أرشيف البعث يكشف عن وحشية نظام صدام المباد
    الثلاثاء 3 أبريل / نيسان 2018 - 04:22
    كلفتون باركر
    عندما قررت "ليزا بليدز”، الباحثة في جامعة ستانفورد، تأليف كتاب عن نظام حكم صدام حسين في العراق لجأت الى أوسع مصدر في هذا الشأن وهو ارشيف حزب البعث المقبور، والمودع في معهد "هوفر”.
    يضم هذا الكنز من المشاهدات، النافذة في عمق تاريخ العراق الحديث، اكثر من 10 ملايين صفحة وصورة مسجلة رقمياً ونحو 1500 ملف فيديوي جمعت من مقرات حزب البعث العراقي ومصادر اخرى. هذه الملفات المودعة في مكتبة وارشيف معهد هوفر تسلط الضوء على الكيفية التي كان العراق يدار بها وطبيعة حكم صدام الشمولي. عملت على جمع هذه الوثائق مؤسسة "ذاكرة العراق” وتلقى معهد هوفر الدفعة الاولى منها في العام 2008.
    في العام 2010 سمح لـ 170 باحثاً بمباشرة العمل على هذه الوثائق، وفي شهر آذار الحالي اطلع ممثلون من مركز "منتهكو حقوق الانسان وجرائم الحرب”، المشكل من عملاء خاصين تابعين لمكتب التحقيقات الفدرالي ووزارتي العدل والامن القومي، على مجموعة الوثائق تلك خلال فترة تواجدهم في الجامعة.
    تعكف وحدة جرائم الحرب على إجراء تحقيقات في مجال حقوق الانسان، لذا من شأن مجموعة مثل ارشيف حزب البعث ان تكون لهم عوناً مهماً في مسعاهم.
    صعد حزب البعث الى سدة السلطة في العراق بانقلاب عسكري في تموز 1968، وفي العام 1979 فرض صدام، الذي كان له دور مهم في الانقلاب المذكور، قبضته عل السلطة بشكل كامل. تكشف الوثائق عن أن اعضاء الحزب أخذوا يتسللون مع مرور الوقت بشكل منتظم الى جميع المؤسسات الحكومية والعسكرية، وقد مكنتهم من ذلك ممارسة اسلوب القبضة الحديدية على حياة الموظفين الحكوميين والكوادر العسكرية الى جانب قدرتهم على التأثير في القرارات الحكومية عند المستويات الادنى في كل مكان من البلد.
    تصف بليدز، الزميلة السابقة في معهد هوفر الوطني، الارشيف بأنه ذو قيمة لا توصف بالنسبة لكتابها المقبل وعنوانه: "دولة القمع: العراق تحت حكم صدام حسين.” (ستصدره مطبعة جامعة برنستون في 2018) حيث وجدت الباحثة ان حزب البعث كان يستخدم آليات متنوعة لكسب الولاء ومنع الانتفاض ضده.
    تقول بليدز: "تغطي وثائق هذا الارشيف مختلف شؤون ادارة الدولة يوماً بيوم، بدءاً من نشاطات تحشيد المواطنين التي يقوم بها حزب البعث الى مراقبة الخيارات السياسية لدى طلبة المدارس الثانوية.”
    من بين اشد الجوانب اثارة للاهتمام مذكرات كثيرة تتناول "الشائعات” التي كان المجتمع العراقي يتداولها خلال اعوام التسعينيات الى مطلع ما بعد العام 2000.
    تضيف بليدز: "هذه الشائعات تغطي شؤوناً متنوعة بعضها مسرف في الخيال، مثل شائعة تقول ان والدة بيل كلنتون مولودة في مدينة الموصل، وبعضها الاخر اقرب الى الواقع، مثل شائعة ان اسعار الطماطم في طريقها للارتفاع.”
    وجدت بليدز في ملفات حزب البعض اكثر من 2000 شائعة، كثير منها تستهدف تقويض النظام او تسعى لحشد شرائح مختلفة من الناس باتجاه فعل جماعي ما.
    يكشف ارشيف بليدز عن أن الارهاب كان حاضراً دائماً في المجتمع العراقي. فخلال سنوات منتصف التسعينيات اصدر صدام امراً بقطع آذان الفارين من الخدمة العسكرية، وتقول بليدز: "وجدت وثيقة تكشف عن اعداد الفارين من الخدمة الذين القي القبض عليهم في انحاء مختلفة من البلد، وكذلك اعداد من قطعت آذانهم. وفي احدى المذكرات وردت شكوى مفادها ان الاطباء لا يقطعون اعداداً كافية من الاذان وفي هذا ايحاء بوجود شكل من اشكال العصيان البيروقراطي.” كذلك وجدت بليدز ان العقوبات كانت في كثير من الاحيان تلاحق عوائل الاشخاص الذين يمتنعون عن تأييد الحزب.
    تنقسم مادة الارشيف الى مجموعتين. الاولى، وهي المجموعة الاكبر، تتألف من وثائق حزب البعث ومؤسساته الامنية والادارية الاخرى، وهذا هو سجل حزب البعث للفترة 1968 الى 2003. اما المجموعة الثانية الاصغر حجماً فتضم اشرطة فيديو ومواد مطبوعة انتجتها جهات اخرى بعد سقوط حزب البعث، وهذه هي سجلات مؤسسة الذاكرة العراقية للفترة 2003 الى 2010.
    يقول "إريك واكن” مدير المكتبة والارشيف: "تتيح المجموعة منفذاً فريداً للاطلاع على الآليات الداخلية لنظام سلطوي دموي وحشي. يحصل الباحثون الراغبون على نظرة معمقة في اساليب تفكير وعمل النظام الدكتاتوري البعثي على مستويي طبقة النخبة وطبقة عناصر الحزب العاديين، ومنها يمكنهم رؤية مدى التفصيل في عمليات المراقبة والاجراءات القسرية التي كانت تمارسها دولة صدام الاجرامية.”
    قبل الحصول على اذن بالدخول الى السجلات يوقع الباحثون اتفاقية خاصة لأن المجموعة تحتوي على معلومات يمكن ان تستغل في تحديد هوية الاشخاص. وبالامكان استعراض محتويات السجل عبر محطات كومبيوتر في قاعة المطالعة التابعة لارشيف هوفر، كما تتوفر بعض المواد بنسخ مطبوعة.
    استعان "جوزيف ساسون”، وهو استاذ مساعد من جامعة "جورجتاون”، بوثائق حزب البعث في تأليف كتابه المعنون: "حزب بعث صدام حسين: من داخل النظام السلطوي.” (الصادر عن مطبعة جامعة كمبردج في العام 2012). يقول: "لولا الارشيف العراقي لاستحال علي اجراء بحوثي عن حزب البعث. بل اننا في الواقع لن نتمكن اليوم من اجراء بحث عن اي دولة عربية بسبب افتقارنا الى الارشيفات المفتوحة.”
    في حالة العراق يكشف الارشيف كيف كان الحزب الدموي الحاكم ينسق العمل مع اجهزته القمعية ومكتب صدام. يقول ساسون: "هذا الارشيف فريد حقاً من حيث المادة التي يغطيها، واعتقد ان كثيرا من الكتب سوف تؤلف في تغطية جوانب مختلفة من واقع العراق الحديث بالاستناد الى هذه الارشيفات.”
    أدهش ساسون مستوى الدقة التفصيلية المكثفة في جمع المواد على شكل ملفات ثم اجراء مطابقات بين المراجع مع بعضها على مدى اكثر من 30 سنة من حكم حزب البعث الفاشي، بالاضافة الى "الكم الهائل” من المعلومات التي كانت تجمع عن كل تلك الاعداد الكبيرة من الاشخاص الذين تتراوح اعمارهم بين طلبة المدارس الثانوية وسن التقاعد. فعلى سبيل المثال كان الحزب يجمع المعلومات عن جميع المتقدمين للانتساب الى الكليات العسكرية واكاديميات الشرطة، وهذه المعلومات تمتد الى كافة جوانب حياتهم.
    يقول ساسون: "اعتقد ان من المهم للعراقيين ان يروا كيف كانوا يحكمون طيلة ثلاثة عقود او اكثر، والى اي مدى كان النظام البوليسي يفرض نفسه على حياتهم الخاصة من خلال اعداد ضخمة من المخبرين ويتوقع الولاء والطاعة التامتين من جميع المواطنين بلا استثناء.”
    وجد الباحثون ايضاً ان اقارب من يوصفون بـ "شهداء ام المعارك” (وهي التسمية الرمزية التي اطلقها حزب البعث على معركة الخليج الاولى) كانوا يتمتعون بامتيازات كبيرة وفرص افضل في التعليم. اما الذين تربطهم صلات قربى بالمعارضين السياسيين فقد كانت فرص تقدمهم في اي مجال محدودة للغاية.

    كلفتون باركر
    عن موقع جامعة ستانفورد 

    ترجمة : انيس الصفار 
    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit