قراءة في كتاب (معجميون ومعجمات، تقويم وتطوير) المعاجم العربية بين أخطاء النسخ وبناء العلم اللغوي
    الأربعاء 28 مارس / أذار 2018 - 14:57
    سعيد زين الدين*
    [[article_title_text]]
    صدق البروفيسور المصري الدكتور عماد بن محمد الباقوري حين وصف كيف دمعت عيناه وهو يرى أثرا علميا عربيا كان ضائعا وأحياه محقق علامة عراقي واعترفت به اليونسكو أثرا علميا مبدعا. وهو يقصد به كتاب (الماء) المشهور. 
    ولا أظن أن البروفيسور المصري الدكتور نبيل الميقاتي كان مبالغا حين وصف، في صفحته في الفيسبوك، جهود أستاذنا العراقي الدكتور هادي حسن حمودي، بأنها فوق طاقة البشر، بعد اطلاعه على بعض مؤلفاته خاصة (موسوعة معاني ألفاظ القرآن الكريم).
    وبعيدا عن أي انحياز رأيت نفس المنهج في آخر إصداراته (معجميون ومعجمات/ تقويم وتطوير) تشرين الأول/ أكتوبر 2017م. الذي لاحظت فيه ما يلي:
    1- إنه يقارن النص بالنص الآخر لا فقرة بفقرة، ولا مادة لغوية، بأخرى، بل مقارنة كلمة بكلمة. وهذا يحتاج إلى صبر وجهد كبير لا يقوى عليه إلا القلة من الباحثين. خاصة أن هذه البحوث لا تحقق أرباحا مالية للباحثين الجادين بما يعادل عشر معشار الجهد الذي يبذلونه.
    2- هو لا يتصيد أخطاء التأليف والتحقيق، بل هو يتابع ويرصد ويقارن ثم يشير إلى الخطأ ويضع الصحيح في موضعه.
    3- لا يحمّل المحققين الأخطاء، بل يعتبر الأخطاء عائدة إلى ثلاثة عوامل:
    أ- طبيعة النسخ المخطوطة للمعاجم (أو المعجمات، حسب لغته) المحققة، خاصة أن بعضها سقيم ويحتاج إلى دراسة كبيرة.
    ب- أخطاء الطباعة والتصحيح غير الدقيق. خاصة ما نعرفه عن الأوضاع الثقافية والنشر في عموم العالم العربي.
    ج- ثم يأتي دور المحققين في هذا الإطار.
    4- يتناول بالنقد تحقيق كتاب العين بطبعته الكاملة الصادرة بثمانية أجزاء والتي أقدم عليها اثنان من أكابر العلماء العرب هما الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي. والنقد، هنا، يعتمد على المقارنة الحرفية بكل معنى الكلمة، بين كتاب مختصر كتاب العين للخطيب الإسكافي (تـ 420 هـ)، وكتاب العين للخليل بن أحمد (تـ 175 هـ).
    5- يتناول بالنقد تحقيق كتاب المنجّد في اللغة لأبي الحسن الهنائي المعروف بكراع النمل (تـ 310هـ) الذي انطلق من البصرة والكوفة ليؤسس المدرسة اللغوية المصرية. والنقد هنا، ينصب على النسخة المخطوطة نفسها، وعلى التحقيق، ولغة المحققين، وهما: الدكتوران أحمد مختار عمر وضاحي عبد الباقي (صدر في سنة 1976). ولَمّا كان مجمع اللغة العربية قد خصص في سنة 1979 جائزة لتحقيق النصوص على أن يكون الكتاب المرشّح قد نشر سنة 1976 تحديدا، انطبقت الشروط على الكتاب وفاز بالجائزة.  ثم صدرت له طبعة ثانية في سنة 1988م. ومن الجدير بالذكر أن الدكتور أحمد مختار عمر عضو في مجمع اللغة العربية في القاهرة.
    6- وبهذا استطاع أن يعيد للكتابين رونقهما وصوابهما. فعن كتاب العين ذكر وقوع أكثر من ألفي تصحيف وتحريف وخطأ في الطبعة ذات الثمانية أجزاء. وعن كتاب (المنجد في اللغة) ثبت كثيرا من الأخطاء التي وقعت في مقدمة التحقيق وحواشيه والخطأ في قراءة النص المخطوط.
    وإذا كان هذا يمثل نقدا علميا للمعجمين المذكورين، فإن السيد الباحث الدكتور هادي حسن حمودي لم يكتف بذلك فهو لا يهدف إلى النقد لمجرد النقد أو للتشهير وتصيد الأخطاء والأغلاط، بل أراده وسيلة لتثبيت نقطتين مهمتين:
    الأولى: إعادة تصحيح المعجمات العربية المطبوعة، فبقاء الخطأ فيها ضارّ ويوقع المراجعين لتلك المعاجم بالخطأ الذي يمكن التخلص منه بإعادة التصحيح.
    الثاني: بظهور كتاب معجم مقاييس اللغة لأحمد بن فارس (تـ 395 هـ) المؤسس على كتاب العين للخليل بن أحمد، ظهرت نظرية المقاييس اللغوية. وهنا يقوم الباحث البليغ بتطوير تلك النظرية ليجعلها فلسفة الأصول اللغوية، التي يُشاد عليها علم اللغة العربية بدلا من استجداء مناهج البحث اللغوي الغربي المشتق من طبيعة اللغات الأوربية، وإخضاع اللغة العربية بالقوة للانسجام مع تلك المناهج.
    ويوجز السيد الدكتور هادي سبب التأليف في السطور الأولى من مقدمته الجميلة للكتاب حيث قال: (لسبب قرآنيّ وثيق، وللمحافظة على الأصالة والتراث، وللظروف الاجتماعية الجديدة في الكوفة والبصرة فبغداد ثم مراكز الثقافة التي نشأت فيما بعد، ظهرت الحاجة إلى مدارسة اللّغة الفصحى. فكانت نقطة الانطلاق الحقيقية منذ بواكير القرن الثاني للهجرة حين أُرسيت مرتكزات الدّرس اللّغويّ التي تجمعت في القرنين الثاني والثالث الهجريين في أربعة ميادين: النقل والتجميع. الفهم والترسيخ. الكشف والاستنباط. التنمية اللغوية وتوسيع المجاز.
    ولقد أثمر القرنان الثاني والثالث مجموعة طيّبة من المؤلفات التي جمّعت الألفاظ، وصنّفت المعانِي. فبدأت الحركة المعجمية بكتاب (العين) الممنهج على النظام الصوتي. وكان ذلك إيذانا ببدء مرحلة التأليف المعجمي، حتى آل الأمر في القرن الرابع إلى ظهور معجمات عدة، أبرزها مجمل اللغة لأحمد بن فارس حيث خطا خطوة ضرورية لظهور فلسفة الأصول اللغوية في المعجم العظيم (معجم مقاييس اللغة) الذي تضمن نظرية علمية يمكن الاستفادة منها في تشكيل أسس علم اللغة العربية في العصر الحديث.
    ذلك أن نظرية المقاييس التي نسميها بنظرية الأصول اللغوية، قدّمت منهجا رائدا يوصل لتلك الغاية. فعن طريق استقراء معانِي الألفاظ من أجل ضبطها في أصول الجذور كشفت النظرية عن المعانِي الأصلية والمعانِي المتفرّعة في عمليّة التحوّل اللّغويّ وتطوره، وكشفت، أيضا، عن الوسائل التي سلكتها اللغة في تطورها. مما يعين الباحثين المعاصرين على تطويرها والاستفادة منها في تشييد أركان العلم اللغوي، سواء ما كان هادفا إلى وضع حلول لمشكلات اللغة العربية، أم متابعة تطورها التاريخي، أم استكشاف السبل والوسائل المؤدية إلى إحيائها في الاستعمال اليومي، إلى غير ذلك من مهمات العلم اللغوي المعاصر. 
    لذا يأتي كتابنا هذا ساعيا نحو هدفين:
    الأول: تقويم أسس المعجم العربي، باستنقاذ أصوله الأولى, من الأخطاء التي حلت بها، ليكون ذلك بمثابة ضوء لتحقيقٍ أكثر سلامة لكتب التراث العربي العريق.
    والثاني: تطوير البحوث اللغوية، سواء بالدعوة إلى ضبط مناهج تحقيق المخطوطات، أم الاستفادة من نظرية المقاييس أو نظرية الأصول اللغوية).
    نأمل السير بهذا البحث إلى الأفق الذي استهدفه ولفائدة اللغة العربية وعشاقها.

    * كاتب سوري – المكتبة البريطانية - لندن
    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit