة استخدام آليات الرفع الاصطناعي الثانوي، وقد يليه بعد فترات زمنية اضافية الرفع الاصطناعي الثلاثي، وهذا طبعا ناتج من تناقص في مقدار الضغط المكمني الذي يسببه الانتاج. (جبار اللعيبي، مراسلات شخصية مع الباحث) 

    ثالثاً: تداعيات سوء التخطيط وضعف إدارة عقود الخدمة على مشروع حقن مياه البحر
    لربما يفتخر وزيرا النفط السابقين للوزير الحالي المستقيل عادل عبد المهدي بإنجازهما لأربعة جولات تراخيص خلال فترة قياسية (2010-2012) غطت 13 عشر حقلاً نفطياً منها 4 حقول قديمة منتجة وتعد من الحقول العملاقة، و 5 حقول غازية.  وتبيّن بعد اربعة اعوم على الاكثر بأن افتخار الوزيرين كان سابق لأوانه.  وان ابرام هذا العدد الكبير من عقود الخدمة خلال فترة قصيرة كان متسرعاً، مما زاد احتمال ظهور هفوات واخطاء في التنفيذ بشكل طردي.  ويتساءل الخبير النفطي د. احسان العطار والذي كان قد عمل كخبير متعاقد مع وزارة النفط في مرحلة التنفيذ بصفته عضو لجنة الادارة المشتركة في حقل غرب القرنة / المرحلة الاولى، وكذلك عضوا في لجنة تدقيق قوائم الشركات، اضافة الى مراجعة وتقديم الاستشارات في القضايا الناتجة عن المقاولات الثانوية لعقود الخدمة والتي تعرض من الشركات الاستخراجية على الدائرة الاقتصادية والمالية في الوزارة، يتساءل وبحق عن سبب هذا الاستعجال وعدم التأني في ابرام هذا العدد الكبير من العقود خلال فترة قصيرة نسبياً.  ويقول بأنه كان من المفترض، وكما هو متعارف عليه دوليا في مجال تخطيط المشاريع، الاكتفاء بعقدين في البداية كمشاريع تجريبية (Pilot Project) لجمع التجارب ودراسة الاخطاء(Review and Evaluation) من قبل خبراء متخصصين ومستقلين (د. احسان ابراهيم العطار، المصدر السابق، صفحة 2-3) ومن ثم اتخاذ القرار بالاستمرار في التطوير على مراحل متناسبة مع الامكانات البشرية والمالية للبلد.  إلا ان صاحب القرار السياسي النفطي كان ولايزال يفتقد الى العقلية الاقتصادية التي تنظر طبيعة اسواق النفط الدولية والى الى تاريخ حركة أسعار النفط في الماضي البعيد (على سبيل المثال انهيار الاسعار في عام 1985) وفي الماضي القريب (عام 2008، حيث تذبذبت اسعار النفط بين 148 و 28 دولار للبرميل كما تغاضى صاحب القرار عن عمد أو عن جهل عن التحوط لعامل اللايقين في مستقبل أسعار النفط والتي تتأثر بعوامل عديدة، أهمها مشاريع الدول المنتجة لزيادة الطاقات الانتاجية من النفوط التقليدية وغير التقليدية (النفط الصخري على سبيل المثال).  وتجدر الاشارة الى أن الانخفاض الفعلي لأسعار النفط بعد منتصف عام 2014 انعكس سلباً على مستويات الكلفة الحدية لإنتاج برميل اضافي من حقول جولات التراخيص، كما حاول الخبير النفطي د. ثامر العكيلي احتساب ذلك في بحثه القيم المنشور على موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين. (انظر د. ثامر العكيلي، 21/3/2016) 
    ومن غير المستغرب ان يؤدي هذا الفشل التخطيطي لوزارة النفط الى تهميش واقصاء عدد من الكادر الوطني المتقدم من الذين قدموا ملاحظات مفيدة للعقود وبالتالي الى تشمت المعارضين الايديولوجيين لجولات التراخيص من أنصار النظام القديم وبعض اليساريين التقليدين على حد السواء والمتحسسين ايديولوجياً من "الاجنبي" بدعوى أن اي تعاون مع شركات نفطية اجنبية هو بيع العراق للمستعمر للأجنبي.  ومن جانب اخر وضعت الوزارة المدافعين عن تطوير الصناعة النفطية من خلال ابرام عقود شفافة تضمن مصلحة العراق في موقف حرج امام المعارضين مبدئياً لها.  ومن الواضح أن المستفيدين الرئيسين من فشل تطوير الصناعة النفطية العراقية هم الدول النفطية الخليجية التي تؤمن بمنطق المعادلة الصفرية وترى في عراق ما بعد 2003 منافساً خطيراً على مصالحها التجارية المحكومة بالعقلية المركنتالية. 
    وعلى ضوء التخطيط غير السليم لعقود الخدمة النفطية تم البدء بتخطيط مشروع حقن مياه البحر في عام 2009.  وفي عام 2010 تم الاتفاق بين وزارة النفط الاتحادية مع شركة أكسون موبل بتصميم وتنفيذ وتشغيل المشروع وبالاشتراك مع عدد من الشركات المتعاقدة في عقود جولات التراخيص مما يسهل انسياب اجراءات التمويل المطلوبة لهذا المشروع الضخم، الا ان الخلافات الحادة بين وزارة النفط الاتحادية وشركة اكسون موبايل حول شرعية نشاط الاخيرة في اقليم كردستان دفعت الوزارة الى اتخاذ قرار بسحب المشروع منها كعقاب على عدم استجابتها لمطلب الوزارة بإنهاء نشاطها في اقليم كردستان.  ويرى بعض الخبراء النفطيين مثل المدير العام السابق لشركة نفط الجنوب السيد جبار اللعيبي في ذلك بأنها كانت حجة غير مبررة على الاطلاق وغير مدروسة في اتخاذ الوزارة قرار سحب المشروع من اكسون موبل (رسالة جبار اللعيبي، المصدر السابق).  وكما سأبين لاحقاً فإن هذا العقاب الذي ربما كانت له مبرراته أخطأ هدفه وارتد على الصناعة النفطية العراقية نتيجة التسرع وقصر النظر لصاحب القرار، حيث كان يفترض ايجاد البديل قبل اتخاذ هذا القرار (كامل المهيدي، مراسلات مع الباحث).  والمفارقة الكبرى هي ان تقوم الوزارة بإناطة هكذا مشروع عملاق في مجرى العمل وبمواصفات هندسية معقدة وتكنولوجيا متطورة جداً الى احدى تشكيلات الوزارة وهو خارج وبعيد كل البعد عن قدرات وامكانيات الوزارة والشركات التابعة لها. (رسالة جبار اللعيبي، المصدر السابق) وتجدر الاشارة الى ان الوزارة لم تلغ عقد الخدمة مع شركة اكسون موبيل وانما اكتفت بسحب مشروع حقن مياه البحر الحيوي لنجاح كل عقود جولات التراخيص.  ويشير الخبير النفطي كامل المهيدي الى انه كان ينبغي الغاء المشروعين معا او ابقائهما معا (مراسلات شخصية مع كامل المهيدي، المصدر السابق)
    يشير مراسل صحيفة وول ستريت جورنال مات برادلي في مقاله حول الموضوع:
    "كان العراق يأمل بزيادة الانتاج الى أكثر من مستواه الحالي البالغ أكثر من 4 ملايين برميل يومياً عن طريق حقن مياه البحر من الخليج (العربي) الفارسي إلى حقوله النفطية الجنوبية لاستخراج الموارد المتبقية.  ولكن الآن، ليس من المتوقع أن يتم الانتهاء حتى عام 2020، سبع سنوات بعد الجدول الزمني المقرر للمشروع.  قال مايكل كوهين، رئيس أبحاث سلع الطاقة في باركليز، انه ومن دون هذا المشروع، من المتوقع أن ينخفض الإنتاج في آبار النفط الجنوبية بنحو 10٪ سنوياً" (مات برادلي، 15/9/2015)   
    في ظل انعدام الشفافية في السياسة النفطية وشحة البيانات والمعلومات المتوفرة على موقع وزارة النفط الاتحادية وموقع سومو عن مؤسرات القطاع النفطي وعقود الخدمة، فضلاً عن غياب اعلام استقصائي متخصص في الموضوعات الاقتصادية والنفطية واجهتُ صعوبات جمّة في الحصول على معلومات وارقام حول هذا المشروع الاستراتيجي الحيوي والذي سوف يحدد مستقبل الصناعة النفطية في العراق.  وهذا ما دفعني الى اجراء تحريات شخصية في دول متعددة تمكنت من خلالها الوصول الى مصادر مطلعة وموثوقة للمعلومات والارقام حول هذا المشروع بالذات والواردة ادناه.  ولكنني اود التوكيد على ان جميع الارقام المذكورة هي غير رسمية، ولكنها بتقديري قريبة الى الواقع وآمل ان يتم تصويبها من قبل وزارة النفط ومن قبل الشركات ذات العلاقة بالمشروع. 

    رابعاً: البديل المُكلِف: عقد تصميم وادارة المشروع
    ومن الواضح ان قرار وزير النفط الاسبق بسحب المشروع من اكسون موبل اتخذ من دون رؤيا استراتيجية واضحة وبعيداً عن التخطيط السليم نجمت عنه منحيات ومسارات غير واضحة وبعيدة عن الدقة جعلته في دوامة الاخذ والرد في اروقة الوزارة وتشكيلاتها.  وللتعويض عن النقص الحاصل في المياه المطلوبة لأغراض الحقن فقد توجهت الوزارة الى حل جزئي يوفر كمية ( 300,000 ) ثلاثمائة الف برميل من الماء يوميا الى حقل غرب القرنة / 1 حيث تم التعاقد مع الشركة الايطالية (Saipem) في تشرين اول 2012 لتنفيذ المشروع المستعجل الذي يشمل على ثلاثة مقاولات رئيسية هي (1- محطة سحب الماء على قناة المصب العام. 2- وحدات المعالجة في محطة العزل السابعة في حقل غرب القرنة. 3- شبكة انابيب الحقن) بكلفة اولية مقدارها 188 مليون دولار حيث كان المقرر ان ينتهي المشروع في منتصف عام 2014 ولكن تغييرات في التصاميم الاساسية وبعض المعوقات ادت الى تأخر انجازه.  ومن المخطط الان ان يكمل المشروع في تموز القادم مع بعض الزيادات في الكلفة. (د. احسان العطار، مراسلات شخصية مع الباحث، 29/5/2016)
    واخيراً استقر الرأي في نهاية عام 2012 وعلى خلفية الوفرة المالية المتحققة بفضل اسعار النفط المرتفعة في عام 2011 و 2012 الى خيار فني ممتاز ولكن غالي الثمن، ألا وهو التعاقد مع شركة سي اج تو أم هيل CH2M Hill لإدارة المشاريع (في التالي الشركة الاستشارية)، وهي شركة استشارية امريكية مرموقة وذات سمعة مهنية جيدة ولها سجل حافل من الانجازات في الدول النفطية. 
    تم توقيع العقد الاستشاري لإدارة المشروع Project Management Consultant وبدأ التنفيذ رسميا في كانون ثاني 2013 على ان يبدأ التشغيل، أي حقن مياه البحر في المكامن النفطية في بداية عام 2017 للمرحلة الاولى من مشروع معالجة ونقل وتوزيع مياه البحر على الحقول النفطية بطاقة أولية مقدارها 5,2 مليون برميل يوميا وبتكلفة أولية تبلغ 3,5 الى 4 مليار دولار.  ومن بعدها يمكن في مرحلة ثانية زيادة الطاقة الى 12,5 مليون برميل يوميا. (انظر المعلومات الشحيحة التي وفرتها الشركة الاستشارية على موقعها على الانترنت. (http://www.ch2m.com/node/14031).  كما تقدر التكلفة الاجمالية للمشروع للمرحلة الاولى والثانية بحوالي 6-7 مليار دولار بما في ذلك تكاليف الشركة الاستشارية بحسب المصادر المطلعة. 
    يشمل المشروع على منشآت ضخمة تعمل على سحب الماء من خور الزبير وعلى معالجته ثم ضخه عبر انبوبين في المرحلة الاولى بسعة ( 5,2 ) مليون برميل في اليوم الى خمسة حقول هي (غرب القرنة /1 وغرب القرنة /2 والرميلة والزبير ومجنون)، فضلاً عن انشاء محطة لتوليد الطاقة ومحطة لتحلية مياه البحر.  وفي المرحلة الثانية تتم اضافة انبوبين اخرين لزيادة السعة الإجمالية الى ( 12,5 ) مليون برميل في اليوم لتشمل ثلاثة حقول اخرى هي (الغراف، ميسان، الحلفاية) 
    [[article_title_text]]
    شكل توضيحي رقم (2) يبين جانب من المشروع محطة معالجة وتحلية مياه البحر ومحطة توليد الطاقة
     
    تعهدت الشركة الاستشارية بإنجاز مهام عديدة يتم تنفيذها وفق المراحل التالية:
    1.مرحلة التصاميم الهندسية التفصيلية والنهائية بما في ذلك اختيار الشركات المنفذة للتصاميم Front-end Engineering Design (FEED) ولمدة سنة واحدة، أي كان يفترض ان تنتهي في بداية عام 2014 
    2.مرحلة الاعمال الهندسية والمشتريات والانشآت Engineering, Procurement and Construction (EPC) وفيها يتم اعداد المواصفات والاعلان عن المناقصة واختيار شركة التنفيذ للمشروع (المقاول الرئيسي).  ولمدة 3 سنوات ويفترض ان تنتهي في منتصف عام 2017 ومعها يبدأ حقن الماء في المكامن النفطية
    3.مرحلة الاشراف على التشغيل من قبل الشركة الاستشارية ولمدة سنة واحدة 
     
    [[article_title_text]]
    شكل توضيحي رقم (3) يبين الحقول النفطية في جنوب العراق وشبكة انابيب نقل النفط
    ووفق مصادر موثوقة ومطلعة على المشروع تبلغ التكلفة الكلية لإدارة وتصميم المشروع والاشراف عليه حوالي 175 مليون دولار وتتوزع كلاتي:
    حوالي 120 مليون دولار عن خدمات شركة سي أج تو أم هيل CH2M Hill، تم صرف حوالي 30 مليون دولار 
    حوالي 30 مليون دولار عن تكلفة تصاميم وحدات المعالجة والخزانات والمضخات من قبل شركة بارسنزParsons  الامريكية في مرحلة الفيد FEED من المعتقد انه تم صرف الجزء الاكبر منها 
    حوالي 20 مليون دولار عن تكلفة تصميم الانابيب من قبل شركة اي أل أفILF  الالمانية من المحتمل ان تم صرفها كلياً

    خامساً: تعثر المشروع
    من دون أدنى شك فإن وزارة النفط الاتحادية كانت مصيبة في اعتمادها لهذا المشروع الاستراتيجي وتكليف الشركة الاستشارية لمتابعته بكل مراحله بعد سحبه من شركة اكسون موبل، الا انها كانت مخطئة تماما في تخطيطها لالتزاماتها المالية فور التوقيع على عقد المشروع، كما هو الحال في تقديراتها لمستقبل اسعار النفط وامكانية تراجع ايرادات المالية العامة، كما حدث فعلاً ابتداءً من منتصف عام 2014.  وكان من الاجدر بالوزارة حجز المبالغ المخصصة لتمويل المشروع في حساب مستقل يضمن التنفيذ من دون تأخير.  ولكني اتوقع بأن وزارة النفط سوف ترفض اعتراضي بالقول بأن وزارة المالية هي المسؤولة عن هذا التقصير، مما يجعل امكانية محاسبة المقصرين شبه مستحيلة.
    واجه المشروع منذ البداية معوقات الروتين البيروقراطي مما ادى الى التأخير في انجاز المرحلة الاولى (FEED) والتي كان يفترض ان تنتهي في بداية عام 2014، الا انها وفي واقع الحال يتوقع ان تنتهي خلال الاسابيع القليلة القادمة بحسب المصدر المطلع على المشروع.  وهذا يعني تأخر في انجاز المشروع امتد الى أكثر من ثلاثة سنوات.  ومن المعتقد ان من بين الاسباب الرئيسية للتعثر هي تأخر شركة نفط الجنوب التابعة لوزارة النفط الاتحادية في الموافقة على مقترحات الشركة الاستشارية لاختيار الشركات التصميمية، حيث اعلنت شركة بارسنز عن تكليفها بمرحلة التصاميم الهندسية FEED في بداية عام 2015 أي بعد عامين من بدأ عمل الشركة الاستشارية (انظر موقع أخبار العراق الاقتصادية http://www.iraq-businessnews.com/2015/02/06/parsons-wins-soc-seawater-supply-project/)  
    كما واجه العقد الاستشاري جملة من المعوقات وزيادة في حجم العمل باضافة حقول اخرى الى المرحلة الاولى وزيادة طاقتها من ( 5,2 ) الى (7,5 ) مليون متر مكعب في اليوم كما حصلت زيادة في طول مسارات الانابيب الناقلة من 120 كم الى 430 كم.  ونجم عن ذلك زيادات في حجم العمل ادت الى مطالبات اضافية من استشاري المشروع وتغيير في المنهاج الزمني للتنفيذ لينتهي في 2022 بدلا من 2018 كما كان مخطط سابقا. (د. احسان العطار، المصدر السابق) 
    ومع بدء انهيار اسعار النفط في النصف الثاني من عام 2014 وتفاقمها في السنوات التالية مما ادى الى تراجع حاد في ايرادات الموازنة العامة لسنة 2015 و2016 بمقدار 60 الى 75 بالمائة عن مستوياتها في عام 2013، تراجعت امكانيات الوزارة المالية في تسديد مستحقات الشركة الاستشارية مما ادى الى تقليص انشطة الشركة الاستشارية وتخفيض عدد المهندسين العاملين في هذا المشروع من 20 الى 10 مهندسين فقط في شهر آيار الحالي.  وتساور بعض المراقبين المخاوف بأن تلجأ الشركة الاستشارية الى ايقاف المشروع بشكل نهائي لعدم وجود رؤيا واضحة لدى اصحاب القرار حول مستقبل هذا المشروع وبعد ما انفقت وزارة النفط حوالي 70-80 مليون دولار على خدمات الشركة الاستشارية حسب تقديراتي الشخصية.

    سادساً: مأزق وزارة النفط الاتحادية
    لقد اصبح من الواضح للعيان استحالة الوصول الى الاهداف الطموحة التي وضعتها الوزارة في بداية جولات التراخيص في عام 2009/ 2010 لذا توجب عليها التفاهم مع الشركات النفطية الدولية لتخفيض مستوى انتاج الذروة من 12 م/ب/ي الى 9 م/ب/ي مع حلول عام 2020 مقابل اعطاء تنازلات للشركات المتعاقدة مع الوزارة ، اهمها تمديد فترة العقود من 20 الى 25-30 سنة وتخفيض حصة الشريك العراقي "النائم" (الشركات الاستخراجية التابعة لوزارة النفط) في الربحية من 25% الى 5% و 6% و 10% حسب طبيعة الحقل المتعاقد عليه، وكذلك الغاء معامل الآر (R Factor)
    ويوجد بين الخبراء النفطيين شبه اجماع على عدم واقعية هدف انتاج الذروة الجديد 9 م/ب/ي بدلالة مطالبة السلطة التشريعية في قانون الموازنة العامة لسنة 2016 بالبدء بالتفاوض من جديد مع الشركات النفطية بغية الوصول الى تعديلات جديدة على عقود الخدمة بهدف تحسين الشروط للجانب العراقي.  ويتوقع الخبير النفطي كامل المهيدي ان مطالبة وزارة النفط بتخفيض جديد لهضبة الانتاج سوف تعني تقديم تنازلات جديدة وباهضة للشركات كما حصل في المرّة السابقة، تفوق ما يمكن توفيره من مشروع حقن الماء على المدى القريب والمتوسط، بمعنى ان تؤخذ كلفة التعديلات الجديدة بنظر الاعتبار.  وفي حالة تخفيض الهدف الانتاجي الى 6 م.ب.ي. سوف يبرز السؤال عن الجدوى الاقتصادية لمشروع حقن المياه المصمم على اساس هدف الانتاج الاصلي 12 م/ب/ي وبكلفة اجمالية تتراوح بين 6 و 7 مليار دولار في ظل الشحة المالية الحادة التي تعاني منها الموازنة العامة عموما وميزانية وزارة النفط الاستثمارية. 
    ومن الواضح ان الاستمرار في تأخر تنفيذ مشروع حقن المياه سوف يكون له تداعيات خطيرة على تنفيذ عقود الخدمة النفطية برمتها، اذ من المتوقع ان ينجم عن ذلك انخفاض تدريجي لمعلات انتاج النفط الخام الى أقل مما كان عليه قبل جولات التراخيص، أي بحدود 1.5 الى 1.8 م.ب.ي. وفق تقديرات الخبير النفطي كامل المهيدي، وهذا يعني فشل محتم  لجولات التراخيص برمتها اذ ان غياب آليات الرفع الاصطناعي الثانوي المتمثل بحقن الماء أو الغاز في المكامن النفطية بعد مرور فترة زمنية محددة من الزمن على انتاجها سيؤدي بشكل أو اخر الى نتائج سلبية هائلة لا يحمد عقباها ليس فقط على مستوى الانتاج، وانما على كفاءة الاستخلاص ايضا. (انظر أيضاً حمزة الجواهري، المصدر السابق)
    الا انني افترض وجود حرص جدي لدى المسؤولين في وزارة النفط الاتحادية والشركات الاستخراجية التابعة لها في العمل على تلافي المخاطر المحتملة.  ومن الواضح ان الثمن الذي سوف تدفعه الصناعة النفطية العراقية لتصحيح اخطاء الماضي ولتلافي المخاطر المستقبلية سوف يكون باهضاً.  لذا يتوجب على وزارة النفط تحمل مسؤولياتها لتقليل الاضرار المتوقعة الى ادنى حد ممكن ومن خلال تغيير نهجها الحالي بتهميش الكفاءات والعقول الاقتصادية الوطنية الحريصة على مستقبل الاقتصاد العراقي.  وهذا يتطلب تشكيل مجلس استشاري تابع لوزير النفط الجديد يضم اقتصاديين ومهندسين نفطيين لهم خلفية علمية وخبرة عملية طويلة في القطاع النفطي العراقي والدولي.  وستكون مهمة هذا المجلس تقييم اخطاء الماضي واقتراح الحلول الناجعة للخروج من المأزق الحالي بأقل الاضرار.  (اـنظر حمزة الجواهري، المصدر السابق). 

    سادساً: افكار أولية حول الحلول البديلة
    تجري حاليا مفاوضات سرية بين ممثلين لوزارة النفط الاتحادية وممثلين عن اكسون موبل الامريكية وشركة بترو جاينا الصينية حول مستقبل مشروع حقن مياه البحر.  ومما تسرب الى الخارج هو ان المفاوضات تدور حول صفقة لتمويل مشروع حقن الماء من قبل الشركتين مقابل تنازل الوزارة لهما لتطوير حقلين نفطيين واعدين هما حقل الرطاوي ونهر عمر في محافظة البصرة.  وبحسب معلومات الخبير النفطي جبار اللعيبي، التي ادلى بها لي شخصياً، فإن الشركتين عرضتا على وزارة النفط مبلغ 5 مليار دولار لتمويل المشروع بالإضافة الى استعدادهما للاستثمار في تطوير الحقلين بمبلغ 30 مليار دولار على ان يتم استرداد هذه الكلف من النفط المنتج مستقبلاً من هذين الحقلين.  ومن غير المعلن لحد الان الصيغة التجارية للتعاقد بين الطرفين وهل ستكون على اساس عقود الخدمة الحالية أم على اساس المشاركة في الانتاج.  اتوقع بأن الشركتين الدوليتين تطالبان بصيغة عقود المشاركة في الانتاج لأنها تمتلك الورقة الرابحة في الوقت الذي تفتقد وزارة النفط الى أي قوّة تفاوضية أو الى خيارات بديلة. 
    وبناءً على الدروس المستقاة من عقود الخدمة الحالية يمتلك المفاوض العراقي خيار المطالبة بصيغة جديدة لعقد خدمة على تطوير هذين الحقليين، حيث يمكن أن تربط استرداد النفقات الاستثمارية للمقاول والتي يتوجب ان يحدد سقف أعلى لها ورسم الخدمة بنسبة معينة من عائدات بيع النفط المستخرج مستقبلاً من ابار هذين الحقليين بأسعار سوق النفط العالمية في حينها.  من نقاط الضعف في هذا الخيار عجز الطرف العراقي عن مراقبة وتدقيق المصروفات الاستثمارية للشريك الاجنبي.  ولكن من الممكن تحديد حجم الاستثمار المطلوب مسبقاً ومراقبة وتدقيق التنفيذ من خلال الاستعانة بخبرات دولية متخصصة ومحايدة قادرة على تقدير الكلف الاستثمارية المطلوبة يضاف اليها رسم الخدمة أو هامش ربح معقول.  كما يمكن للمفاوض العراقي ان يمنح حوافز للمطور والمستثمر الاجنبي، منها الارتباط معه بعقود طويلة الامد لبيعه كمية معينة من النفط العراقي بأسعار السوق العالمية، مما يضمن للعراق استقرار نسبي لعائداته النفطية ولدولة الشركة النفطية ضمان بإمدادات الطاقة.
    كما ينبغي على المفاوض العراقي تخطي العقبات الايديولوجية التي يضعها بعض الخبراء النفطيين المسيسين ودراسة امكانية الاتفاق على عقد المشاركة في الانتاج بشروط افضلية للجانب العراقي وبأقل التكاليف والاستفادة من تجارب الدول النفطية الاخرى في هذا الميدان.  وما يخص الاعتراض بأن صيغة عقد مشاركة الاجنبي في الانتاج تتعارض مع الدستور العراقي الذي يحكم بأن النفط ملك للشعب العراقي فيمكن تلافي هذا التقاطع من خلال تحديد المدة الزمنية للمشاركة في الانتاج وفق احدى صيغ BOT المتعددة (أبني، استثمر، تملَّك وانقل الملكية بعد فترة زمنية يتفق عليها).
    (*) خبير اقتصادي دولي سابق، مؤسس شبكة الاقتصاديين العراقيين والمنسق العام لها
    (**) نشر هذا البحث لاول مرة وعلى نطاق محدود من القراء في 20 /6/2016 .أود الاعراب عن عميق امتناني لكل من الدكتور علي مرزا والاستاذ جبار اللعيبي والدكتور احسان العطار والاستاذ كامل المهيدي على ما تفضلوا به من ملاحظات قيمة على المسودة الاولى لهذه الورقة، كما اشكر الزميل مصباح كمال على مراجعته اللغوية لمسودة البحث، واود ان أؤكد في الوقت نفسه كامل مسؤوليتي عن كل ما زال عالقا بها من نواقص وثغرات.

    الملاحق
    ملحق رقم (1): رسالة من مبادرة شبكة الاقتصاديين العراقيين الى وزير النفط الاسبق د. حسين الشهرستاني

    ملحق رقم (2): جواب الاستاذ عبد المهدي العميدي، المدير العام لدائرة العقود والتراخيص البترولية في وزارة النفط.   

    المصادر
    فرانك كنتر: الاقتصاد السياسي للعراق – إعادة التوازن في مجتمع مرحلة ما بعد الصراع. ترجمة من الانكليزية الدكتور مهند طالب الحمدي. منشورات ضفاف، بيروت 2015 
    د ثامر العكيلي:* تقديرات كلف الانتاج النفطي المُضاف من عقود التراخيص، موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، 21/3/2016 
    تقرير داخلي للاستاذ عبد المهدي العميدي، المدير العام لدائرة العقود والتراخيص البترولية في وزارة النفط كملف بي دي أف. وملحق في بحث د. احسان ابراهيم العطار (انظر المصدر التالي) 
    د. احسان ابراهيم العطار*: ملاحظات حول جولات التراخيص البترولية وعقود الخدمة. موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، نشر في 11/04/2016
    جبار علي حسين اللعيبي:* جولات التراخيص النفطية – مراجعة الأخطاء ومقترحات لتعديل العقود، موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، نشر في 9/3/2016 
    حمزة الجواهري *: استمرارا بالحوار… هل الخلل في عقود التراخيص أم بإدارتها؟ موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، 3/1/2016 

    Matt Bradley: The Wall Street Journal. Updated Sept. 15, 2015
    قام بالترجمة الى العربية قسم الترجمة والتحرير في مركز البيان للدراسات والتخطيط. 20/9/2015  

    موقع الشركة الاستشارية سي أج تو أم هيل

    2B1st Consulting :South Oil evaluates offers for CSSP FEED contract

    موقع أخبار العراق الاقتصادية

    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit